جَناحُ الهُدهُد وَسَيلُ العَرِم — سُنَّةُ الصُّعود والسُّقوط في القُرآن
الحلقة الثالثة — جدلية سورتي النَّمل وسَبَأ بين تَمَدُّد الحَضارة وانكفائها
## افتِتاحٌ: المُفارَقَةُ الجُغرافيَّة الَّتي يَعقِدُها القُرآن بِنَفسِه
في الأَرض ذاتِها مِن جَزيرَة العَرَب، وَفي الزَّمن ذاتِه تَقريبًا، نَهَضَت حَضارَتان في القَصص القُرآني وَجِئنا نَقرَأ مَصيرَهُما:
الأُولى: حَضارَة سُليمان ﷺ — تَتَمَدَّد، تَستَكشِف، تَدعو، تَنقُل العُلوم بَين الأُمَم.
الثَّانية: حَضارَة قَوم سَبَأ — كانَت في «جَنَّتَين عَن يَمين وَشِمال»، شَكَرَت زَمَنًا ثُمَّ كَفَرَت، فَصارَت بَعد قُرونٍ ﴿أَحاديثَ وَمَزَّقناهُم كُلَّ مُمَزَّق﴾.
تَأَمَّل في هذا التَّناظُر الَّذي يَعقِدُه القُرآن في النَّظم بِيَدِه: سُورَة سَبَأ تَفتَتِح بِنَعمَة داوُد وَسُليمان (الجِبال والطَّير، إِسالَة عَين القِطر، تَلِينُ الحَديد)، ثُمَّ تَنتَقِل مُباشَرَةً إلى قَوم سَبَأ. كَأَنَّ السُّورَة تَقول لِلقارِئ: انظُر إلى الحَضارَتَين جَنبًا إلى جَنبٍ. إِحداهُما شَكَرَت فَامتَدَّت، وَالأُخرى كَفَرَت فَتَفَرَّقَت أَحاديثَ.
هذا التَّجاوُر القُرآني لَيس مُصادَفَة. إنَّه دَرسٌ مَنهَجي: الحَضارَة لا تَقومُ بِمَوضِعِها على الأَرض، بَل بِمَوقِفِها مِن النِّعمَة. وَالحَلقَة الثَّالِثَة مِن سِلسلة «القُرآن والحَضارَة» تَطرَح هذه الجَدَليَّة عَلى وَجهَين: جَناحُ الهُدهُد رَمز الانطِلاق، وَسَيلُ العَرِم رَمز السُّقوط.
## في هذه الحَلَقَة — خَمسُ أَفكار
١. الجَدَليَّة القُرآنيَّة: لِماذا يَعقِد القُرآن المُقارَنَة بَين حَضارَة سُليمان وَقَوم سَبَأ في سياقٍ واحِد؟٢. مُعجَم النَّقلَة الحَضاريَّة: مِن «مَنحَنى الفَرد» في يوسُف إلى «مَيدان الجَماعَة» في النَّمل.٣. أَركان التَّمَدُّد الثَّلاثَة: تَوزيع الأَدوار، الاستِكشاف، نَقل التَّقنيَة — قِراءَة في حَضارَة سُليمان.٤. الانكِفاءُ القاتِل: كَيف تَتَحَوَّل «جَنَّتانِ عَن يَمين وَشِمال» إلى «أَحاديث مُمَزَّقَة»؟٥. اختِيار اليَوم: المُسلِمُ في الغَرب أَمامَ نَموذَجَين — هَل يَكون هُدهُدًا، أَم يَنتَظِر السَّيل؟
## أَوَّلًا: مِن «مَنحَنى الفَرد» إلى «مَيدان الجَماعَة»
السِّلسلة في تَدَرُّجِها مَقصودٌ. الحَلقَة الأُولى عن سورَة الكَهف رَسَمَت أَركان الحَضارَة النَّظَريَّة. الثَّانيَة عن يوسُف ﷺ رَسَمَت مَنحَنى الفَرد الصَّاعِد الَّذي تَلِد على يَدَيه أُمَّة. وَالحَلقَة الَّتي بَين يَدَيك تَنقُلنا إلى ما هو أَوسَع: مَيدان الجَماعَة المُتَحَرِّكَة.
تَأَمَّل في تَبَدُّل مُفرَدات السُّوَر بَين يوسُف وَالنَّمل-سَبَأ:
| في يوسُف | في النَّمل وسَبَأ | |---------|------------------| | التَّأويل (٩) | الجُند (مُتَكَرِّر) | | الصَّبر (٤) | النِّعمَة (مُتَكَرِّر) | | الأَرض (١٧) | المُلك، البَلَد، المَسكَن | | الفَرد المُتَحَرِّك | الأُمَّة المُجتَمِعَة |
النَّقلَةُ المُعجَميَّة هي نَقلَةٌ حَضاريَّة. سورَة يوسُف تَسأَلكَ: كَيفَ يَنشَأُ المُؤَهَّل القائِد؟ سورَة النَّمل-سَبَأ تَسأَلكَ: وَمَن مَعَه؟ وَما الَّذي يَفعَلونَه بِنِعمَة اللهِ في الأَرض؟
هذا التَّدَرُّج مَنطِقي. لا تَقومُ حَضارَةٌ بِفَردٍ واحِد، وَلَو كانَ يوسُفًا. وَلَكِنَّ الفَرد المُؤَهَّل هو نُقطَةُ الانطِلاق، وَالجَماعَة المُنَظَّمَة هي مَيدان التَّحَقُّق.
## وَقفَةٌ قَبل التَّمَدُّد: الشُّكرُ سَقفُ الحَضارَة وَأَساسُها
قَبل أَن نَعرِض الأَركانَ التَّنظيميَّة الَّتي قامَت عَلَيها حَضارَة سُليمان ﷺ، يَنبَغي أَن نُثَبِّت أَصلًا يَحرُس المَقال — كَما حَرَسنا مَقال يوسُف — مِن أَن يَنزَلِق إلى تَمجيد التَّنظيم وَالقُوَّة المَنزوعَين عَن جَوهَرِهِما.
السُّورَتان — النَّمل وَسَبَأ — في حَقيقَتِهما سورَتا شُكرٍ وَكُفر، لا سورَتا تَنظيمٍ وَفَوضى. وَأَدِلَّة ذلك في النَّصِّ ذاتِه:
- سُليمان ﷺ يَختِم سُورَتَه بِدُعاء الشُّكر: ﴿رَبِّ أَوزِعني أَن أَشكُرَ نِعمَتَكَ الَّتي أَنعَمتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَّ وَأَن أَعمَلَ صالِحًا تَرضاه﴾ (النَّمل ١٩). فَكَأَنَّ سَقفَ الحَضارَة عِندَه هو الشُّكر، لا المُلك.
- سُليمان ﷺ يَتَبَسَّم عند قَول النَّملَة: ﴿فَتَبَسَّمَ ضاحِكًا مِن قَولِها﴾. تَأَمَّل التَّواضُع: نَبيٌّ مَلِكٌ يَتَبَسَّم لِنَملَة. الحَضارَةُ السُّليمانيَّة لَم تَتَكَبَّر على أَدنى المَخلوقات، فَكَيفَ تَتَكَبَّر على أَهلِها؟
- قَومُ سَبَأ سَقَطوا حِين تَرَكوا الشُّكر: ﴿وَاشكُروا لَه﴾ في أَوَّل آيَتِهم، ثُمَّ ﴿فَأَعرَضوا﴾. فالقُرآن يَجعَل الشُّكرَ هو الفاصِلَ بَين الصُّعود والسُّقوط، لا الإِمكانيَّات.
فَالأَركان التَّنظيميَّة الَّتي سَنَعرِضُها — تَوزيع الأَدوار، الاستِكشاف، نَقل التِّقنيَة — كُلُّها تَستَنِد إلى هذا الأَساس التَّعَبُّدي: حَضارَةٌ شاكِرَةٌ تَتَمَدَّد، وَحَضارَةٌ كافِرَةٌ تَنكَفِئ. وَلَن نَفهَم النَّموذَجَين إِلَّا إذا تَذَكَّرنا أَنَّ سُليمانَ كانَ يَدعو رَبَّه بِالشُّكر حَتَّى وَهو في ذُروَة مُلكِه.
## ثانِيًا: حَضارَة سُليمان — الأَركان التَّنظيميَّة الثَّلاثَة
تَعرِض سورَةُ النَّمل سُليمانَ ﷺ في صورَةٍ نادِرَة في النَّبَوات: نَبيٌّ يَملِك، وَيُدير، وَيَستَكشِف، وَيُكاتِب مَلِكَة في قارَّةٍ أُخرى. أَفعالُه في السُّورَة تَكشِف عَن ثَلاثَة أَركان تَنظيميَّة لِحَضارَتِه.
الرُّكن الأَوَّل: تَوزيع الأَدوار — حَضارَةٌ مُتَعَدِّدَة المَكَوِّنات
﴿وَحُشِرَ لِسُلَيمانَ جُنودُهُ مِنَ الجِنِّ والإِنسِ والطَّيرِ فَهُم يوزَعون﴾.
﴿يوزَعون﴾: يُرَتَّبون في مَواقِعِهم وَلا يَختَلِطون. ابن عاشور رَحِمَه الله يَقول إنَّ هذا الفِعل في العَرَبيَّة يَدُلُّ على «تَقسيم العَمَل بِالنِّظام، وَالحَجز عَن الفَوضى». فَالجَيشُ السُّليماني لَم يَكُن جُمهورًا، بَل مُؤَسَّسَةً مُتَعَدِّدَة الأَنواع تَعمَل بِتَخصُّصات.
وَتَأَمَّل النَّمَط: ثَلاثَة أَجناس مُختَلِفَة (جِنّ، إنس، طَير)، كُلُّ جِنسٍ بِخَصائِصِه، يَعمَلون مَعًا. هذا مَشهَدٌ قُرآني نَستَفيد مِنه في فَهم ما يُسَمِّيه ابن خَلدون قَبل سَبعَة قُرون «التَّعاوُن على المَعاش»: «وَلا يُمكِنُ التَّعاوُنُ على المَعاش إلَّا بِأَن يَختَصَّ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم بِفِعلٍ يَكفي بِه أَهلَه».
وَلا تَنسَ النَّملَة المَلِكَة في السُّورَة ذاتِها: ﴿قالَت نَملَةٌ يا أَيُّها النَّملُ ادخُلوا مَساكِنَكُم﴾. هي تَنَظِّم رَعيَّتَها، تُحَذِّرُهم مِن خَطَر، تُوَجِّهُهُم إلى المَأوى. حَتَّى أَدنى الكائِنات في سُورَة سُليمان تَملِك تَوزيعَ أَدوارٍ مُنظَّمًا.
التَّطبيق على الجاليَة: المَسجِدُ الَّذي يَعمَل بِـ«تَطَوُّعٍ عَشوائي» يَنهار. المَسجِدُ الَّذي يَعمَل بِـ«تَخصُّصات» — لَجنَةُ تَعليم، لَجنَةُ أَوقاف، لَجنَةُ شَباب، لَجنَةُ نِساء، لَجنَةُ تَواصُل خارِجي — هو الَّذي يَدوم. الفَرقُ بَين النَّمَطَين هو الفَرقُ بَين النَّاس و«﴿يوزَعون﴾».
الرُّكن الثَّاني: الاستِكشاف — الهُدهُد جِهازُ استِخباراتٍ حَضاريٌّ
﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيرَ فَقالَ ما لِيَ لا أَرى الهُدهُدَ أَم كانَ مِنَ الغائِبين﴾.
سُليمان ﷺ يَتَفَقَّد. هذه كَلِمَةٌ تَنظيميَّة بِامتياز. لا يَكتَفي بِحُضور الجُند بَل يُحصي مَن غاب. وَلَيس لِيُعاقِب، بَل لِيَفهَم — ﴿أَم كانَ مِنَ الغائِبين﴾ صيغَةٌ تَستَفهِم لا تَتَّهِم.
ثُمَّ يَأتي الهُدهُد بِالنَّبَأ المُذهِل: ﴿أَحَطتُ بِما لَم تُحِط بِه وَجِئتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَأٍ يَقين﴾.
تَأَمَّل دِقَّة هذه المَعرِفَة بِالآخَر: - التَّحقُّق: «أَحَطتُ» — مَعرِفَةٌ كامِلَة لا مَجرَّد مُشاهَدَة. - التَّمييز: «بِما لَم تُحِط بِه» — مَعلومَةٌ جَديدَةٌ تَستَحِقُّ الإيداع. - التَّوثيق: «بِنَبَأٍ يَقين» — لَيس إِشاعَةً وَلا ظَنًّا. - الإِيجاز: «إنِّي وَجَدتُ امرَأَةً تَملِكُهُم وَأوتِيَت مِن كُلِّ شَيء» — ثَلاث جُمَل تَختَزِل مَلِكَ، اقتِصادَ، دينَ أُمَّةٍ كامِلَة.
هذا مَشهَدٌ قُرآنيٌّ يُؤَسِّس لِما يُمكِن أَن نُسَمِّيَه «الوَعي الاستِكشافي المُنَظَّم» — لَيس بِالمَعنى العَسكَري، بَل بِمَعنى القُدرَة على فَهم الآخَر قَبل التَّعامُل مَعَه. سُليمان ﷺ لَم يُرسِل جَيشَه قَبل أَن يُرسِل هُدهُدَه. وَالحَضارَةُ الَّتي تَتَحَرَّك دون أَن تَستَطلِع، تَخبِطُ خَبطَ عَشواء.
التَّطبيق: الجاليَةُ المُسلِمَة في الغَرب تَعيش بَين جُمهورٍ تَجهَلُه أَكثَر مِمَّا تَعرِفُه. تَعرِف ماذا يَقول العالِم على المِنبَر، وَلا تَعرِف ماذا يَقرَأ الجار في صَحيفَتِه. النَّموذَج السُّليماني يَدعونا إلى إنشاء هُدهُدٍ مُؤَسَّسي: فَريقٌ في كُلِّ مَركَزٍ كَبير يَدرُس المُجتَمَع المُحيط، يَفهَم سياسات المَدينَة، يَقرَأ تَوَجُّهات الإِعلام. لا لِلصِّراع بَل لِلتَّواصُل المُستَنير.
مَشهَدُ هُدهُدٍ مُعاصِر: مُهَندِسٌ مُسلِم في إحدى شَرِكات التِّقنيَة الكُبرى بِسياتل، لاحَظَ أَنَّ زُمَلاءَه لا يَعرِفون عَن الإسلام إلَّا ما تَنقُلُه نَشَرات الأَخبار. فَافتَتَحَ في كافِتيريا الشَّرِكَة «نادي قِراءَة شَهري» يُقَدِّم فيه كُتُبًا في الفِكر الإسلامي مُتَرجَمَةً إلى الإنجليزيَّة. بَدَأَت بِثَلاثَة زُمَلاء، ثُمَّ سَبعَة، ثُمَّ عِشرين. بَعد ثَلاث سَنَوات، أَسلَم اثنان مِن المُواظِبين. هُدهُدٌ واحِدٌ — مُتَطَوِّع غَير مُمَوَّل، لا يَلبَس عِمامَةً ولا يَحمِل صِفَةً دَعَويَّة — فَتَحَ بِكِتابٍ بابًا لَم تَفتَحه عَشَرَة خُطَباء فَوقَ المَنابِر.
الرُّكن الثَّالِث: نَقلُ التِّقنيَة — العَرشُ يَتَحَرَّك قَبل ارتِداد الطَّرف
﴿قالَ الَّذي عِندَه عِلمٌ مِنَ الكِتاب أَنا آتيكَ بِه قَبلَ أَن يَرتَدَّ إِلَيكَ طَرفُك﴾.
عَرشُ بِلقيس يَنتَقِل مِن مَأرَب (اليَمَن) إلى أُورُشَليم (الشَّام) في لَمحَة بَصَر. تَجاوَزَ المُفَسِّرون كَثيرًا في تَأويل هذه الآيَة، لَكِنَّ الَّذي يَهُمُّ القارِئ الحَضاري هو السُّؤال: لِماذا فَعَلَ سُليمان ذلك أَصلًا؟
﴿قالَ نَكِّروا لَها عَرشَها نَنظُر أَتَهتَدي أَم تَكونُ مِنَ الَّذينَ لا يَهتَدون﴾.
لَم يَنقُل العَرش لِيَستَأثِر بِه، بَل لِـيَفتَح حِوارًا قائِمًا على بُرهانٍ تَقني. كَأَنَّه يَقول لِبِلقيس: «هذه قُدرَتُنا. نُريدُكَ أَن تَعقِدي صِلَتَكِ بِالحَقِّ مِن خِلال شَيءٍ تَعرِفينَه». الإِبهارُ ليس غَرَضًا، بَل جِسرٌ إلى الإيمان.
هذا نَموذَجٌ حَضاريٌّ راقٍ: التَّفَوُّق التِّقني يُوَظَّف لِخِدمَة الدَّعوَة، لا لِلاستِكبار في الأَرض. سُليمان ﷺ يَملِك ﴿مُلكًا لا يَنبَغي لِأَحَدٍ مِن بَعدي﴾، وَمَع ذلك يُكاتِب مَلِكَةً، وَيُنَكِّر عَرشَها بِلُطف، وَيُفسِح لَها مَجالَ الاختِيار: ﴿أَتَهتَدي أَم تَكونُ مِنَ الَّذينَ لا يَهتَدون﴾.
التَّطبيق: المُسلِمون في الغَرب يَملِكون أَدَواتٍ تِقنيَّةً لا تُحصى — أَطِبَّاء قَلب، مُهَندِسون نَوويُّون، عُلَماء حاسوب. كَم مِن هؤلاء يَستَخدِم تَفَوُّقَه الفَنِّيَّ كَجِسرٍ لِلدَّعوَة؟ كَم مِن طَبيبٍ مُسلِم يَستَدعي تِلميذَه الَّذي تَخَرَّج مَعَه إلى عَشاء في بَيتِه، فَيَجِد فيه قُرآنًا بَين الكُتُب، وَطَعامًا حَلالًا على المائِدَة، وَأَولادًا مُحتَرَمين؟ هذا هو عَرشُ سُليمان في صيغَتِه المُعاصِرَة.
## ثالِثًا: بِلقيس وَالعَقل الاستِشاري — مَلِكَةٌ لا تَستَبِدّ
في وَسَط هذه الحَضارَة المُتَوَسِّعَة، تَظهَر شَخصيَّةٌ نِسائيَّة قُرآنيَّة مِن أَعجَب الشَّخصيَّات في الكِتاب: مَلِكَةُ سَبَأ. وَالقُرآن يَنقُل عَنها كَلِمَةً تَستَحِقُّ التَّأَمُّل:
﴿قالَت يا أَيُّها المَلَأُ أَفتوني في أَمري ما كُنتُ قاطِعَةً أَمرًا حَتَّى تَشهَدون﴾.
مَلِكَةٌ ذات عَرشٍ عَظيم، وَجَيشٍ مَهيب، تَستَشير. ﴿ما كُنتُ قاطِعَةً أَمرًا﴾ — لا تَفصِلُ في القَضايا الكُبرى دون مَشورَة. هذا قَبل نَبيِّ الإسلام ﷺ بِقُرون، وَقَبل أَن يَعرِف الغَربُ كَلِمَةَ «دَيمُقراطيَّة».
هَل القُرآنُ يَمدَحُها لِأَنَّها كافِرَة؟ لا. القُرآنُ يَنقُل عَنها هذه الكَلِمَة بِسياقٍ مَدحي، لأَنَّ المَشورَة فَضيلَةٌ في ذاتِها، حَتَّى وَإِن صَدَرَت مِمَّن لَم يَهتَدِ بَعد. كَأَنَّ القُرآن يَقول: العَقل الاستِشاري سَلامَة، حَتَّى قَبل الاهتِداء.
لكِنَّ هذا العَقلَ الاستِشاريَّ — على فَضلِه — لَم يَكُن وَحدَه كافيًا لِنَجاتِها. فَقَد كانَت تَعبُد الشَّمسَ مِن دون الله، وَجاءَها التَّوحيدُ مِن خارِج مَجلِسها. الحِكمَةُ الإِنسانيَّة وَسيلَة، وَالهِدايَةُ الإِلهيَّة غايَة. وَلَو كانَت المَشورَةُ وَحدَها كافيَةً لِأَنقَذَت كُلَّ مُجتَمَعٍ يَستَشير.
ثُمَّ تَهتَدي بِلقيس. وَتُسلِم. وَيَصير عَرشُها الَّذي رَأَيناه يُنَكَّر في مَطلَع القِصَّة جُزءًا مِن الحَضارَة السُّليمانيَّة. الحَضارَة الَّتي تَستَكشِف، لا تَفتَح بِالسَّيف، بَل بِالحُجَّة والبُرهان.
## رابِعًا: السُّقوط — كَيف تَنهار حَضارَةٌ شَكَرَت ثُمَّ كَفَرَت؟
﴿لَقَد كانَ لِسَبَإٍ في مَسكَنِهِم آيَة جَنَّتانِ عَن يَمينٍ وَشِمالٍ كُلوا مِن رِزقِ رَبِّكُم وَاشكُروا لَه بَلدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفور﴾.
ابدَأ بِالنِّعمَة: «جَنَّتانِ عَن يَمينٍ وَشِمال» — لَيسَت جَنَّةٌ واحِدَة بَل اثنَتان، تُحيطان بِالمَسكَن إِحاطَةَ الأَمان. «بَلدَةٌ طَيِّبَة» — وَصفٌ قُرآني نادِر يُذَكِّر بِالبَركَة. «رَبٌّ غَفور» — الباب مَفتوحٌ لِلتَّوبَة عِندَ الزَّلَّة.
ثُمَّ تَأتي اللَّحظَة المِفصَليَّة: ﴿فَأَعرَضوا﴾.
كَلِمَةٌ واحِدَة. لا تَفصيل في ما أَعرَضوا عَنه، لا في كَيفيَّة الإِعراض، لا في ما الَّذي قَبَّحَت قُلوبَهم. الإِعراض اختِيارٌ كامِلٌ في كَلِمَة.
ثُمَّ النَّتيجَة: ﴿فَأَرسَلنا عَلَيهِم سَيلَ العَرِم وَبَدَّلناهُم بِجَنَّتَيهِم جَنَّتَين ذَواتَي أُكُلٍ خَمطٍ وَأَثلٍ وَشَيءٍ مِن سِدرٍ قَليل﴾.
سَيلُ العَرِم. هذه الكَلِمَة في تَفسير ابن كَثير وَالطَّبَري: السَّيل الَّذي كَسَرَ السَّدَّ المَأرِبي العَظيم. لَكِنَّها في القِراءَة الحَضاريَّة رَمزٌ لا حَدَث: السَّيل هو ما يَأتي حِين تَهتَزُّ الأُسُس الَّتي بَنَيتَ عَلَيها وَلَم تُجَدِّدها.
ثُمَّ النِّهايَة المُدَوِّيَة: ﴿فَجَعَلناهُم أَحاديثَ وَمَزَّقناهُم كُلَّ مُمَزَّق﴾.
«أَحاديث» — لا تاريخًا، لا حَضارَةً، لا أُمَّة. مُجَرَّدُ قَصَصٍ تُحكى لِلعِبرَة. «وَمَزَّقناهُم كُلَّ مُمَزَّق» — تَفَرَّقَت قَبائِلُ سَبَأ في الأَرض، بَعضُها إلى الشَّام، بَعضُها إلى عُمان، بَعضُها بَقي. اسمُ «سَبَأ» الحَضاري تَلاشى، وَلَم يَبقَ مِنه إلَّا اسمٌ في خَريطَةٍ قَديمَة.
هذا هو السُّقوط القُرآني في صورَتِه المُكَثَّفَة: نِعمَةٌ، إِعراض، سَيل، تَمَزُّق. أَربَع كَلِمات. أَربَعُ مَراحِل. يُمكِن أَن تَسقُط الأُمَّةُ في جيلَين.
## خامِسًا: الجَدَلِيَّة المُعاصِرَة — هَل نَحنُ هُدهُدٌ، أَم نَنتَظِر السَّيل؟
سورَتا النَّمل وسَبَأ، إذا قَلَّبتَهُما على واقِع الجاليَة المُسلِمَة في الغَرب، رَسَمَتا لَكَ نَموذَجَين مَركَزيَّين تَختار بَينَهُما:
النَّموذَج السُّليماني (التَّمَدُّد)
مَسجِدٌ يُرسِل وُفودًا إلى المُجتَمَعات المُحيطَة. يَفتَح بابَه لِلجار في «يَوم بَيت مَفتوح» سَنَوي. يُنَسِّق مَع الكَنائِس في قَضايا العَدالَة الاجتِماعيَّة. يَدخُل في مَجالِس الأَحياء (City Council). يُرَبِّي عُلَماء يَنشُرون في المَجَلَّات العِلميَّة بِالإنجليزيَّة، لا فَقَط في المَجَلَّات الشَّرعيَّة العَرَبيَّة. يَستَفيد مِن نَجاحات أَفرادِه التِّقنيَّة كَجُسور دَعويَّة. يُرسِل هُدهُدًا (مَكتَبَ بَحث) يَقرَأ المُجتَمَع قَبل أَن يُحَدِّثَه.
هذا المَسجِد يَتَمَدَّد. تَتَزايَد رَوَّادُه. يَأتي إِليه أَولاد الجيران غَير المُسلِمين لِأَنَّ صَديقَهم في المَدرَسَة قال إنَّ هُناك «شَيء كول» يَحدُث يَوم الأَحَد. يَنبُت مِنه عُلَماء وَدُعاة وَإِداريُّون.
النَّموذَج السَّبَئي (الانكِفاء)
مَسجِدٌ يَنكَفِئ عَلى رُوَّادِه. لا يَفتَح بابَه إلَّا لِلصَّلَوات. لا يُعَلِّم العَرَبيَّة لِلجار. أَوقافُه مُكَدَّسَة في حِسابات بَنكيَّة لا تَنفَع. الإِمام يَخطُب بِعَرَبيَّةٍ يَجهَلُها نِصف المُصَلِّين. يَتَناقَش المَجلِس في ميزانيَّة السَّجَّاد، وَلا يَتَناقَش في كَيفيَّة الوُصول إلى الشَّباب المُنفَصِل عَن الدِّين.
هذا المَسجِد لا يَنفَجِر فَجأَة. يَتَفَتَّت بِبُطء. الجيلُ الأَوَّل يَموت. الجيلُ الثَّاني يَأتي قَليلًا. الجيلُ الثَّالِث يَنسى. ثُمَّ يَأتي سَيلٌ — قَد يَكون أَزمَة اقتِصاديَّة، أَو هِجرَة قَسريَّة، أَو خِلاف داخِلي — فَيُمَزِّقُه «كُلَّ مُمَزَّق».
مَشهَدٌ مِن مَسجِدٍ سَبَئي: في وِلايَةٍ صَغيرَة في الجَنوب الأَمريكي، أُسِّسَ مَسجِدٌ عام ١٩٩٨ بِجُهد ثَلاثين عائِلَةً مُهاجِرَة. كانَت صَلاةُ الجُمعَة تَمتَلِئ بِأَربَعِمِئَة مُصَلٍّ. اليَوم، بَعد جيلَين، لا يَتَجاوَز عَدَدُ المُصَلِّين خَمسَة عَشَر. الجيلُ الأَوَّل ماتَ أَو هاجَر، وَأَولادُ المُؤَسِّسين الأَصليِّين بَعضُهم تَرَكَ الإسلام، وَبَعضُهم احتَفَظَ بِالاسم وَأَلقى الدّينَ خَلفَه، وَبَعضُهم انتَقَلَ إلى المُدُن الكُبرى. لا أَحَدَ يَدري بِالضَّبط مَتى حَدَثَ هذا، وَلا كَيف. لَكِنَّ السَّيلَ جاءَ — بُطيئًا، صامِتًا، مُحكَمًا. وَالأَوقافُ الَّتي جُمِعَت في حِسابِ المَسجِد بِالكاد تَكفي ميزانيَّةَ الكَهرَباء.
## سادِسًا: التَّحَدِّي الَّذي يَكشِفُه القُرآن
هَل تَعلَم لِماذا تَتَجاوَر سورَة النَّمل وَسورَة سَبَأ في المُصحَف؟ بَينَهُما سورَةٌ واحِدَة (القَصَص)، وَكِلتاهُما تَتَكَلَّمان عَن المَلِك سُليمان. لَكِنَّ سورَة النَّمل تَعرِض الذُّروَة الحَضاريَّة، وَسورَة سَبَأ تَعرِض سُقوط الَّذين كانوا في حِضنِها.
النَّمل: تَحَدِّي الحَضارَة الصَّاعِدَة — هَل تَستَطيع أَن تَنفَتِح؟ سَبَأ: تَحَدِّي الحَضارَة الصَّامِدَة — هَل تَستَطيع أَن تَستَمِرّ؟
وَكِلا التَّحَدِّيَين على المُسلِم في الغَرب اليَوم: - الأَوَّل: هَل سَتَنفَتِح جاليَتُك على مُحيطِها، أَم تَنكَفِئ خَلف جُدران المَسجِد؟ - الثَّاني: حَتَّى لَو نَجَحَت في الانفِتاح، هَل سَتَحفَظ شُكر النِّعمَة، أَم تَخسَر ذاكِرَتَكَ بَعد جيلَين كَما خَسِرَت سَبَأ ذاكِرَتَها؟
## خاتِمَة: قَبل أَن يَأتي السَّيل، انطَلِق الهُدهُد
كُلُّ حَضارَةٍ تَختار. اللهُ تَعالى لا يَفرِض مَصيرًا، بَل يَعرِض سُنَّةً. ﴿إنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَومٍ حَتَّى يُغَيِّروا ما بِأَنفُسِهِم﴾ (الرَّعد ١١).
الفَرقُ بَين حَضارَة سُليمان وَقَوم سَبَأ ليس في المَوقِع الجُغرافي. كِلتاهُما في جَزيرَة العَرَب. لَيس في الزَّمَن أَو الإِمكانيَّات. كِلتاهُما عَرَفَت الثَّروَة. الفَرقُ في المَوقِف مِن النِّعمَة: أَتَنطَلِق بِها هُدهُدًا، أَم تَكنُزُها حَتَّى يَأتي السَّيل؟
وَالمُسلِم في الغَرب اليَوم — في كُلِّ مَسجِد، في كُلِّ مَركَز، في كُلِّ عائِلَة — يَختار بَين النَّموذَجَين كُلَّ يَوم. وَكُلَّ مَرَّة يَختار. لا يوجَد مَوقِفٌ مُحايِد.
في الحَلقَة القادِمَة (الخاتِمَة)، نَجمَع الخُيوط: مِن أَركان الحَضارَة في الكَهف، إلى مَنحَنى الفَرد في يوسُف، إلى تَمَدُّد الجَماعَة في النَّمل-سَبَأ — نَستَخلِص السُّنَن الإلهيَّة في صُعود الأُمَم وَسُقوطها.
## خُطوَةٌ عَمَلِيَّة بَعد قِراءَة هذه الحَلَقَة
اسأَل نَفسَك ثَلاثَة أَسئِلَة عَن مَسجِدِك أَو مَركَزِك الإِسلامي:
١. هَل عِندَنا «هُدهُد»؟ — أَي شَخصٌ أَو فَريقٌ مَسؤول عَن قِراءَة المُجتَمَع المُحيط، فَهم سياسات المَدينَة، التَّواصُل مَع الجار غَير المُسلِم، تَقديم تَقارير دَوريَّة عَن واقِع الجاليَة وَالمُجتَمَع الأَكبَر؟
٢. هَل عِندَنا «﴿يوزَعون﴾»؟ — أَي تَوزيعُ أَدوارٍ واضِح، لِجان مُتَخَصِّصَة، تَوصيفٌ لِلمَسؤوليَّات، أَم نَعمَل بِالعَشوائيَّة وَالتَّطَوُّع غَير المُنَظَّم؟
٣. هَل نُوَظِّف «العَرش»؟ — أَي القُدُرات التِّقنيَّة والمَهاريَّة لِأَفرادنا (أَطبَّاء، مُهَندِسون، مُعَلِّمون، تُجَّار) في خِدمَة الدَّعوَة والتَّواصُل، أَم نَترُكُها بَعيدَةً عَن مَيدان المَسجِد؟
إن كانَت الإِجابَة على أَيٍّ مِن هذه الأَسئِلَة «لا»، فَأَنتَ أَقرَب لِسَبَأ مِنكَ إلى سُليمان. وَالسَّيلُ يَأتي بِبُطء، لَكِنَّه يَأتي.
## مَكانُ هذه الحَلَقَة في السِّلسلة
| الحَلقَة | العُنوان | الحالَة | |---------|----------|---------| | الأُولى | القُرآن والتَّأصيل الحَضاري — أَركان الحَضارَة في الكَهف | مَنشورَة | | الثَّانيَة | سورة يوسُف ومَنحَنى الصُّعود الحَضاري | مَنشورَة | | الثَّالِثَة (هذه) | جَناح الهُدهُد وَسَيل العَرِم — سُنَّة الصُّعود والسُّقوط | مَنشورَة | | الرَّابِعَة (خاتِمة) | السُّنَن الإلهيَّة في صُعود الأُمَم وسُقوطها | قادِمَة |
## إِشارات وَمَراجِع
- ابن كَثير، *تَفسير القُرآن العَظيم*، عند تَفسير سورَتَي النَّمل وسَبَأ.
- الرَّازي، *مَفاتيح الغَيب*، تَفسير سورَة النَّمل، الجُزء الخاصّ بِقِصَّة بِلقيس.
- ابن عاشور، *التَّحرير والتَّنوير*، تَفسير سُورَتَي النَّمل وسَبَأ — وَله مَباحِث ضافيَة في «جُنود سُليمان» وَ«جَدَليَّة بِلقيس».
- سَيِّد قُطب، *في ظِلال القُرآن*، تَفسير سورَة النَّمل.
- مالك بن نَبي، *شُروط النَّهضَة* و*مُشكِلَة الثَّقافَة*، فُصول الفِعل الحَضاري.
- ابن خَلدون، *المُقَدِّمَة*، الفَصل في «التَّعاوُن على المَعاش».
- الطَّبَري، *جامِع البَيان*، عند تَفسير «سَيل العَرِم».
هذه الحَلقَة الثَّالثة من سِلسلة «القُرآن والحَضارَة». الحَلقَة الأُولى: سورَة الكَهف. الثَّانيَة: سورَة يوسُف. الرَّابِعَة القادِمَة: «السُّنَن الإلهيَّة في صُعود الأُمَم وسُقوطها» — خاتِمَة السِّلسلة.