أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 10
حِكَمٌ وبصائر
حِكَمٌ وبصائر

تَسويةُ القُلوبِ قبلَ الصُّفوف

حين تَتلاصَقُ الأقدامُ وتَتباعَدُ القلوب — قانونُ الفُرجةِ التي يَدخُلُ منها الشَّيطان، في الصفِّ وفي النَّفس

د. أحمد أبو سيف٣١ مايو ٢٠٢٦13 دقائق قراءة

مدخل: حين تَتلاصَقُ الأقدام

تأمَّل صفَّ الصلاةِ لحظةَ الإقامة: أقدامٌ تَصطفُّ بمُحاذاةٍ هندسيّةٍ بديعة، وأكتافٌ تَتراصُّ، ولا يَكادُ أحدُنا يَرضى أن يَترُكَ فُرجةً بينه وبين جارِه، حتّى تَتلامسَ الأقدامُ في نوعٍ من الالتِحام. وهذا حَسَنٌ مأمورٌ به؛ فقد عُنِيَ الشَّرعُ بهذا التَّراصِّ عنايةً ظاهرة:

«سَوُّوا صُفوفَكم، فإنّ تَسويةَ الصُّفوفِ من إقامةِ الصَّلاة» [متفق عليه]

لكنّ السُّؤالَ الذي يُلِحُّ على القلب: هذه العِنايةُ البالغةُ باستقامةِ الأقدام... أليس وراءها ما هو أَوجَب؟ أليست استقامةُ النُّفوس أحقَّ بهذا الحِرصِ من استقامةِ الصُّفوف؟


حين رَبَطَ النبيُّ ﷺ الصفَّ بالقلب

وأعجبُ ما في البابِ أنّ النبيَّ ﷺ لم يَجعل اعوجاجَ الصفِّ مسألةً هندسيّةً فحَسب، بل جَعَلَه باباً إلى اعوجاجِ القلوب. كان يَمسحُ مناكِبَ أصحابِه ويقول:

«استَوُوا، ولا تَختلِفوا، فتَختلِفَ قُلوبُكم» [رواه مسلم]

تأمَّل هذا الرَّبطَ الدَّقيق: «فتَختلِفَ قُلوبُكم». فاختلافُ الأبدانِ في الصفِّ ليس عِلّةً في ذاتِه، وإنّما هو عُنوانٌ على ما هو أخطر: اختلافُ القلوب. وفي الحديثِ الآخَر تَهديدٌ صريح:

«لَتُسَوُّنَّ صُفوفَكم، أو لَيُخالِفَنَّ اللهُ بين وُجوهِكم» [متفق عليه]

فكأنّ الصفَّ المُستقيمَ ليس غايةً في ذاتِه، وإنّما هو تدريبٌ عمليٌّ يوميٌّ على معنًى أكبر: أن تَتقارَبَ النُّفوسُ كما تَتقارَبُ الأجساد، وأن تَستويَ القلوبُ كما تَستوي الأقدام.


الفُرجةُ التي يَدخُلُ منها الشَّيطان

وقد عَلَّلَ النبيُّ ﷺ سَدَّ الفُرَجِ في الصفِّ بأنّها مَداخلُ للشَّيطان:

«أقيموا الصُّفوفَ، وحاذُوا بين المَناكِب، وسُدُّوا الخَلَلَ... ولا تَذَروا فُرُجاتٍ للشَّيطان» [رواه أبو داود]

ومسألةُ دُخولِ الشَّيطانِ من الفُرجةِ أعمقُ من مُجرّدِ اتّصالِ الأبدان؛ فالشَّيطانُ لا يَعنيه كثيراً أن يَترُكَ النَّاسُ أُصبُعاً بين أقدامِهم، بقدرِ ما يَعنيه أن يَترُكوا بينهم أميالاً من الحَسَدِ والكِبرِ والقطيعةِ وسوءِ الظَّنّ. فأخطرُ الفُرَجِ ليست تلك التي بين القَدَمَين، بل تلك التي بين قَلبَين جَمَعَتهما الصلاةُ وفرَّقَتهما الدُّنيا.

وهنا تَنكشِفُ مُفارقةٌ مُؤلِمةٌ تَستحِقُّ أن تكونَ مِحورَ التَّأمُّل:

نُسَوّي ما بين الأقدامِ بالأصابع، ونَدَعُ ما بين القلوبِ مَسافاتٍ من السِّنين.فأيُّ الصَّفَّينِ أحقُّ بالتَّسوية؟

قانونُ الخَلَل: كيف تَتّسِعُ الفُرجةُ بين القلوب؟

ولأنّ الشَّيطانَ لا يَدخُلُ دَفعةً واحدة، بل من خَلَلٍ صغيرٍ ثُمّ يُوسِّعُه، فإنّ الفُرجةَ بين القلوبِ لا تَنشأُ فجأةً أيضاً. إنّها تَبدأُ رفيعةً كالشَّعرة: كلمةٌ لم يُعتذَر عنها، ونظرةٌ أُسيءَ تأويلُها، وظنٌّ سيِّئٌ لم يُحسَّن، ومُنافسةٌ على مكانةٍ أو ثناء، وحَسَدٌ صغيرٌ تُرِكَ حتّى كَبِر، وخلافٌ عائليٌّ أُجِّلَ علاجُه حتّى استَفحَل. خَلَلٌ يَسيرٌ لو سُدَّ في أوّلِه لانطَبَق، فإذا أُهمِلَ نَفَذَ منه الشَّيطانُ ووَسَّعَه، حتّى يَصيرَ هُوّةً لا يُرى قَعرُها.

وهذا هو القانونُ الذي يَجمعُ الصفَّ والقلبَ في سُنّةٍ واحدة:

خَلَلٌ يُترَك... فشَيطانٌ يَنفُذ... ففُرقةٌ تَتّسِع.والعِلاجُ هو الأمرُ النَّبويُّ نفسُه: «سُدُّوا الخَلَل» — قبلَ أن يَتّسِع.

فحين أمَرَنا النبيُّ ﷺ أن نَسُدَّ الخَلَلَ في الصفِّ، كان يُعلِّمُنا قانوناً يَسري على القلوبِ قبل الأقدام: بادِر بسَدِّ الفُرجةِ وهي شَعرةٌ، قبل أن تَصيرَ جِداراً. اعتذِر قبل أن يَتحجّرَ الموقِف، وأحسِنْ الظنَّ قبل أن يَستحكِمَ السوء، وصِل الرَّحِمَ قبل أن تَطولَ القطيعة. فما اتّسَعَت فُرجةٌ بين قلبَين إلا وكان أوّلُها خَلَلاً صغيراً أُهمِل.


مدرسةٌ يوميّةٌ لكَسرِ الأنا

ولو تأمّلنا صلاةَ الجماعةِ لوَجدناها مَدرسةً يوميّةً لصناعةِ هذا المعنى. فأنت تَقِفُ في الصفِّ بجوارِ الغنيِّ والفقير، والعربيِّ والأعجميِّ، والكبيرِ والصغير، وصاحبِ المنصبِ والعاملِ البسيط؛ تُحاذي مَنكِبَه، وتُلصِقُ قَدَمَك بقَدَمِه، لا فَضلَ لأحدِكما إلا بالتَّقوى. ثُمّ تُؤمَرُ أن تَتقدّمَ أو تَتأخّرَ لأجلِ انتظامِ الجماعةِ لا لأجلِ مكانتِك. إنّها تربيةٌ عمليّةٌ على كَسرِ الأنا، وعلى أن يَذوبَ الإنسانُ في صفٍّ لا يَعرِفُ فيه أحدٌ قَدرَه إلا اللهُ وحدَه.

فإذا كانت الشَّريعةُ قد اهتمّت بألّا تَدخُلَ فُرجةٌ صغيرةٌ بين قَدَمَين، فكيف نَرضى أن تَبقى فجواتٌ هائلةٌ بين القلوب؟


حين تَستقيمُ الأقدامُ وتَميلُ القلوب

والواقعُ يَشهَدُ بهذه المُفارَقةِ في كلِّ مَوطِنٍ نَجتمِعُ فيه: قد تَجِدُ رجُلَين في الصفِّ الواحِدِ تَتلامَسُ أقدامُهما، وبينهما خُصومةٌ عُمرُها عَشرُ سنين. وقد تَجِدُ أخوَين يَقِفان في صلاةِ العيدِ كَتِفاً إلى كَتِف، ثُمّ يَخرُجان من المسجدِ ليَعودَ كلٌّ منهما إلى قطيعتِه. وقد يَجلِسُ الزَّوجان تحتَ سقفٍ واحدٍ، وبين رُوحَيهما من البُعدِ ما بين المشرقِ والمغرب.

بل نَجتمِعُ في الجنائزِ صُفوفاً مُتراصّةً حولَ ميِّتٍ لا يَنفعُه تَراصُّنا، ثُمّ لا يُكلِّمُ بعضُنا بعضاً إلا في المآتم. ونَتصافَحُ في الأعيادِ بحَرارةٍ، ثُمّ تَعودُ القطيعةُ بعد أيّام. فالمُشكلةُ ليست في عَجزِنا عن جَمعِ الأبدان، بل في عَجزِ الأرواحِ عن أن تَجتمِع.


وأمّةٌ لا تَجتمِعُ في مسجد... كيف تَحمِلُ رسالة؟

وما هذا التَّأمُّلُ تربيةً فرديّةً فحَسب، بل هو في صَميمِ هَمِّ الإصلاح. فإنّ الأمّةَ التي تَعجِزُ عن تأليفِ القلوبِ في مسجدٍ واحدٍ، كيف يُرجى لها أن تَتآلَفَ في مشروعٍ حضاريٍّ كبير؟ وإذا كان المسلمونَ يَختلِفونَ وهم يَقِفونَ إلى قِبلةٍ واحدة، ويَطوفُ ملايينُهم حولَ بيتٍ واحدٍ في الحجِّ، فكيف يَحمِلونَ رسالةً واحدةً إلى العالَمين؟

إنّ تَسويةَ الصفِّ في المسجدِ تَدريبٌ مُصغَّرٌ على تَسويةِ الصفِّ في الحياة. فمَن لم يَستطِع أن يَسُدَّ الخَلَلَ بينه وبين جارِه في الصلاة، لن يَستطيعَ أن يَسُدَّ الخَلَلَ بين فصائلِ أمّةٍ تَنزِفُ من فُرَجِها. والبناءُ الكبيرُ لا يَقومُ على قلوبٍ مُتنافِرة، مهما اشتدّت سواعِدُها.


قلبٌ سليمٌ لا صفٌّ مستقيم

ولعلّ القرآنَ يَحسِمُ الأولويّةَ حين يُخبِرُ عن اليومِ الذي لا يَنفعُ فيه إلا صلاحُ الباطن:

﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ ۝ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88–89]

لم يَقُل: إلا مَن أتى اللهَ بصفٍّ مُستقيم، ولا بجسدٍ مُستوٍ، وإنّما بقلبٍ سليم؛ سليمٍ من الغِلِّ والحَسَدِ والكِبرِ والقطيعة. فاستقامةُ الصفِّ عملٌ يُؤجَرُ عليه العبدُ، لكنّها وسيلةٌ إلى ما هو أبقى: قلبٌ يَلقى اللهَ نَقيّاً. وتأليفُ القلوبِ بعدَ ذلك مِنّةٌ من اللهِ نَفتقِرُ إليها ونَسعى في أسبابِها:

﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ ۚ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63]

فالمالُ يَجمعُ الأبدانَ في مكان، أمّا القلوبُ فلا يُؤلِّفُ بينها إلا اللهُ، حين نَصدُقُ في طلبِ ذلك منه، ونُزيلُ بأيدينا ما نَقدِرُ عليه من أسبابِ الفُرقة، امتثالاً للأمرِ الجامِع: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].


خاتمة: أيُّ الفُرجتَينِ أولى بالسَّدّ؟

قد يَخرُجُ أحدُنا من المسجدِ وقد أحسَنَ تَسويةَ الصفِّ كلِّه، لكنّه لم يُحسِن تَسويةَ قلبِه مع أخيه. وقد يَنجَحُ في سَدِّ الفُرجةِ بين قَدَمِه وقَدَمِ جارِه، ثُمّ يَترُكُ فُرجةً واسعةً بينه وبين والدِه، أو أخيه، أو زوجِه، أو شريكِه.

وعندها يَعودُ بنا السُّؤالُ إلى حيث بَدأ: أيُّ الفُرجتَينِ أولى بالسَّدّ؟ تلك التي يُسَوّيها الإمامُ بكلمةٍ قبل التَّكبير، أم تلك التي لا يُسَوّيها إلا قلبٌ تَواضَعَ، ولسانٌ بادَرَ بالاعتذار، ويَدٌ امتَدَّت بالصُّلحِ قبل فواتِ الأوان؟

اللهُمَّ كما سَوَّيتَ بين أقدامِنا في صُفوفِك، فألِّف بين قلوبِنا على طاعتِك، واسلُل سَخائمَ صُدورِنا، واجعَلنا إخواناً نَلقاكَ بقلوبٍ سليمةٍ كما نَقِفُ بين يَدَيكَ بصُفوفٍ مُستقيمة.

شارك المقال