أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 8
حِكَمٌ وبصائر
حِكَمٌ وبصائر

ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ

لِماذا يَسبِقُ التَّفَثُ الطَّوافَ؟ — طَهارةٌ قبلَ القُرب، في الحجِّ وفي الطَّريقِ إلى الله

د. أحمد أبو سيف٣٠ مايو ٢٠٢٦10 دقائق قراءة

مدخل: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾

في زِحامِ الحَجيجِ، وبَينَ الأقدامِ التي أَنهَكَها السَّير، والوُجوهِ التي أَحرَقَتها شَمسُ عَرَفات، والألسِنةِ التي ما فَتِئَت تُرَدِّد: «لَبَّيكَ اللهُمَّ لَبَّيك»، يَجيءُ هذا التَّوجيهُ القرآنيُّ العَجيب:

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ [الحج: 29]

آيةٌ قَصيرةٌ لا تَكادُ تَتجاوزُ كلمتَين، لكنَّها تَحمِلُ من المَعاني ما يَتجاوزُ حُدودَ المَناسِكِ إلى فَلسفةِ الحياةِ كلِّها. فما التَّفَث؟ ولماذا اختارَ اللهُ الحجَّ ليكونَ عُنوانَ السُّورةِ كلِّها، والحديثُ المُباشِرُ عن المَناسِكِ لا يَشغَلُ إلا جُزءاً يَسيراً من آياتِها؟ وما علاقةُ هذا التَّوجيهِ برِحلةِ الإنسانِ إلى الله؟ أسئلةٌ تَفتَحُ لنا باباً لفَهمٍ أَعمقَ لهذه الآيةِ الكريمة.


سُورةُ الحجِّ... سُورةُ رِحلةٍ لا سُورةُ مَناسك

حين نَقرأُ سُورةَ الحجِّ لأوّلِ مرّةٍ نَظُنُّ أنّنا سنَجِدُ حديثاً مُطوّلاً عن المَناسِكِ وأحكامِها، كما هو الشأنُ في سُورةِ البقرةِ مثلاً، لكنَّ المُفاجأةَ أنّ السُّورةَ تَبدأُ بمَشهدٍ آخرَ تماماً:

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج: 1]

إنّها لا تَبدأُ بمكّةَ بل بالقيامة، ولا تَبدأُ بالطَّوافِ بل بالحَشر، ولا تَبدأُ بعَرفاتٍ بل بزَلزلةِ السَّاعة.

وتأمَّل ما الذي تَجمعُه هذه السُّورةُ في نَسيجٍ واحد: الدُّنيا والمَوت، والبَعث والحَشر، والجِهاد والذَّبح، وإبراهيم والبَيت والشَّعائر. تَنتقلُ بك من لحظةِ خُروجِ الإنسانِ إلى الدُّنيا، إلى لحظةِ وُقوفِه بين يَدَي الله، فلا تَكادُ تَجِدُ سُورةً جَمَعَت أطرافَ الرِّحلةِ الإنسانيّةِ كلَّها من مَبدئِها إلى مُنتهاها كما جَمَعَتها سُورةُ الحجّ.

ولعلّ هذا يَكشِفُ سِرّاً في التَّسمِية: فالحجُّ لم يَصِرْ عُنواناً للسُّورةِ لكَثرةِ أحكامِه فيها — وهي قليلة — بل لأنّه النَّموذجُ العَمليُّ المُكثَّفُ لمَسيرةِ الإنسانِ كلِّها إلى ربِّه. وليس الحجُّ — في تأمُّلِنا — موضوعاً من موضوعاتِ السُّورة، بل السُّورةُ كلُّها حَجَّةٌ كُبرى إلى الله؛ والحجُّ الأصغرُ الذي نَعرِفُه، بإحرامِه وطَوافِه ووُقوفِه، ليس إلا صورةً مُصغَّرةً لتلك الحَجَّةِ الكُبرى.

فالحاجُّ يَخرُجُ من وَطَنِه كما خَرَجَ الإنسانُ إلى الدُّنيا، ويَتجرّدُ من ثيابِه المُعتادةِ كما سيَتجرّدُ من دُنياه عند المَوت، ويَلبَسُ لِباساً يُشبِهُ الأكفان، ويَقِفُ بعَرفةَ مَوقفاً يُذكِّرُ بالحَشر، ويَجتمعُ مع ملايينِ البَشَرِ كما سيَجتمعُ الخَلقُ يومَ القيامة، ثُمّ يُغادِرُ ذلك كلَّه وهو يَرجو المَغفرةَ والقَبول. إنّها رِحلةٌ مُصغّرةٌ إلى المَصيرِ الأكبر.


إبراهيمُ... الأبُ الأوّلُ لهذه الرِّحلة

وليس من المُصادفةِ أن يَأتيَ الحديثُ عن الحجِّ في السُّورةِ مُقترِناً بإبراهيمَ عليه السلام:

﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ [الحج: 26]

فالحجُّ في جَوهرِه ليس انتقالاً إلى مكان، بل عَودةٌ إلى طريق؛ طريقٌ بَدأَه إبراهيم، وسارَت فيه هاجَر، وأكملَه إسماعيل، ثُمّ أحياه محمّدٌ ﷺ. فكلُّ خَطوةٍ يَخطوها الحاجُّ إنّما هي عُبورٌ في آثارِ أُسرةٍ صَنَعَت أعظمَ قِصّةِ إيمانٍ عَرَفَتها البَشريّة. ولهذا فالحاجُّ لا يَرِثُ مَناسِكَ إبراهيمَ فحَسب، بل يَرِثُ رُوحَه أيضاً: رُوحَ التَّسليم، والتَّضحية، والثِّقةِ بالله، والاستجابةِ المُطلقةِ لأمرِه سبحانه.


ما التَّفَث؟

بعد أن يَذكُرَ اللهُ جُملةً من الشَّعائرِ والتَّكاليفِ يَجيءُ هذا التَّوجيه:

﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]

وقد فَسَّرَ جُمهورُ المُفسِّرين — كالطَّبريِّ وابنِ كثير — التَّفَثَ بما يُصيبُ المُحرِمَ من شَعَثِ الشَّعرِ وطُولِ الأظفارِ وآثارِ السَّفرِ والإحرام. لكنَّ جَمالَ التَّعبيرِ القرآنيِّ أنّه لم يَقُل: ثُمّ ليَحلِقوا رُؤوسَهم أو ليُقلِّموا أظفارَهم، بل قال: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، وكأنّه يَلفِتُ النَّظَرَ إلى المَعنى الكامِنِ وراءَ الصُّورة. فالتَّفَثُ ليس مُجرّدَ شَعرٍ يَزول، بل كلُّ ما عَلِقَ بالإنسانِ في طريقِه الطَّويل: كلُّ ما أثقلَه، وشَوّهَ صَفاءَه، وحَجَبَه عن كَمالِه.


لماذا يَسبِقُ التَّفَثُ الطَّواف؟

ولم تَقِفِ الآيةُ عند التَّفَثِ وحدَه، بل رَتَّبَت ثلاثةَ أوامرَ مُتعاقبة: ﴿لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾، ثُمّ ﴿لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾، ثُمّ ﴿لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. وفي هذا التَّرتيبِ تُختزَلُ الطَّريقُ إلى الله كلُّها: تُزيلُ أوّلاً ما عَلِقَ بك من أدران، ثُمّ تَفي بما عاهَدتَ اللهَ عليه، ثُمّ تَنالُ شَرَفَ القُربِ والطَّواف. فلا قُربَ قبلَ وَفاء، ولا وَفاءَ قبلَ طَهارة.

تَطهيرٌ... فَوَفاءٌ... فَقُرب.هكذا رَتَّبَتِ الآيةُ طريقَ السَّائرِ إلى الله.

ولعلّ من ألطفِ ما في هذا التَّرتيبِ أنّ قَضاءَ التَّفَثِ يَسبِقُ الطَّوافَ بالبَيتِ العَتيق؛ فكأنّ المَعنى: انفُض عنك غُبارَ الطَّريقِ أوّلاً، ثُمّ ادخُل إلى حَضرةِ القُرب. وإذا كان هذا شأنَ اللِّقاءِ المُؤقّتِ ببَيتِ اللهِ في الدُّنيا، فكيف باللِّقاءِ الأبديِّ مع اللهِ يومَ القيامة؟ هناك أيضاً رِحلةٌ طويلة، ومَوقفٌ عظيم، وصِراطٌ مَنصوب، وحِسابٌ لا يُغادِرُ صَغيرةً ولا كَبيرة. فما أحوجَ الإنسانَ إلى أن يَقضيَ تَفَثَه قبلَ ذلك اليوم.

وما هذا المَعنى بغَريبٍ على القرآن؛ فالطَّهارةُ فيه قَرينةُ القُربِ دائماً. قال لنبيِّه في أوّلِ التَّكليف: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، وأثنى على أهلِ القُربِ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222]. فكأنّ القرآنَ كلَّه يُلِحُّ على حقيقةٍ واحدة: أنّ الإنسانَ لا يَتهيّأُ للقُربِ من ربِّه إلا بطَهارة؛ طَهارةٍ ظاهرةٍ في بعضِ المَواطن، وطَهارةٍ باطنةٍ في كلِّ المَواطن.


أخطرُ التَّفَثِ ما لا يَراهُ أحد

وهنا تَكمُنُ المُفارقة: فالشَّعَثُ الظاهرُ يَكفي فيه مُوسى الحَلّاقِ ومِقَصُّ الأظفار، يَزولُ في لَحظاتٍ فيَعودُ الجَسدُ نَضِراً نَظيفاً. أمّا الشَّعَثُ الباطنُ فلا يُزيلُه مُوسى ولا مِقَصّ، ولا يُغسَلُ بماء؛ إنّما يُقضى بصِدقِ تَوبةٍ ومُجاهدةِ نَفسٍ تُعيدُ تَرتيبَ القلبِ كلِّه.

تأمَّل: كم من وَجهٍ أبيضَ نَقيٍّ يُخفي خلفَه قلباً يَنخُرُه الحَسَدُ كلَّما رأى نِعمةً عند غَيرِه؛ فالحَسَدُ تَفَثٌ لا يَراهُ أحد. وكم من جَبهةٍ تَسجُدُ ونَفسٍ يَملَؤُها الكِبرُ أن تَلينَ لحقٍّ أو تَعتذِرَ لمَظلوم؛ فالكِبرُ تَفَثٌ لا يَراهُ أحد. والعُجبُ الذي يُرينا أعمالَنا أكبرَ ممّا هي تَفَث. والتَّسويفُ الذي يَأكُلُ الأعمارَ ويُؤجِّلُ التَّوبةَ إلى غَدٍ لا يَأتي تَفَث. والقَسوةُ التي تُجفِّفُ القلبَ حتّى لا يَهتزَّ ليَتيمٍ ولا يَرِقَّ لمَكروبٍ تَفَث. كلُّ أولئكَ غُبارٌ على الرُّوحِ لا تُبصِرُه العُيون، وهو أثقلُ في ميزانِ اللهِ من شَعَثِ الرأسِ وغُبارِ القَدَم.

ولذلك كان كثيرٌ من النَّاسِ يَحرِصُ على نَظافةِ جَسدِه أكثرَ من حِرصِه على نَظافةِ قلبِه؛ يَغسِلُ يَدَيهِ مِراراً في اليوم، ولا يُفكِّرُ كم مرّةً يَحتاجُ قلبُه إلى الغَسل، ويَنزِعُ الغُبارَ عن ثَوبِه، ويَترُكُ غُبارَ المَعاصي يَتراكمُ على رُوحِه سنواتٍ طويلة.


ماذا سَنفعلُ بعد المَوسِم؟

إنّ قيمةَ المَواسِمِ الإيمانيّةِ لا تَكمُنُ في لَحظاتِ التَّأثُّرِ التي نَصنعُها خلالَها، بل في القَراراتِ التي نَحمِلُها معنا بعدَها. فالحجُّ الحقيقيُّ لا يَنتهي عند مُغادرةِ مِنى، كما أنّ رمضانَ الحقيقيَّ لا يَنتهي عند رُؤيةِ هِلالِ شَوّال؛ وإنّما يَبدأُ الامتحانُ الحقيقيُّ بعد انقضاءِ المَوسِم.

هل سنَعودُ إلى ما كنّا عليه، أم سنُغادِرُ بعضَ ما كنّا عليه؟ هل سيَبقى الغَضَبُ كما هو، والخُصومةُ كما هي، والتَّفريطُ كما هو، أم أنّ شيئاً من التَّفَثِ قد سَقَطَ فعلاً في الطَّريق؟ إنّ أعظمَ الحجِّ ليس أن يَعودَ الإنسانُ إلى بَيتِه بشَهادةِ أنّه زارَ مكّة، بل أن يَعودَ بقلبٍ لم يَعُد كما كان قبلَ مكّة.


مَحطّاتٌ على الطَّريق

ومن رَحمةِ اللهِ أنّ رِحلةَ العُمرِ ليست طريقاً بلا استِراحات. فجَعَلَ لنا رمضان، والحجَّ، وعَشرَ ذي الحِجّة، والجُمُعة، وأبواباً للتَّوبةِ مَفتوحةً ما بَقِيَتِ الأرواحُ في الأجساد. إنّها مَحطّاتٌ مُتكرّرةٌ يَمنحُنا اللهُ فيها فُرصةً جديدةً لنَفضِ الغُبارِ عن أرواحِنا، فطوبى لمَن جَعَلَها بِداياتٍ جديدةً لا ذِكرياتٍ عابِرة.


خاتمة: ماذا تَرَكتَ وراءَكَ قبلَ أن تَصِل؟

سيَأتي يومٌ يَقِفُ فيه كلُّ واحدٍ منّا للحِساب. لا يَحمِلُ معه حَقيبةَ سَفر، ولا جَوازَ عُبور، ولا شَهادةَ حَجٍّ، ولا صورةً التَقَطَها عند الكَعبة. لن يَحمِلَ إلا قلبَه.

وعندها لن يكونَ السُّؤالُ: هل وَصَلتَ إلى البَيت؟ بل: هل خَرَجتَ من رِحلتِكَ إلى البَيتِ بقلبٍ يَصلُحُ للِقاءِ ربِّ البَيت؟

ليس السُّؤالُ: هل وَصَلت؟ بل: ماذا تَرَكتَ وراءَكَ قبلَ أن تَصِل؟

تلك — في ظنّي — رُوحُ قولِه تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾؛ أنّ الطَّريقَ إلى اللهِ لا يُقطَعُ بالأقدامِ وحدَها، بل بقلبٍ كلَّما تَراكمَ عليه غُبارُ الدُّنيا عادَ إلى ربِّه ليَنفُضَه، حتّى يَلقاه يومَ يَلقاه نَقيّاً طاهراً، خَفيفَ الحِملِ، حَسَنَ الزَّاد، وقد قَضى تَفَثَه كلَّه.

شارك المقال