أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 3
التفسير المقاصدي
التفسير المقاصدي

نشأة التفسير المقاصدي وتطوّره عبر القرون

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦5 دقائق قراءة

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

لم يولد التفسير المقاصدي مصطلحاً ناجزاً في يومٍ واحد، بل نَمَت بذورُه مع نزول الوحي، ثم تدرّج حتى صار اتجاهاً ممنهجاً. وفهمُ هذا التطوّر يعصِمنا من وهمين: وهمِ أنه بدعةٌ محدثة، ووهمِ أنه كان علماً مكتمل المعالم منذ البداية.

أولاً: البذور في عهد النبوّة والصحابة

كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يُنبّه على مقاصد التشريع وحِكَمه، ويُعلِّل الأحكام أحياناً ببيان غاياتها، كقوله فيما رواه مسلم في زيارة القبور: «كنتُ نهيتُكم عن زيارة القبور فزوروها، فإنها تُذكِّركم الآخرة» — فهنا ربطٌ صريحٌ بين الحكم ومقصده. وكان أصحابه رضوان الله عليهم يُدركون مقاصد الآيات ويستثمرونها في فهمهم وتنزيلهم.

ومن أشهر الأمثلة فقهُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمصالح النصوص ومقاصدها في وقائع متعدّدة؛ فكان ينظر إلى غاية الحكم لا إلى صورته فحسب، كاجتهاده في سهم «المؤلَّفة قلوبهم» حين نظر إلى مقصد التشريع وحال الإسلام في زمنه. فكان هذا كلُّه إرهاصاً مبكّراً للنظر المقاصدي وإن لم يُسمَّ بهذا الاسم؛ فالحقيقة سبقت المصطلح، كما هو شأن أكثر العلوم.

ثانياً: نضج علم المقاصد عند الأصوليين

مع تدوين أصول الفقه تبلور الكلام في «مقاصد الشارع» و«المصالح» وصار باباً مستقلّاً. فتحدّث إمام الحرمين الجويني (ت ٤٧٨هـ) عن مراتب المصالح في كتابه «البرهان»، وأرسى تلميذه أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ) في «المستصفى» مفهوم الضروريات الخمس (حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال)، وأفرد العزّ بن عبد السلام (ت ٦٦٠هـ) كتابه «قواعد الأحكام في مصالح الأنام» لتقرير المصالح والمفاسد حتى لُقِّب بـ«سلطان العلماء».

ثم بلغ التأصيل مرحلة نضجه الكبرى على يد أبي إسحاق الشاطبي (ت ٧٩٠هـ) في «الموافقات»، الذي صاغ نظرية المقاصد صياغةً منهجيّةً محكمة، فرتّب المقاصد إلى ضروريّاتٍ وحاجيّاتٍ وتحسينيّات، وبيّن طرق الكشف عن مقاصد الشارع. وبهذا صار «الموافقات» الأصل المؤسِّس الذي يَصدُر عنه كلُّ من تكلّم في التفسير المقاصدي بعده. فلمّا نضج علم المقاصد في حقل الأصول، كان طبيعيّاً أن يَمتدّ أثره إلى حقل التفسير.

ثالثاً: ظهور المصطلح في كتب التفسير ومقاصد السور

انتقلت العناية بالمقاصد إلى ميدان التفسير، فظهر الاهتمام بـ«مقاصد السور» وتناسب آياتها ومحورها الجامع. وبرزت مصنّفاتٌ تحمل المعنى في عناوينها؛ منها «مصاعد النظر للإشراف على مقاصد السور» لبرهان الدين البقاعي (ت ٨٨٥هـ) — وهو صاحب التفسير الكبير «نظم الدرر» الذي عُني بتناسب الآيات والسور — و«بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز» لمجد الدين الفيروزآبادي (ت ٨١٧هـ) صاحب «القاموس المحيط».

وبذلك صار النظر في مقاصد السورة ومحورها الجامع تقليداً معتبراً في علوم القرآن، يَعتني بأنّ لكلّ سورةٍ شخصيّةً ومقصداً تَدور حوله، لا أنها مجرّد آياتٍ متجاورة. وهذه نقلةٌ مهمّة مهّدت للتفسير المقاصدي الحديث.

رابعاً: البلورة في العصر الحديث

في العصر الحديث اتّسعت العناية بالمقاصد وتحوّلت إلى منهجٍ واضح المعالم تحت ضغط أسئلة النهضة والإصلاح. فأبرزت مدرسة المنار — محمد عبده ورشيد رضا — البُعد الهدائي للقرآن وغاياته الإصلاحية، ونبّهت على أنّ المقصد من التفسير هداية الإنسان لا مجرّد استعراض المباحث.

ثم أصّل الطاهر بن عاشور علم المقاصد تأصيلاً منهجيّاً في «مقاصد الشريعة الإسلامية»، وطبّق العناية بمقاصد السور وأغراضها في تفسيره الكبير «التحرير والتنوير». وكتب علال الفاسي «مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها» فأضاف البُعد الأخلاقي. ثم جاء الدرس المعاصر فأفرد التفسير المقاصدي بالبحث والتقعيد والتطبيق عند أمثال أحمد الريسوني ووصفي عاشور أبو زيد ونور الدين قَرّاط، حتى استقرّ اتجاهاً علميّاً قائماً بذاته له قواعده ومسائله ومصطلحاته.

وهكذا يتبيّن أنّ التفسير المقاصدي امتدادٌ أصيلٌ لمسيرةٍ بدأت بإشارات الوحي والصحابة، ونضجت بعلم الأصول، وتبلورت في علوم القرآن، ثم تَمنهَجت في العصر الحديث؛ فهو ابنُ التراث لا غريبٌ عنه.

يتلوه المقال الرابع: «مقاصد القرآن الكبرى والغاية من التفسير المقاصدي»

| خلاصةٌ للحياة التجديد المنضبط ليس قطيعةً مع التراث بل امتدادٌ له. حين تقرأ اجتهاداً مقاصديّاً معاصراً، اسأل: على أيّ أصلٍ تراثيٍّ يقوم؟ فإن وجدتَ له جذراً عند الشاطبي ومن قبله ومن بعده اطمأننتَ إليه، وتعلّمتَ كيف يكون التجديد وصلاً لا فصلاً. | |---|

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ