التفسير المقاصدي: تحرير المفهوم وضبط المصطلح

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
ما أكثرَ من يقرأ القرآنَ طلباً للحُكم، وما أقلَّ من يقرؤه طلباً للحِكمة! وما أكثرَ من يسأل: ماذا أمر الله؟ وما أقلَّ من يَزيد: ولماذا أمر؟ وبين السؤالَين مسافةٌ بعيدة؛ مسافةُ ما بين أن تَحمل الآيةَ في حافظتك، وأن تَحمِلَك الآيةُ إلى مرادها. ولنبدأ — كما يبدأ القرآن — من آيةٍ لا من تعريف:
﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: ١٧٩]
يسبق إلى الذهن حكمٌ فقهيّ ظاهر: مشروعية القصاص. لكنّ في الآية ما هو أعمق من الحكم؛ فهي تُجيب بنفسها عن سؤالٍ لم نطرحه بعد: لماذا شُرع القصاص؟ والجواب كلمةٌ واحدة: ﴿حَيَاةٌ﴾. فالمقصد من القصاص ليس إزهاق نفسٍ، بل حفظ النفوس وردع المعتدي قبل أن يَعتدي. وتأمّل دقّة التعبير القرآنيّ: جعل في القصاص — وهو في ظاهره موتٌ — حياةً؛ لأنّ العلم بأنّ المعتدي سيُقتصّ منه يَزجر النفوس عن سفك الدماء، فيَحيا الناس في أمنٍ. هذا الانتقال من سؤال «ما الحكم؟» إلى سؤال «ما المقصد؟» هو لبُّ ما نسمّيه التفسير المقاصدي. وقبل أن نخوض في تاريخه وأعلامه وثمرته، لا بدّ أن نحرّر مفهومه ونضبط مصطلحه، فهو مفتاح السلسلة كلّها؛ إذ لا يستقيم البناءُ على مصطلحٍ غامضٍ مضطرب.
أولاً: المقاصد في اللغة
«المقاصد» جمع مَقصِد، من مادّة (ق ص د) التي تدور على معانٍ متقاربة يجمعها أصلٌ واحد. منها استقامة الطريق؛ يقال طريقٌ قاصدٌ أي مستقيمٌ سهل. ومنها التوجّه إلى الشيء وإتيانه؛ يقال قصدتُ كذا أي توجّهت إليه عامداً. ومنها الاعتدالُ وعدم الإفراط؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] أي توسّط واعتدل، ومنه ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي مُتوسِّط معتدل.
فالقصد في أصله اللغويّ: التوجّه إلى غايةٍ على طريقٍ مستقيمٍ معتدل. وهذا المعنى اللغويّ يُضيء المصطلح إضاءةً بالغة؛ إذ يجمع بين ثلاثة أمور: وجود غايةٍ يُقصَد إليها، واستقامةِ الطريق المؤدّي إليها، والاعتدالِ في السير دون إفراطٍ ولا تفريط. ومن هنا صار «المقصِد» هو الغاية التي يُتوجَّه إليها، و«المقاصد» هي الغايات والحِكَم المطلوبة من الكلام أو الفعل أو الحكم. فإذا أُضيفت إلى القرآن صارت: الغايات والحِكَم التي أرادها الله من إنزال كتابه وتشريع أحكامه.
ثانياً: التفسير المقاصدي في الاصطلاح
إذا انتقلنا من اللغة إلى الاصطلاح، أمكن تعريف التفسير المقاصدي بأنه: النظر في القرآن لبيان الحِكَم والغايات التي أُنزِل من أجلها، وشُرِعت لأجلها أحكامُه، مع الكشف عن معاني ألفاظه وتوسيع دلالاتها اللغوية. وفي عبارةٍ مكمِّلة عند بعض الباحثين: هو النظر والبحث في مقاصد النصوص والمصالح المتوخّاة من أحكامها، ثم تفسيرها واستخراج معانيها ومقتضياتها وفق ما لاح من مقاصدَ ومصالحَ، من غير تكلُّفٍ ولا تعسُّف.
والقيدان الأخيران — «من غير تكلُّفٍ ولا تعسُّف» — جوهريّان في التعريف لا فضلةَ فيهما؛ فهما يُخرجان من المقاصدي ما يُحمَّل على الآية من معانٍ لا تحتملها، أو يُسقَط عليها من أهواءٍ باسم المقاصد. فالتفسير المقاصدي انضباطٌ لا انفلات، وعمقٌ لا تكلُّف. ويُلحَظ في التعريف أنه لم يَجعل المقاصد بديلاً عن المعنى اللغويّ، بل قرنه به: «مع الكشف عن معاني ألفاظه». فالمقصد فرعٌ عن المعنى، والمعنى أصلٌ له؛ فمن طلب المقصد قبل أن يُحكِم المعنى فقد عكَس الترتيب وبنى على غير أساس.
ثالثاً: من فهم اللفظ إلى فهم المقصد
لتقريب المفهوم، تأمّل قوله تعالى في شأن الصلاة:
﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥]
الفهم اللفظي يقف عند الحكم: الصلاة فريضةٌ بهيئةٍ مخصوصة وأركانٍ معلومة وأوقاتٍ محدّدة. أمّا الفهم المقاصدي فيضمّ إلى ذلك بيان الغاية التي صُرِّح بها في الآية نفسها: أنّ الصلاة شُرِعت لتُثمر في صاحبها انتهاءً عن الفحشاء والمنكر، وصلةً حيّةً بالله، كما في قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]. فمن أقام الصلاة بأركانها ثم لم تَنهَه عن فاحشةٍ ولا منكر، فقد أتى بصورتها وفاته بعضُ مقصدها، وعليه أن يُراجع خشوعه وحضوره لا أن يَترك الصلاة.
وهنا يبرز ضابطٌ مهمّ يُكرّره هذا المشروع: التفسير المقاصدي لا يُلغي ظاهر اللفظ ولا يُسقِط الحكم، بل يَصِلُه بروحه وغايته. فلا هو جمودٌ على الحرف يُفرغ العبادة من مقصدها، ولا تحلُّلٌ من الحكم بدعوى تحصيل المقصد. والطرفان كلاهما خطأ: من صلّى بلا روح، ومن ادّعى أنّ المقصود «ذكر القلب» فترك الصلاة. والصواب الجمع بين الصورة والروح: حكمٌ يُؤدَّى، ومقصدٌ يُستحضَر.
رابعاً: علمٌ مستقلٌّ أم منهجٌ في النظر؟
يَرِد سؤالٌ طبيعيّ: هل التفسير المقاصدي علمٌ قائمٌ بذاته له موضوعه ومسائله، أم هو منهجٌ في النظر يُستعمل داخل التفسير العامّ؟ ذهب بعض الباحثين إلى أنه صار علماً ناشئاً له قواعده وضوابطه ومصطلحاته، وذهب آخرون إلى أنه لونٌ أو اتجاهٌ من ألوان التفسير. والأقرب الجامع بينهما: أنه منهجٌ تفسيريٌّ نضج وتبلور حتى صار اتجاهاً وافراً قائماً بذاته، يستمدّ أصوله من رافدين كبيرين: علم مقاصد الشريعة الذي أصّله الأصوليون، وعلوم القرآن وقواعد التفسير.
وهو بهذا ليس بديلاً عن التفسير بالمأثور، ولا عن التفسير اللغويّ والبيانيّ، بل مكمِّلٌ لها ومتوِّجٌ لمسيرتها؛ إذ يبدأ من حيث تنتهي: ينطلق من المعنى الصحيح الذي قرّره أهل اللغة والمأثور، ثم يَخطو خطوةً أبعد إلى المقصد المطلوب من ذلك المعنى. فالعلاقة بينه وبين سائر ألوان التفسير علاقةُ تكاملٍ لا تنافس، وبناءٍ لا هدم.
خامساً: مقاصد عامّة ومقاصد خاصّة
ينتظم نظر التفسير المقاصدي في مستويين متكاملين. الأول: المقاصد العامّة الكبرى التي أُنزِل القرآن كلُّه لتحقيقها، كهداية الناس وإصلاح الاعتقاد وتزكية النفوس وإقامة العدل وعمارة الأرض بالخير. والثاني: المقاصد الخاصّة الجزئية لسورةٍ بعينها، أو لمجموعة آياتٍ، أو لحكمٍ مفرد، كمقصد الطهارة من آيات الوضوء، ومقصد العفّة من آيات الحجاب والاستئذان.
والتفسير المقاصدي يعتني بالمستويين معاً، فيقرأ الجزئيّ في ضوء الكلّيّ، ويستضيء بالكلّيّ على الجزئيّ، حتى لا يَشذّ فهمُ آيةٍ عن مقاصد القرآن الجامعة. وهذا الربط بين الجزئيّ والكلّيّ من أدقّ ما يُميّز المنهج؛ إذ يَعصِم من فهمٍ منحرفٍ لآيةٍ يُصادم روح القرآن العامّة، ويَمنح القارئ تصوّراً موحَّداً متماسكاً لا فهماً مبعثَراً.
مثالٌ تطبيقيّ: مقصد الصيام
لِنُجرِ المفهوم على عبادةٍ نعيشها كلّ عام؛ قال تعالى:
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]
الحكم في الآية ظاهر: فرضية الصيام. لكنّ الآية لم تَدَعنا عند الحكم، بل ختمت بمقصده المصرَّح به: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾. فالصيام ليس مجرّد إمساكٍ عن الطعام والشراب، بل مدرسةٌ تُربّي التقوى ومراقبة الله في السرّ والعلن. ومن صام فأمسك بطنه ولم يُمسِك لسانه وجوارحه عن الحرام، فقد حصّل صورة العبادة وفاته مقصدها الأعظم، ومن هنا جاء الحديث الذي رواه البخاري: «من لم يَدَع قول الزور والعمل به فليس لله حاجةٌ في أن يَدَع طعامه وشرابه». وهذا الفهم يُولِّد في قلب المسلم سؤالاً عمليّاً يلازم كلّ عبادةٍ يؤدّيها: ما الذي أراد الله أن يتحقّق فيَّ من وراء هذه العبادة؟ وبهذا السؤال وحده تنتقل العبادة من حركةٍ ظاهرة إلى أثرٍ في القلب والسلوك.
يتلوه المقال الثاني: «التفسير المقاصدي وأخواته: تمييزٌ يرفع اللبس»
| خلاصةٌ للحياة اقرأ كلّ آيةٍ بسؤالين لا بسؤالٍ واحد: «ماذا تقول الآية؟» ثم «لماذا قالته؟». الأوّل يفتح لك المعنى، والثاني يفتح لك المقصد. جرِّب هذا الأسبوع مع آيةٍ تحفظها: اكتب حكمها في سطر، وغايتها التي تريدها منك في سطر — وستجد التلاوة قد تحوّلت من حروفٍ تُؤدَّى إلى هدايةٍ تُعاش. | |---|
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.