أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 15
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

البِرّ في القرآن

اتّساعٌ لا يحتمل الاختزال

د. أحمد أبو سيف٣ يوليو ٢٠٢٦7 دقائق قراءة

كان المسلمون يصلّون نحو بيت المقدس، حتى نزل الأمر بتحويل القبلة إلى الكعبة وهم في أثناء صلاتهم؛ فاستدار من كان في صفٍّ خلف الإمام دورةً كاملة، من اتّجاهٍ إلى نقيضه، دون أن يقطع صلاته. ولم يكد الأمر يستقرّ حتى ثار حوله جدلٌ عريض: ماذا أراد الله من هذا التحويل؟ وما شأن الدين وهذه الجهات؟ وبدل أن تُجيب الآياتُ التي نزلت بعد ذلك عن سؤال "أيّ جهةٍ أفضل"، جاءت لتنسف السؤال من أصله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177]. فما كان الجدل حول جهة القبلة إلا مثالاً على وهمٍ أخطر: أن يُختزل الدينُ في حركةٍ ظاهرة، وأن يُظنّ أن "البِرّ" أمرٌ ضيّق بقدر ضيق الاتجاه الواحد الذي يُستقبَل.

عشرون تدور حول الخير، واثنتا عشرة عن اليابسة

يتكرّر جذر "ب ر ر" في القرآن اثنتين وثلاثين مرّة، لكنّ نصفها تقريباً لا صلة له بموضوعنا: فـ"البَرّ" بفتح الباء يعني اليابسةَ في مقابل البحر، ويرد بهذا المعنى الجغرافيّ المحض اثنتي عشرة مرّة [كالأنعام: 59، 63، 97؛ الإسراء: 67، 68، 70؛ الروم: 41]، وهو موضعٌ لا يمتّ بصلةٍ لفظيّةٍ حقيقيّة للخُلُق رغم اتّحاد الحروف. أمّا الدائرة التي تعنينا فتضمّ: الفعل "تبرّوا" (مرّتان: البقرة 224، الممتحنة 8)، والاسم "البِرّ" (ثماني مرّات: البقرة 44، 177 [مرّتين]، 189 [مرّتين]، آل عمران 92، المائدة 2، المجادلة 9)، والجمع "الأبرار" (ستّ مرّات: آل عمران 193، 198؛ الإنسان 5؛ الانفطار 13؛ المطفّفين 18، 22)، والصفة "بَرّاً" في وصف الابن الصالح بوالديه (مريم 14، 32)، واسم الله "البَرّ" (الطور 28)، والصفة "بَرَرَة" في وصف الملائكة (عبس 16). فمجموع الشاهد اللفظيّ المباشر عشرون موضعاً[1].

سعةٌ تقابل سعة

وقبل أن نتتبّع هذه الدائرة العشرين في مواضعها، يُفيد الوقوفُ عند ما يجمعها لغةً بأختها البعيدة "اليابسة"، إذ تتّفق المعاجم على أنّ "البِرّ" في أصله الخيرُ الواسع الشامل، لا فعلُ خيرٍ بعينه؛ وقد لاحظ اللغويّون أن هذا المعنى يتقاطع مع "البَرّ" اليابسة في جامعٍ واحد هو السعة والانبساط، فكما تتّسع الأرض اليابسة أمام الناظر بلا حدٍّ يحصرها، كذلك "البِرّ" خيرٌ واسعٌ لا ينحصر في بابٍ واحدٍ من أبواب الطاعة. وهذا التقاطع اللغويّ — وإن لم يكن شاهداً لفظيّاً على الاستعمال الخُلُقيّ بل صلةً اشتقاقيّةً بعيدة — يُضيء المعنى إضاءةً تصديقها في نصّ الآية ذاته: فحين أراد القرآن أن يردّ توهّم اختزال البِرّ في اتجاهٍ واحد، جاء بتعريفٍ من أوسع تعريفات الفضيلة في القرآن كلّه، وكأنّ اتّساع اللفظ لغةً هو بعينه اتّساعُ مضمونه شرعاً.

آيتان تنقضان الاختزال مرّتَين

هذه ليست المرّة الوحيدة التي يستعمل فيها القرآن أسلوب "ليس البِرّ... ولكنّ البِرّ" لنقض فهمٍ سطحيّ. ففي السورة نفسها، وبعد اثنتي عشرة آية، يتكرّر النمط بمناسبةٍ مختلفة تماماً: كان بعض العرب في الجاهليّة، إذا أحرم بالحجّ، لا يدخل بيته من بابه بل ينقب نقباً في ظهر البيت يدخل منه، تديّناً زائفاً. فنزل: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَىٰ﴾ [البقرة: 189]. فالبنية المركزيّة التي يقولها هذا التكرار: كلّما اخترع الناس شعيرةً شكليّةً ظنّوها جوهر الدين — جهة الصلاة، أو باب الدخول — جاء القرآن ليردّها إلى معيارٍ واحدٍ لا يتغيّر: الإيمان والتقوى والعمل الصالح. البِرّ، إذن، ليس فعلاً يُضاف إلى قائمة الطاعات، بل هو الاسم الجامع الذي يُختبَر به كلّ فعلٍ يظنّه صاحبه طاعة: أهو من جوهر الدين أم من قشوره المخترَعة؟

قائمةٌ لا اتّجاه

يستحقّ تمام آية البقرة 177 أن يُقرأ كاملاً، لأنّه القائمة الأشمل لمكوّنات البِرّ في القرآن: الإيمان بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيّين، ثمّ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾، ثمّ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ثمّ الوفاء بالعهد، ثمّ الصبر ﴿فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾. فالآية تجمع، في نفَسٍ واحد، عقيدةً وعبادةً وإنفاقاً واجتماعاً وصبراً، ولا تترك باباً من أبواب الدين خارج تعريفها. ويُلفت النظر أنّ الإنفاق قُيّد بـ"على حبّه"، وهو ما تُصرّح به آيةٌ أخرى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: 92]؛ فالبِرّ لا يُنال بفائض المال الذي لا يُفتقَد، بل بما يُحبّه صاحبه ويُؤثِر غيره به. وفي بُعدٍ آخر يربط القرآن البِرّ بالوالدين تحديداً، فيصف يحيى وعيسى عليهما السلام بأنّهما "بَرّاً بوالديه" و"بَرّاً بوالدتي" [مريم: 14، 32]، فيجعل هذا الخُلُق سمةً وصف الله بها أنبياءه بأنفسهم لا عامّة الصالحين وحدهم.

ويستحقّ لفظ "الأبرار" ذاته وقفةً مستقلّة، إذ لم يَرِد وصفاً عابراً بل اسماً لرتبةٍ عالية من أهل الجنّة، توصف بنعيمٍ خاصّ: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ﴾ [الانفطار: 13، المطفّفين: 22]، ويُشرَب أهلها من كأسٍ ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ [الإنسان: 5]، ويُوصَف كتابُهم بأنّه ﴿لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطفّفين: 18] — أعلى منازل الكتب لا أدناها. فالبِرّ في القرآن ليس فضيلةً واحدةً من فضائل كثيرة متساوية، بل هو الاسم الذي يُطلَق على من بلغ من الطاعة درجةً يُخصّ بها بمنزلةٍ مستقلّة بين أهل الجنّة، لا مجرّد الناجين من النار.

كلمةٌ تختصر القائمة

بعد هذا الاتّساع القرآنيّ، جاء حديثٌ نبويٌّ يُختصِر المعنى كلَّه في كلمتين. سأل النوّاسُ بن سمعان رضي الله عنه النبيَّ ﷺ عن البرّ والإثم، فقال: "الْبِرُّ حُسْنُ الْخُلُقِ، وَالْإِثْمُ مَا حَاكَ فِي نَفْسِكَ وَكَرِهْتَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ"، أخرجه مسلم[2]. فبعد أن فصّل القرآن قائمةً طويلةً من العقيدة والعبادة والإنفاق والصبر، جاء الحديث ليردّ ذلك كلَّه إلى جوهرٍ واحد يتجلّى في المعاملة اليوميّة: حُسن الخُلُق؛ فكأنّ كلَّ بندٍ في قائمة البقرة إنما هو تجلٍّ من تجلّيات هذا الجوهر الواحد. وفي حديثٍ آخر، سأل عبدُالله بن مسعود رضي الله عنه النبيَّ ﷺ: "أيّ العمل أحبّ إلى الله؟" فقال: "الصلاةُ على وقتها"، قال: "ثمّ أيّ؟" قال: "ثمّ برُّ الوالدين"، قال: "ثمّ أيّ؟" قال: "الجهادُ في سبيل الله"، متّفقٌ عليه[3]. فرتّب النبيُّ ﷺ برَّ الوالدين في المرتبة الثانية بعد الصلاة، قبل الجهاد الذي هو ذروة سنام الدين، فأعطاه من الأولويّة ما قد يغفل عنه من يظنّ الجهاد والدعوة أفضل من رعاية والدٍ عجوز في بيته.

حين تصير الشعيرة حجاباً

في تفسيرهم لآية "ليس البرّ أن تولّوا وجوهكم"، أجمع كثيرٌ من المفسّرين على أنّ مقصد الآية ليس تفضيل جهةٍ على جهة، بل تحرير الدين من توهّم أنّ الشعائر — مجرّدةً عمّا يصاحبها في القلب من إيمانٍ وفي الحياة من عمل — تُحقّق البِرّ أو تُنشئ الخير؛ فالشعيرة قد تصير حجاباً عن جوهر الدين إن ظُنّت هي الجوهر بذاتها، بدل أن تكون وسيلةً إليه. وهذا يفسّر لماذا اختار القرآن، في اللحظة التي كان يمكن أن ينشغل فيها الناس بجدل "أيّ جهةٍ أصوب"، أن يوسّع السؤال كلَّه بدل أن يُجيب عنه بضيقه؛ فليست غاية الدين في اتجاهٍ يُستقبَل، بل في قلبٍ يُصلَح وحياةٍ تُقام على الصدق والعطاء والوفاء.

حين نختزل نحن أيضاً

يتكرّر اليوم النمط نفسه الذي صحّحته آيتا البقرة، وإن تبدّلت صورته. فبعضٌ يظنّ أنّ التديّن ينحصر في مظهرٍ واحد — هيئة اللباس، أو لهجة الخطاب، أو التشدّد في مسألةٍ خلافيّةٍ فرعيّة — بينما يتساهل في حسن خلقه مع أقرب الناس إليه، في بيته أو عمله؛ فيُقيم "قبلته" الخاصّة ويظنّها الدين كلَّه، تماماً كما ظنّ بعض الجاهليّين أنّ الدخول من ظهر البيت تديّن. وقائمة آية البقرة نفسها تصلح اليوم مقياساً عمليّاً: أفي إيماني صدق؟ أفي مالي إيثارٌ لا فضلة؟ أفي وعدي وفاء؟ أفي شدّتي صبر؟ فإن غاب واحدٌ من هذه الأركان وحلّ محلّه تشدّدٌ في مسألةٍ شكليّة، فذلك بعينه الاختزال الذي نزلت الآيتان لتنقضاه. وينسحب هذا أيضاً على من يظنّ البِرَّ محصوراً في العلاقة مع الله وحده، فينشغل بكثرة النوافل بينما يقصّر في حقّ والدَيه أو جاره أو زميله؛ فحديث ابن مسعود يضع برَّ الوالدين في مرتبةٍ تسبق حتى الجهاد، وهو تذكيرٌ بأنّ اتّساع البِرّ يشمل أقرب الناس قبل أبعدهم، لا العكس. وفي زمنٍ تتنازع فيه الأولويّات بين طلب العلم الشرعيّ والدعوة والعمل العامّ، يبقى حديثُ ابن مسعود تذكيراً لا يُنسى: أن يسأل المرء نفسه أين يقع برُّ والديه من سلّم أولويّاته، قبل أن ينشغل بميادين أُخرى ظنّها أفضل.

خاتمة

من جدل جهة القبلة، إلى نقب الجدران تديّناً، إلى قائمةٍ تجمع الإيمان والإنفاق والصبر، يرسم القرآن للبِرّ اتّساعاً يرفض كلَّ محاولةٍ لحصره في شعيرةٍ واحدة. وحين اختُصر هذا الاتّساع كلُّه في كلمتين على لسان النبيّ ﷺ، لم يُختَر له إلا "حُسن الخُلُق" — جوهرٌ يتجلّى في كلّ تفصيلٍ يوميّ، لا في اتّجاهٍ واحدٍ يُستقبَل ثم يُنسى. والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.


الهوامش

  1. إحصاءٌ لموارد جذر "ب ر ر" في القرآن الكريم (المعجم القرآني، corpus.quran.com): اثنتان وثلاثون موضعاً على ثلاث صيغ، منها اثنتا عشرة موضعاً بمعنى "اليابسة" (بَرّ، خلاف البحر) لا صلة له بموضوع هذا المقال، وعشرون موضعاً في دائرة الخُلُق: الفعل "تبرّوا" (مرّتان)، والاسم "البِرّ" (ثمانٍ)، والجمع "الأبرار" (ستّ)، والصفة "بَرّاً" (مرّتان: مريم ١٤، ٣٢)، واسم الله "البَرّ" (مرّة: الطور ٢٨)، والصفة "بَرَرَة" (مرّة: عبس ١٦).
  2. أخرجه مسلم في صحيحه، رقم ٢٥٥٣، عن النوّاس بن سمعان الأنصاريّ رضي الله عنه.
  3. أخرجه البخاري في صحيحه، رقم ٥٢٧، ومسلم في صحيحه بنحوه، عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ