أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 20
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

القسط والعدل في القرآن

ميزانٌ ظاهرٌ وميزانٌ باطن

د. أحمد أبو سيف٨ يوليو ٢٠٢٦10 دقائق قراءة

في آخر آيات سورة الرحمن التي ترسم الكون قبل أن ترسم الإنسان، تجيء الآية على هذا الترتيب: «وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ، أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ، وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ». السماء تُرفَع، والميزان يُوضَع في الكون كما تُوضَع النجوم في مداراتها؛ ثم تنزل الآية فجأة من عنان السماء إلى يد التاجر وهو يزن كيسًا من الحَبّ في السوق. الميزان الذي يزن به مداراتِ الأفلاك هو نفسه الذي يُطالَب الإنسان أن يقيمه بيده حين يزن لجاره. هذه هي الآية التي تجعل «القسط» — لا «العدل» — هو الكلمة المختارة عند الحديث عن كفّة الميزان الحسّيّة: العدل الذي يُرى بالعين، ويُوزَن باليد، ويُكتَب في صكّ.

هذا التمييز الدقيق بين لفظين يبدوان مترادفين هو موضوع هذا المقال. فالقرآن لا يستعمل «العدل» و«القسط» استعمالًا واحدًا متطابقًا، بل يوزّعهما على سياقين مختلفين توزيعًا يكاد يكون مطّردًا، حتى إذا اجتمعا في آيةٍ واحدة — وهو ما يقع أكثر من مرة — كان اجتماعهما تكامُلًا لا تكرارًا.

حصر اللفظ والإحصاء

يرد جذر «ق س ط» في القرآن الكريم خمسًا وعشرين مرة[4]، موزّعة على خمس صيغ: ثلاث مراتٍ فعل الأمر من الرباعي «أقسِطوا» (٤:٣، ٤٩:٩، ٦٠:٨)، ومرتان اسم تفضيل «أقسَط» بمعنى الأعدل (٢:٢٨٢، ٣٣:٥)، وخمس عشرة مرة اسم «قِسْط» — أغلبها في تركيب «بالقِسْط» الملازم لأفعال الحكم والوفاء والوزن (منها ٣:١٨، ٤:١٣٥، ٥:٤٢، ٦:١٥٢، ٥٥:٩، ٢١:٤٧)، ومرتان اسم فاعلٍ من الثلاثي المجرد «القاسطون» (٧٢:١٤-١٥)، وثلاث مرات اسم فاعلٍ من الرباعي «مُقسِطين» (٥:٤٢، ٤٩:٩، ٦٠:٨).

ويرد جذر «ع د ل» ثمانيًا وعشرين مرة، في صيغتين فقط: أربع عشرة مرة فعلًا ماضيًا ومضارعًا من الثلاثي «عَدَلَ / يَعدِل» بمعنى القيام بالعدل غالبًا (منها ٤:٣، ٤:١٢٩، ٥:٨، ٦:١٥٢، ٤٢:١٥)، وأربع عشرة مرة اسمًا «عَدْل» (منها ٢:٢٨٢، ٤:٥٨، ٥:٩٥، ٦:١١٥، ١٦:٩٠).

هذان الرقمان — خمسة وعشرون وثمانية وعشرون — متقاربان، وهذا وحده مؤشّرٌ لغويّ على أن القرآن لا يستعمل أحد اللفظين بديلًا عن الآخر بلا تمييز، بل يحتاج كليهما بمقدارٍ متوازن تقريبًا ليؤدّي بهما معنيين متكاملين، كما سيتّضح.

الجذر اللغوي: مساواةٌ ونصيب

في أصل اللغة، يدور «عَدْل» حول معنى المساواة والتسوية: التعديل هو أن تجعل الشيء على نحوٍ سويٍّ متساوي الطرفين، ومنه عِدْلُ الشيء: مِثله ونظيره الذي يساويه في القيمة. أما «قِسْط» فيدور حول معنى النصيب: القِسْط هو الحصّة العادلة التي تخصّ كل ذي حقٍّ منها، ومنه المُقسِط: الذي يُوفّي كل ذي حقٍّ حقّه دون بَخْس. وقد أشار الراغب الأصفهاني في كتابه «المفردات في غريب القرآن» إلى فارقٍ دقيقٍ بين اللفظين يوافق هذا الأصل: أن القسط عدلٌ ظاهرٌ يُدرَك بالحسّ ويُمارَس في المعاملة بين الناس، بينما العدل أعمّ منه، إذ يشمل الظاهر والباطن معًا[1].

هذا الفارق اللغوي — بين لفظٍ يزن التوزيع الظاهر بين طرفين أو أكثر، ولفظٍ يزن التسوية الباطنة في القلب والميزان الأخلاقي عمومًا — هو الذي بنى عليه القرآن استعماله الفعلي للّفظين، كما سيتبيّن من النماذج القرآنية.

ويؤيّد هذا الأصلَ ما ذكره أهل المعاجم في اشتقاق الجذرين: فـ«عدل» عند ابن فارس في «مقاييس اللغة» يرجع إلى أصلٍ واحدٍ يدلّ على «استواء وتوسّط» — ومنه اعتدال الشيء إذا استوى بين طرفين متقابلين، سواء أكان ذلك في ميزان القلب أم في ميزان الجسد. أما «قسط» فيرجع إلى أصلٍ يدلّ على «جزءٍ من الشيء ونصيبٍ»، ثم استُعمل في العدل لأن العادل يُعطي كلّ ذي حقٍّ نصيبه بغير زيادةٍ ولا نقصان. فالعدل، من هذا الأصل، فعلُ توسّطٍ واستواء، والقسط فعلُ توزيعٍ وإعطاء — وهما معنيان متجاوران، لكنهما ليسا معنًى واحدًا يتكرّر باسمين.

البنية المركزية: ميزانٌ ظاهر وميزانٌ باطن

حين يُتتبَّع ورود «القسط» في القرآن، يلاحَظ أنه يلازم دائمًا سياقًا فيه أكثر من طرف، وفيه شيءٌ يُقسَّم أو يُوزَن أو يُشهَد عليه: الكيل والميزان في السوق (٦:١٥٢، ٥٥:٩)، حقوق اليتامى في القسمة (٤:٣)، الصلح بين فئتين متنازعتين (٤٩:٩)، الشهادة والحكم بين الناس (٥:٤٢، ٧:٢٩). القسط، بهذا المعنى، ميزانٌ خارجيٌّ يُقام بين طرفين، وأثره يظهر في المعاملة نفسها: كيلٌ لم يُنقَص، وميراثٌ لم يُبخَس، وحكمٌ لم يَمِل.

أما «العدل» فيتّسع ليشمل ما لا يقع تحت الحسّ مباشرة: تسوية النفس في خلقتها («الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ»، ٨٢:٧)، وكلام الله في تمامه وصدقه («وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا»، ٦:١١٥)، وأخطر من ذلك: التسوية الباطلة التي يقع فيها المشرك حين يُسوّي بين الله وغيره، وهي المعنى الوحيد الذي يُستعمَل فيه فعل «يَعدِلون» استعمالًا سلبيًّا في القرآن: «ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» (٦:١)، و«وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ» (٦:١٥٠، ٢٧:٦٠). هنا يتكشّف السرّ العميق لكون «عدل» فعلًا يحمل جذر المساواة بعينه: فالعدل حين يقع بين مخلوقٍ ومخلوق فضيلة، وحين يُراد به تسوية المخلوق بالخالق يصير أعظم انحرافٍ يُتصوَّر — لأنه يُسوّي بين ما لا يجوز أن يُسوّى.

وفي المقابل، لجذر «قسط» انحرافه الخاص أيضًا، وهو انحرافٌ لغويٌّ لطيف: فبينما يعني الرباعيّ «أقسَط/يُقسِط» أن يقيم العدل، يعني الثلاثيّ المجرد «قَسَطَ» عكس ذلك تمامًا — أن يجور وينحرف عن الطريق المستقيم. ومن هذا الثلاثيّ جاء وصف القرآن لفريقٍ من الجن بـ«القاسطون»: «وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ... وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا» (٧٢:١٤-١٥)[5]. فالحرف الزائد — الهمزة في «أقسَط» — هو الذي يقوّم الانحراف الكامن في أصل الجذر ويجعله استقامة، تمامًا كما أن العدل يصير شركًا حين يُساء توظيف معناه الأصيل. كل من اللفظين، إذن، يحمل في تركيبه اللغويّ ذاته إشارةً إلى أن الميزان — أيّ ميزان — قابلٌ لأن يُقام وقابلٌ لأن يُميَّل.

صورتان أخريان: الشهادة والتعويض

يظهر هذا التوزيع نفسه في بابين آخرين من أبواب القرآن. الباب الأول باب الشهادة: حين يأمر القرآن بتوثيق الدَّين يقول: «وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ» (٢:٢٨٢)، ثم يطلب لاحقًا في الآية نفسها «شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ»، وفي موضعٍ آخر «ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ» (٥:٩٥، ٦٥:٢). هنا يُستعمَل «العدل» صفةً لشخص الشاهد وأمانته الباطنة قبل أن يُستعمَل وصفًا لفعله، لأن الشهادة تُبنى أساسًا على الثقة بنزاهة القلب، لا على الإجراء وحده.

والباب الثاني باب التعويض والفداء: يتكرّر في القرآن التعبير عن استحالة قبول أيّ بديلٍ يوم القيامة بلفظ «عَدْل» لا «قِسْط»: «وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ» (٢:١٢٣)، و«وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا» (٦:٧٠). فالعِدْل هنا هو المِثل المساوي الذي يُقدَّم بديلًا عن النفس، وهو استعمالٌ يرجع مباشرة إلى الأصل اللغويّ للفظ — المساواة والمماثلة — لا إلى معنى التوزيع الذي يحمله «القسط». اختيار القرآن للفظ «عدل» هنا، دون «قسط»، دقيقٌ: فالمطلوب في تلك اللحظة مِثلٌ يساوي النفس قيمةً، لا نصيبٌ يُقسَّم بين أطراف.

حين يجتمع اللفظان في آيةٍ واحدة

أبلغ شاهدٍ على أن اللفظين ليسا مترادفَين هو أن القرآن يجمعهما معًا في السياق الواحد أكثر من مرة، وهو ما لا يفعله عادةً بألفاظٍ متطابقة المعنى تمامًا. ففي آية الصلح بين الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين يقول: «فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» (٤٩:٩). فالإصلاح بين الطرفين يحتاج «العدل» — أي تسوية القلب وإزالة الميل الباطن نحو أحد الفريقين — ثم يحتاج «القسط» أيضًا، أي أن يترجَم ذلك التسوية الباطنة إلى فعلٍ ظاهرٍ منصف يُوزَّع فيه الحقّ بين الطرفين توزيعًا محسوسًا.

وفي آية أخرى، بعد الأمر بأن يكون المؤمنون «قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ» في شهادتهم، يأتي التحذير من أن يميل بهم بغض قومٍ عن العدل: «وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا، اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى» (٥:٨). فالقيام بالقسط هنا وصفٌ لموقفٍ مؤسسيٍّ ثابت — أن تكون الشهادة والحكم مبنيَّين على أساسٍ منصف بنيويًّا — بينما «تعدلوا» هنا فعلٌ نفسيٌّ لحظيّ، يخاطب اللحظة التي يتحرّك فيها بغض القلب ليُميل الشاهد عن الحق. القسط، إذن، هو البناء المُقام، والعدل هو الثبات عليه حين يهبّ الهوى ليُزيله.

الشاهد النبويّ

يجمع النبيّ ﷺ اللفظين في حديثٍ واحد، على النسق القرآنيّ ذاته، حين يصف مكانة أهل العدل يوم القيامة: «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ — وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ — الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا»[2]. فالحديث يبدأ بوصفهم بـ«المُقسِطين» — أصحاب الفعل الظاهر المُنصِف — ثم يفسّر هذا الوصف بفعل «يَعدِلون»، الذي يمتدّ ليشمل الحكم العام والأهل والولاية الخاصة معًا، أي الظاهر والباطن، العلاقة العامة والعلاقة الحميمة. هذا الترتيب — القسط أولًا بوصفه الاسم الظاهر، ثم العدل تفسيرًا يمتدّ إلى ما لا يُرى — هو صدى مباشر للفارق اللغويّ الذي أصّله الراغب.

قراءتان مقاصديّتان

اعتنى ابن عاشور في كتابه «مقاصد الشريعة الإسلامية» بالعدل بوصفه مقصدًا كلّيًا من مقاصد التشريع، لا مجرد فضيلةٍ فردية، ورأى أن العدالة في القرآن مبدأٌ ناظمٌ يتّسع ليشمل العلاقة بين الأفراد وعلاقة الحاكم بالمحكومين وعلاقة الأمة بغيرها من الأمم، مستشهدًا بعموم الأمر في قوله تعالى «إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ» (١٦:٩٠) بوصفها آيةً جامعةً لا تخصّ بابًا واحدًا من أبواب المعاملة[3].

وفي جانبٍ آخر، ذهب جمهور المفسّرين عند تناول آية ٤٩:٩ إلى أن اقتران الأمر بالإصلاح بالعدل، ثم الأمر المستقلّ بالإقساط، ليس تكرارًا بلاغيًّا، بل دلالة على أن الصلح الحقيقيّ يحتاج مرحلتين: تصحيح النية الباطنة أولًا، ثم ترجمتها إلى توزيعٍ فعليٍّ منصف للحقوق ثانيًا — وأن أحدهما بغير الآخر إصلاحٌ ناقص: عدلٌ بلا قسطٍ شعورٌ حَسَن لا يتحوّل فعلًا، وقسطٌ بلا عدلٍ إجراءٌ باردٌ قد يخلو من صدق النية.

البُعد التطبيقي المعاصر

من يتولّى أمر أسرته، أو مؤسسته، أو حتى فريق عملٍ صغير، يجرّب هذا التمييز يوميًّا دون أن يسمّيه: قد يوزّع المهامّ والموارد توزيعًا شكليًّا متساويًا في الظاهر (وهذا قسط)، بينما يبقى قلبه مائلًا لأحد الأطراف دون أن يشعر (وهذا غياب العدل)؛ أو يشعر بمحبةٍ متساوية للجميع (عدل القلب)، لكنه يتقاعس عن ترجمة هذا الشعور إلى قرارٍ فعليّ منصف حين تتزاحم الموارد (غياب القسط). الآية التي جمعت الأمرين معًا في سياق الصلح تذكّر بأن الإنصاف الكامل يحتاج الأمرين معًا، لا أحدهما بديلًا عن الآخر: نيّةً مسوّاةً في القلب، وفعلًا موزونًا باليد.

ولعلّ أوضح مثالٍ معاصر على انفصال اللفظين هو ما يقع في بعض بيئات العمل من «إجراءاتٍ منصفة» في ظاهرها — لوائح توزيع مكتوبة، معايير ترقيةٍ معلَنة، جداول أجورٍ موحّدة — بينما يظلّ من يطبّقها يمارس تحيّزًا خفيًّا في اختيار من يُرشَّح أصلًا لهذه المعايير، أو في تفسيرها عند التطبيق. هذا قسطٌ بلا عدل: هيكلٌ منصف تُدار من خلاله محاباةٌ لم تتغيّر. والعكس يقع أيضًا: من يشعر صادقًا بمحبةٍ متساوية لأبنائه أو موظفيه، لكنه يُهمل توثيق القسمة أو تسجيل القرار، فيترك للظنّ مجالًا واسعًا يهدم أثر نيّته الحسنة. والآيتان اللتان اجتمع فيهما اللفظان معًا (٤٩:٩ و٥:٨) تقترحان علاجًا عمليًّا لكلا الخللين: تصحيح النية أولًا حين يهبّ الهوى («اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى»)، ثم تثبيت هذا العدل في إجراءٍ ظاهرٍ يمكن لكل طرفٍ أن يراه ويتحقّق منه.

وفي زمنٍ تتوفر فيه أدوات القياس والشفافية — العقود المكتوبة، السجلّات الرقمية، معايير التقييم المعلنة — صار بالإمكان اليوم تحقيق «القسط» بدقةٍ لم تكن متاحة من قبل: كيلٌ لا يُنقَص، وحسابٌ لا يُخطأ فيه. لكن هذه الأدوات نفسها قد تُستعمَل غطاءً لغياب «العدل»: إجراءٌ عادل شكليًّا يُستخدَم لتبرير قرارٍ اتُّخذ أصلًا بميلٍ باطن. ولعلّ الآية التي تجمع الميزان الكونيّ بميزان السوق («وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ») تذكّر بأن دقّة الأداة لا تُغني عن استقامة اليد التي تُمسكها؛ فالتقنية تضبط القسط، لكنها لا تصنع العدل، لأن العدل شأنٌ قلبيّ لا تبلغه آلة.

خاتمة

يزن القرآن العدل والقسط بميزانين لا بميزانٍ واحد: ميزانٌ باطنٌ يزن النية والقلب وتوحيد الله في تسويةٍ لا تُشرِك به أحدًا، وميزانٌ ظاهرٌ يزن الحقوق والحصص بين الناس وزنًا لا يُنقَص منه شيء. وحين يجتمع الميزانان — كما اجتمعا في آية الصلح، وفي حديث المقسطين — يكتمل الإنصاف: نيّةٌ سويّةٌ في الصدر، وفعلٌ منصفٌ تراه العين. والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.


الهوامش

  1. الراغب الأصفهاني، *المفردات في غريب القرآن*، مادة «ع د ل»: يفرّق بين العدل بوصفه الأعمّ (يشمل الظاهر والباطن) والقسط بوصفه العدل الظاهر المدرَك بالحسّ في المعاملة بين الناس. [2]: رواه مسلم في صحيحه، كتاب الإمارة، رقم الحديث ١٨٢٧، عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، وحكم عليه بالصحة. [3]: ابن عاشور، *مقاصد الشريعة الإسلامية*، في مبحث العدل بوصفه من المقاصد الكلّية للتشريع. [4]: جميع أرقام ورود جذري «ق س ط» و«ع د ل» وصيغهما مأخوذة من مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com)، وتُميَّز فيها الصيغة الثلاثية المجرّدة (قَسَطَ: الانحراف) عن الصيغة الرباعية (أقسَطَ: الإقساط)، وهو تمييزٌ صرفيٌّ لا معجميّ فحسب. [5]: آية ٧٢:١٤-١٥ («القاسطون») من سورة الجنّ، على لسان الجنّ عن أنفسهم، وهي الاستعمال السلبيّ الوحيد لجذر «ق س ط» في القرآن؛ مقابله من جذر «ع د ل» الاستعمال السلبيّ الوحيد أيضًا في آيات ٦:١، ٦:١٥٠، ٢٧:٦٠ («يَعدِلون بربّهم»).
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ