الخِطابُ الدَّعَوِيُّ بين تمامِ البلاغِ وآفةِ الاجتزاء
جمعُ النصوصِ والربطُ بينها: فنُّ درايةٍ يصونُ بيانَ الإمامِ من بَتْرِ المعاني
بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
مَدخَل
الحمد لله الذي أنزل الكتاب تبيانًا لكل شيء، والصلاة والسلام على من أوتي جوامع الكلم، وعلى آله وصحبه الذين حملوا عنه الكلمة تامةً فأدَّوها كما سمعوها، وبعد:
فإن من أخطر ما يعتري الخطاب المنبري اليومَ آفةً خفيةً لا يتنبه لها كثير من الأئمة والخطباء، وهي إغفالُ الربط بين النصوص وجمعِ المادة العلمية كاملةً قبل عرضها على الناس. فيقوم الخطيب فيذكر روايةً واحدة من حديثٍ له رواياتٌ متعددة يُكمِل بعضُها بعضًا ولا غناء عنها في تمام المعنى، أو يقرأ آيةً مقطوعةً عن سياقها ونظائرها، فيخرج الخطاب مجتزأً والمعنى مبتورًا في غالب أحيانه، وربما فهم الناس منه خلافَ مراد الشارع الحكيم. وتزيد الآفةَ استفحالًا آفةٌ استجدت في حياتنا: ثقافةُ المقاطع القصيرة المقتطعة — ما يسمى بـ«الريلز» — التي عوَّدت الناسَ تلقي الدين لُقَطًا مبتورة، وعوَّدت بعضَ الخطباء صناعةَ كلامهم على مقاسها.
وهذا الباب من أوثق الأبواب صلةً بمنصب الإمامة؛ لأن الإمام مُوقِّعٌ عن الله ورسوله بين يدي الناس، مبلِّغٌ عنهما، والله تعالى يقول: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤]، والبيان لا يتحقق إلا بجمع أطراف الكلام بعضِها إلى بعض؛ إذ الكلمة الواحدة من النص كالعضو الواحد من الجسد، لا يُعرف تمامُ خلقه إلا بردِّه إلى جملته. على أنا قبل أن نمضي في التأصيل يَحسُن أن نقف وقفةً نحرر فيها اسم هذا الباب وموقعَه من خريطة العلوم؛ حتى لا نَدَّعي له ما ليس له، ولا نبخسه ما هو له.
أولًا: تحريرُ المصطلحِ — أعِلمٌ مستقلٌّ هو أم فنٌّ من فنونِ الدِّراية؟
الحق أن «الربط بين النصوص» ليس علمًا مستقلًّا له حدٌّ مرسوم ومصنفاتٌ باسمه كعلم النحو أو المصطلح، وإنما هو فنٌّ من فنون الدراية، وأداةٌ من أدوات الفهم، ومن ثَمَّ من أدوات البلاغ وحسنِ البيان؛ تتقاطع فيه علومٌ قائمة معروفة: جمعُ طرق الحديث وهو باب من أبواب علم العلل، ومختلفُ الحديث ومشكلُه وله مصنفاته المشهورة — «اختلاف الحديث» للإمام الشافعي وهو أول من أفرد هذا الباب بالتصنيف، و«تأويل مختلف الحديث» لابن قتيبة، و«شرح مشكل الآثار» للطحاوي — وتفسيرُ القرآن بالقرآن، وردُّ المتشابه إلى المحكم، والتفسيرُ الموضوعي في اصطلاح المتأخرين. واشتهر بإتقان هذه الصنعة أئمةٌ يأتي ذكر بعضهم: الشافعي وأحمد وعلي بن المديني وابن خزيمة والطحاوي، ومن الشراح ابن حجر والنووي.
ولهذا الفن ضوابط تحفظه من أن ينقلب إلى ضده، أهمها خمسة: الجمعُ قبل الترجيح، فلا يُصار إلى دعوى النسخ أو الترجيح إلا بعد تعذر الجمع؛ وردُّ المتشابه إلى المحكم لا العكس؛ واعتبارُ السياق وأسباب الورود والنزول؛ والتحرزُ من التلفيق، فلا تُركَّب روايةٌ من ألفاظ رواياتٍ شتى وتُساق مَساق النص الواحد، بل يُعزى كل لفظ إلى راويه ومخرجه — فالجمع بين النصوص مواءمةٌ بين معانيها لا خلطٌ بين ألفاظها —؛ والاستضاءةُ بفهم الأئمة والشراح، فلا يستقل الخطيب بالجمع برأيه فيما تكلم فيه أهل العلم. فإذا استقر موقع هذا الفن وضوابطُه، فلننظر في أصله؛ فإن أصله من الوحي نفسه.
ثانيًا: التأصيلُ — النُّصوصُ يُفسِّرُ بعضُها بعضًا
قرر أهل العلم أن أصح طرق التفسير أن يُفسَّر القرآن بالقرآن؛ فما أُجمل في موضع فقد فُصِّل في موضع آخر، وما أُطلق في آية فقد قُيِّد في أختها، ثم يُفسَّر القرآن بالسنة، والسنةُ يفسِّر بعضُها بعضًا. وهذا المنهج ليس اصطلاحًا حادثًا، بل هو منهج نبوي أصيل علَّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه تعليمًا مباشرًا.
ففي الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شقَّ ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أيُّنا لم يظلم نفسه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ليس ذلك، إنما هو الشرك، ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]»[1]. فانظر كيف أزال صلى الله عليه وسلم الإشكال العظيم الذي كاد يقصم ظهور الصحابة، لا بكلام مبتدأ، بل بربط النص المُشكِل بنصٍّ آخر من الكتاب نفسه؛ فردَّ المتشابه إلى المحكم، وهذه هي عين الصنعة التي نتحدث عنها.
وفي المقابل، فقد جعل الله تتبعَ المتشابه المقطوعِ عن محكمه أمارةً على أهل الزيغ فقال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. ولا ينبغي لأهل العلم أن يقعوا — وحاشا أهلَ العلم وأربابَ المنابر — في صورةٍ من الخطأ جعلها الله علامةً على أولئك؛ فشتان بين متعمدٍ للفتنة ومتأولٍ حسنِ القصد، غير أن أثر الكلام المبتور على أسماع الناس قد يتقارب وإن تباعدت النيات. وقد رأى الصحابة عاقبة هذا المسلك في الخوارج؛ قال ابن عمر رضي الله عنهما فيهم: «إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين»[2]، فما ضلَّت تلك الطائفة بجهلها بألفاظ القرآن، بل بقطعها الآيات عن سياقها ونظائرها. ولذلك لما ناظرهم حَبر الأمة ابنُ عباس رضي الله عنهما لم يجادلهم برأيه، بل حاجَّهم بجمع النصوص وضمِّ بعضها إلى بعض حتى رجع منهم ألفان[3]، فكان جمعُ النصوص سلاحَ القيادة الراشدة في معالجة الغلو، وما أحوجنا إليه اليوم.
ومن الاجتزاء القرآني ما يقع في كلام بعض الوعاظ من قراءة قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ﴾ [الماعون: ٤] والوقوف دون تمامها: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٥]، وقد ضرب العلماء المثل السائر بمن يقرأ ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ٤٣] ويمسك عن قوله: ﴿وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾؛ فينقلب النهي عن الصلاة في حال السُّكر إلى نهي عن الصلاة نفسها! وهو مثالٌ في الظاهر مبالَغٌ فيه، لكنه يقع بصورٍ ألطف منه في خطبنا أكثر مما نظن. وهذا الأصل القرآني النبوي هو الذي صاغه أئمة الحديث من بعدُ قواعدَ صريحة محررة.
ثالثًا: منهجُ العلماءِ قديمًا وحديثًا — لا فَهمَ إلا بجَمعِ الطُّرق
وليس ما نشير إليه اليوم حديثَ عهدٍ بمحاولات إصلاح الخطاب المنبري والوعظي، وإنما هو حديث العلماء قديمًا وحديثًا؛ فقد تواردت كلمات أئمة هذا الشأن على أن جمع الطرق شرطُ الفهم نفسِه، لا ترفٌ صناعي يختص به المحدثون.
فمما يُروى عن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله قوله: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه؛ والحديث يفسر بعضه بعضًا»، وعن علي بن المديني شيخِ البخاري: «الباب إذا لم تُجمع طرقه لم يتبين خطؤه»، وعن يحيى بن معين: «لو لم نكتب الحديث من ثلاثين وجهًا ما عقلناه»؛ روى ذلك كلَّه الخطيب البغدادي بأسانيده في «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع»[4]. وبيَّن الإمام مسلم في كتابه «التمييز» أن السبيل إلى معرفة خطأ الرواة إنما هو جمعُ الروايات ومقابلةُ بعضها ببعض حتى يتميز صحيحها من سقيمها، وقرر الحافظ ابن حجر وغيره من أئمة المصطلح أن المعتمد في كشف العلل ودفع التعارض هو جمعُ الطرق والموازنةُ بينها.
ولم ينقطع هذا الحديث عند المتقدمين؛ فمن المعاصرين نصَّ الشيخ يوسف القرضاوي رحمه الله في كتابه «كيف نتعامل مع السنة النبوية: معالم وضوابط» على أن من ضوابط حسن فهم السنة: فهمَها في ضوء القرآن الكريم، وجمعَ الأحاديث الواردة في الموضوع الواحد حتى تكتمل رؤية الفقيه والشارح[5]. فالتقى قول المعاصرين بقول السلف على كلمة واحدة: الفهم فرعُ الجمع، والبلاغ فرعُ الفهم. فإذا كان أئمة الصنعة لا يثقون بفهمهم لحديثٍ حتى يجمعوا طرقه، فكيف يثق الخطيب بفهمه — ثم بتبليغه الناسَ على المنابر — من رواية واحدة وقعت له عرضًا في كتاب أو منشور؟
رابعًا: أمثلةٌ تطبيقيةٌ — أحاديثُ يُبتَرُ معناها بإغفالِ بقيةِ رواياتِها
وحتى لا يبقى الكلام تقعيدًا مجردًا، فهذه ستة أمثلة من صميم ما يطرقه الخطباء في كل جمعة، نسوقها مثالًا مثالًا؛ نُري القارئ في كل واحد منها كيف يَعوَجُّ المعنى إذا أُفردت روايتُه، وكيف يستقيم ويكتمل إذا جُمعت رواياتُه وضُمَّ بعضُها إلى بعض — مع التزام أدب التوثيق الذي قدمناه: كلُّ لفظٍ معزوٌّ إلى مخرجه، من غير تلفيقٍ بين ألفاظ الروايات.
١. حديث: «إنَّ الميِّتَ يُعذَّبُ ببُكاءِ أهلِهِ عليه». هذا الحديث في الصحيحين من رواية عمر وابنه رضي الله عنهما[6]، ولو ألقاه الخطيب مفردًا لأوهم مؤاخذةَ الميت بذنب غيره. وقد استدركت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها على إطلاقه فقالت: «يرحم الله عمر، والله ما حدَّث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أن الله ليعذِّب المؤمن ببكاء أهله عليه، ولكن قال: إن الله ليزيد الكافرَ عذابًا ببكاء أهله عليه»، وقالت: «حسبُكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: ١٦٤]»[7]. وجمع العلماء بين الروايات بأن الوعيد فيمن أوصى أهله بالنياحة أو علم من عادتهم ذلك فلم ينههم. فها هنا صحابيةٌ فقيهة تعرض السنة على القرآن وتجمع الروايات، فيستقيم المعنى ويندفع الإشكال — وهو عينُ ما ينبغي للخطيب صنعُه قبل أن يعتلي المنبر.
٢. حديث: «أُمِرتُ أن أُقاتِلَ الناسَ حتى يقولوا لا إله إلا الله». هذا من أشهر ما يُجتزأ من النصوص، وعليه يقتات الغلاة من جهة، والطاعنون في الإسلام من جهة أخرى. وتمامه في الصحيحين واللفظ للبخاري: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله»[8]. وقد جرى فهمُ الصحابة أنفسِهم على ردِّ بعض ألفاظه إلى بعض؛ فلما احتج عمر على أبي بكر رضي الله عنهما في قتال مانعي الزكاة برواية: «أُمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله... إلا بحقه»، أجابه الصديق: «والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة؛ فإن الزكاة حقُّ المال»[9]. فأبو بكر — وهو القائد المبلَّغ عنه — بنى موقفه الجليل على تمام الحديث لا على مجتزئه، ثم إن النصوص الأخرى في العهد والذمة والجزية وقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: ٢٥٦] تُبيِّن أن الحديث ليس على عمومه المتوهَّم، وأنه في طائفة مخصوصة وسياق مخصوص. فمن ألقاه مبتورًا فقد فتح بابًا لا يسدُّه.
٣. أحاديثُ العَدوى: «لا عَدوى ولا طِيَرة» مع «فِرَّ من المجذوم». في الصحيحين: «لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر»، فلو وقف الخطيب عنده لأوهم إبطال الأسباب جملة. لكن في البخاري: «وفِرَّ من المجذوم كما تفرُّ من الأسد»، وفي الصحيحين: «لا يُورِدَنَّ مُمرِضٌ على مُصِحٍّ»، وفيهما في الطاعون: «إذا سمعتم به بأرض فلا تَقدَموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه»[10]. فبجمع النصوص يتضح المعنى المتكامل: نفيُ ما كانت الجاهلية تعتقده من تأثير العدوى بطبعها استقلالًا عن قدر الله، مع إثبات الأسباب والأخذ بها والتوقي منها. وسيأتي في النماذج المعاصرة كيف صار هذا المثال بعينه امتحانًا عمليًّا لأئمة الغرب.
٤. النهيُ عن الشُّربِ قائمًا مع شُربِهِ صلى الله عليه وسلم قائمًا. روى مسلم عن أنس وأبي هريرة رضي الله عنهما النهيَ عن الشرب قائمًا، وفي بعض ألفاظه تشديد. وفي الصحيحين عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «سقيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم». وفي البخاري أن عليًّا رضي الله عنه شرب قائمًا ثم قال: «إن ناسًا يكره أحدُهم أن يشرب وهو قائم، وإني رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت»[11]. فمن خطب عن آداب الطعام والشراب بأحاديث النهي وحدها أوقع الناس في الحرج وتخطئة ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم فعلُه، ومن جمع النصوص عرف مسالك العلماء في الجمع، فخرج خطابه أمينًا متوازنًا.
٥. حديثُ رافعِ بنِ خَديجٍ في النهيِ عن كِراءِ الأرض. هذا المثال هو الذي يضربه المحدثون شاهدًا على قاعدة «الحديث إذا لم تُجمع طرقه لم تفهمه». فقد روى رافع بن خديج رضي الله عنه النهي عن كراء المزارع[12]، ولو أُخذ بإطلاقه لحُرِّمت المزارعة والمؤاجرة التي عمل بها الصحابة. فلما جُمعت طرقه تبيَّن في بعض رواياته أنهم كانوا يُكرون الأرض بما على الماذيانات وأقبال الجداول وشيءٍ من الزرع مجهول، فيسلم هذا ويهلك هذا، فنُهوا عن ذلك للغرر والجهالة، لا عن أصل الكراء. وقال زيد بن ثابت رضي الله عنه: «يغفر الله لرافع بن خديج، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه رجلان قد اقتتلا، فقال صلى الله عليه وسلم: إن كان هذا شأنكم فلا تُكروا المزارع»[13]. فانظر كيف كان الحكم الشرعي المتحصَّل بعد جمع الطرق مغايرًا لظاهر الرواية المفردة، وكم من منبرٍ يُبنى عليه حكمٌ من رواية مفردة!
٦. حديث: «ولا تَقُلْ: لَوْ». في صحيح مسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل: قدَّر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان»[14]. يقتطع بعض الخطباء منه النهي عن «لو» فيوهم تحريمها مطلقًا، مع أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ ما سُقتُ الهدي»[15]. فبجمع النصوص — مع سياق الحديث نفسه الذي بُتر عنه — يتبين أن المنهي عنه «لو» المقترنة بالتسخط والاعتراض على القدر، لا «لو» التي للتمني الصالح أو التعليم. فالبتر هنا لم يقع بإغفال رواية أخرى فحسب، بل بقطع الجملة عن أول حديثها، وهو أخف صور البتر وأكثرها شيوعًا. وإذا كانت هذه الأمثلة من ميراث العلم المتوارَث، فإن واقعنا في الغرب يسوق إلينا كل جمعةٍ أمثلتَه الجديدة.
خامسًا: ثلاثةُ نماذجَ من واقعِنا في أمريكا والغرب
النموذج الأول: آفةُ «الريلز» ومقاطعُ الثلاثين ثانية. من آفة ما استجد في حياتنا ما يسمى بـ«الريلز» والمقاطع القصيرة؛ فخطيبٌ في أحد مساجدنا الأمريكية يلقي خطبةً متوازنة، فيُقتطع منها نصفُ دقيقة ويُنشر مبتورًا عن سياقه، فتتلقفه منصاتُ رصدٍ معادية وتقدمه شاهدًا على «خطاب الكراهية»، ويجد المسجدُ نفسَه في مواجهة إعلامية. والدرس هنا مزدوج: فالإمام الذي يستحضر أن كلامه سيُقتطع يتعلم أن يسوق النص تامًّا بسياقه في كل مرة، ثم هو يدرك من معاناته مع الاقتطاع الإعلامي شناعةَ أن يصنع هو بالنصوص الشرعية ما يشكوه من خصومه.
النموذج الثاني: الجائحةُ وفقهُ الجمعِ بين النصوص. لما اجتاحت جائحة كورونا أمريكا وعُلِّقت الجمعُ والجماعات، انقسم الناس: فريق يحتج بشطر الباب على وجوب فتح المساجد، وفريق تعلق بالأسباب حتى كاد ينسى ربَّها. ولم يثبت في تلك الفتنة إلا الأئمة الذين أعملوا الجمعَ الذي قدمناه في المثال الثالث آنفًا بين نصوص العدوى والأسباب والتوكل، فأخرجوا لجالياتهم فقهًا متوازنًا أقنع المحتاط والمتوكل جميعًا. فكان ذلك امتحانًا عمليًّا أظهر أن جمع النصوص ليس ترفًا أكاديميًّا، بل عُدَّة القيادة في النوازل.
النموذج الثالث: جمهورٌ يراجعُ ويقرأ — فكيف يقودُه الإمام؟ شابٌّ جامعي يشهد الجمعة، فإذا انصرف راجع الحديثَ الذي سمعه على المواقع الحديثية والموسوعات الرقمية، وقرأ في منصات المشككين بالإنجليزية شبهاتٍ مبنيةً كلُّها على نصوص مبتورة. وهذه اليقظة في نفسها ليست خصومةً مع الإمام ولا سوءَ أدب معه — وإنما يُقال له: الإنصات في الخطبة واجب، وباب المراجعة والسؤال مفتوح بعدها — بل هي فرصة تربوية ينبغي للإمام أن يقودها لا أن يستوحش منها. فإذا وجد هذا الشابُّ إمامَه يسوق النصوص تامةً بسياقها معزوَّةً إلى مخارجها، تعلم منه منهجَ التلقي قبل مضمون الخطبة؛ وخرج من المسجد محصَّنًا ضد الغلاة والمشككين معًا، لأن كليهما إنما يصطاد بالنص المقطوع. وإذا وجده يجتزئ كما يجتزئ خصومُ دينه، تسرب الشك إلى كل ما يسمعه منه بعدُ. وبعدُ؛ فما الذي يجنيه الإمام إذا أتقن هذا الفن؟ ثمراتُه ثلاث.
سادسًا: ثلاثُ ثمراتٍ لهذا الفنِّ في ميزانِ الإمامةِ والقيادة
الأولى: صيانة المنبر عن أن يُنسب إلى الله ورسوله ما لم يقولاه؛ فإن المعنى المبتور قد يكون معنى آخر غير الذي أراده الشارع، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»[16]. ولئن كان الخطيب المجتزئ غير متعمدٍ للكذب، فإن التساهل في التثبت مع القدرة عليه لا يُعذر به من نصَّب نفسه للتبليغ.
والثانية: اعتدال الخطاب وتوازنه؛ فإن نصوص الشريعة جاءت مثانيَ يعانق بعضُها بعضًا: رجاءً وخوفًا، ورخصةً وعزيمةً، وترغيبًا وترهيبًا. فمن اقتصر على نصوص الوعيد خرَّج قانطين، ومن اقتصر على نصوص الرجاء خرَّج متهاونين، ومن جمعها خرج خطابه على منهاج النبوة.
والثالثة: حفظ المصداقية وتحصين الجمهور؛ فالمستمع اليوم يملك أدوات المراجعة الفورية كما رأينا في النموذج الثالث، وإذا سقطت الثقة في دقة الإمام مرةً تسرَّب الشك إلى كل ما يقوله بعدها. ثم إن الإمام الجامع للنصوص يربي جمهوره بصنيعه — قبل قوله — على أن المعنى لا يؤخذ من شطر نص؛ فيصير جمعُ النصوص نفسُه تربيةً منهجية للأمة، وهذه وظيفة قيادية لا تنهض بها المواعظ المفردة. فإن قال قائل: قد اقتنعتُ، فمن أين أبدأ؟ فهذه خطوات خمس مجرَّبة.
سابعًا: خمسُ خطواتٍ عمليةٍ قبل صعودِ المنبر
١. اجمع روايات الحديث من مظانِّها: الكتب الستة والمسند وغيرها، مستعينًا بكتب الأطراف كـ«تحفة الأشراف» للمزي، وبأدوات البحث الحديثة الدقيقة — على أن تبقى في يدك مُؤتَمَنةً لا مُؤتْمَتة: تفتح لك الطريق إلى المصادر ولا تُغنيك عن النظر فيها —؛ فلا عذر اليوم لقاعدٍ عن تحصيل العلم من مظانه مع هذه السهولة. وقيِّد كلَّ لفظٍ بمخرجه حتى تسلم من التلفيق.
٢. انظر في سبب الورود والسياق: سبب ورود الحديث وسبب نزول الآية وملابساتهما؛ فكم من إشكال زال بمعرفة القصة التي خرج النص فيها، كما رأيت في حديث رافع بن خديج.
٣. راجع الشروح المعتمدة: كـ«فتح الباري» لابن حجر و«شرح النووي على مسلم»؛ فإن الشراح يسوقون الروايات ويعقدون فصولًا للجمع بين مختلف الحديث، فتجد عندهم عصارة ما تطلبه مجموعًا.
٤. اعرض كلامك على معارِضه، واتخذ وِردًا في كتب مختلف الحديث: سل نفسك: هل لهذا النص معارض أو مقيِّد أو مخصِّص؟ فإن وجدتَه فلا تصعد المنبر حتى تعرف وجه الجمع، مستعينًا بمصنفات الباب التي قدمنا ذكرها للشافعي وابن قتيبة والطحاوي؛ فإنها تبني فيك مَلَكة الجمع وتريك صنعة الأئمة عيانًا.
٥. سل أهل الاختصاص فيما أشكل ولا تستحِ: فنصف العلم «لا أدري»، ولأن تؤخر مادة خطبةٍ أسبوعًا خيرٌ من أن تبلِّغ الناس معنى مبتورًا دهرًا.
خاتمةٌ: أمانةُ البلاغِ التامّ
الإمامة أمانةُ بلاغ قبل أن تكون شرفَ تقدُّم، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «نضَّر الله امرأً سمع منا شيئًا فبلَّغه كما سمعه، فرُبَّ مبلَّغٍ أوعى من سامع»[17]. وفي قوله «كما سمعه» إشارةٌ إلى أداء المادة تامةً غير منقوصة؛ فإن من أدَّى شطر الكلمة ما أدَّاها. فليجعل الإمامُ جمعَ النصوص والربط بينها ركنًا في صنعته لا نافلةً فيها، وليذكر أن كل جملة يلقيها من المنبر تصير دِينًا يتديَّن به مئاتٌ خلفه، فإما بلَّغ عن الله بيانًا تامًّا فله أجر ذلك، وإما بلَّغ معنى مبتورًا فعليه وزر ما بنى الناس عليه.
اللهم ارزقنا فقهًا في كتابك وسنة نبيك، وأمانةً في البلاغ عنك، وجمعًا لكلمة الحق كما تحب وترضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الهوامش
- أخرجه البخاري (٣٢) ومسلم (١٢٤) عن ابن مسعود رضي الله عنه — متفق عليه. [2]: علَّقه البخاري بصيغة الجزم في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم (قبل الحديث ٦٩٣٠). [3]: خبر المناظرة أخرجه عبد الرزاق في «المصنف»، والنسائي في «السنن الكبرى»، والحاكم في «المستدرك» وقال: «صحيح على شرط مسلم» ووافقه الذهبي، من طريق عكرمة بن عمار عن أبي زُميل عن ابن عباس. [4]: «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي (٢/٢١٢)، وقد ساق الأقوال الثلاثة بأسانيده في باب كتب الأحاديث المعادة؛ وهذه الألفاظ هي المثبتة عنده، وتُروى عنهم بألفاظ متقاربة. [5]: يوسف القرضاوي، «كيف نتعامل مع السنة النبوية: معالم وضوابط»، الباب الثالث في ضوابط حسن فهم السنة، الضابطان الأول والثاني. [6]: أخرجه البخاري (١٢٨٦–١٢٨٨) ومسلم (٩٢٧–٩٢٨) عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما — متفق عليه. [7]: أخرجه البخاري (١٢٨٨) — واللفظ المثبت له — ومسلم (٩٢٨، ٩٢٩)، من طريق ابن أبي مليكة عن ابن عباس عن عائشة رضي الله عنهم — متفق عليه. [8]: أخرجه البخاري (٢٥) — واللفظ له — ومسلم (٢٢) عن ابن عمر رضي الله عنهما — متفق عليه. [9]: أخرجه البخاري (١٤٠٠) ومسلم (٢٠) عن أبي هريرة رضي الله عنه — متفق عليه؛ ورواية «إلا بحقه» ضمن محاورة عمر فيهما. [10]: «لا عدوى ولا طيرة»: أخرجه البخاري (٥٧٥٧) ومسلم (٢٢٢٠) عن أبي هريرة؛ و«فِرَّ من المجذوم»: أخرجه البخاري (٥٧٠٧) عن أبي هريرة؛ و«لا يُورِدَنَّ ممرضٌ على مصح»: أخرجه البخاري (٥٧٧١) ومسلم (٢٢٢١) عن أبي هريرة؛ وحديث الطاعون: أخرجه البخاري (٥٧٢٨) ومسلم (٢٢١٨) عن أسامة بن زيد — رضي الله عنهم؛ وكلُّ لفظٍ معزوٌّ إلى موضعه. [11]: النهي عن الشرب قائمًا: أخرجه مسلم (٢٠٢٤) عن أنس، و(٢٠٢٦) عن أبي هريرة؛ وشربه صلى الله عليه وسلم من زمزم قائمًا: أخرجه البخاري (١٦٣٧) ومسلم (٢٠٢٧) عن ابن عباس — متفق عليه؛ وأثر علي: أخرجه البخاري (٥٦١٥). [12]: أخرجه البخاري (٢٣٣٩، ٢٣٤٧) ومسلم (١٥٤٧) عن رافع بن خديج رضي الله عنه؛ ورواية الكراء بما على الماذيانات وأقبال الجداول: عند مسلم (١٥٤٧) من طريق حنظلة بن قيس. [13]: أخرجه أبو داود (٣٣٩٠) وابن ماجه (٢٤٦١) عن زيد بن ثابت رضي الله عنه؛ وحسَّنه غير واحد من أهل العلم. [14]: أخرجه مسلم (٢٦٦٤) عن أبي هريرة رضي الله عنه. [15]: أخرجه البخاري (٧٢٢٩) ومسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما — متفق عليه. [16]: أخرجه البخاري (١١٠) ومسلم (٣) عن أبي هريرة رضي الله عنه — متفق عليه، وهو حديث متواتر. [17]: أخرجه الترمذي (٢٦٥٧) وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه (٢٣٠)، عن ابن مسعود رضي الله عنه.↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.