كعبةٌ أم قِبلة؟
عند البيت... أم في البيت؟ — لماذا تَجمَعُ القِبلةُ كلَّ الوُجوه، ولا يَنكشِفُ سِرُّ الكعبةِ إلا لقلبٍ حاضر
مدخل: مَلايينُ عند البيت... فكم منهم في البيت؟
تَنظُرُ إلى مَشهدِ الطَّوافِ فتَرى بحراً من البَشَر يَدورُ حولَ البيتِ العتيق، لا يَكادُ يَتَّسِعُ المكانُ لأقدامِهم. مَلايينُ وَصَلوا إلى الكعبة، ولامَست أبصارُهم سَوادَ كِسوتِها. لكنّ سؤالاً يَبقى مُعَلَّقاً فوقَ الرُّؤوس: كم من هؤلاء وَصَلَتِ الكعبةُ إلى قلبِه، كما وَصَلَ هو إلى الكعبة؟
فهناك فَرقٌ — هو مِحورُ هذا التَّأمُّلِ كلِّه — بين أن تكونَ عند البيت، وأن يكونَ البيتُ فيك. وعليه يَدورُ السُّؤالُ الذي يُعَنوِنُ المقال: كعبةٌ أم قِبلة؟ أهي مَسألةُ وُجودٍ عند البُقعةِ المُبارَكة، أم مسألةُ حُضورٍ لها في القلبِ والوِجدان؟
ليس كلُّ مَن رأى الكعبةَ أبصَرَها
فالناسُ يَشتركونَ في رُؤيةِ البِناء، لكنّهم يَختلِفونَ في استقبالِ المعنى:
ليس كلُّ مَن رأى الكعبةَ أبصَرَها. وليس كلُّ مَن طافَ حولَ البيتِ دارَ قلبُه مع الله. وليس كلُّ مَن صَلّى إلى القِبلةِ جَعَلَ قلبَه مُتوجِّهاً إليها.
فالعينُ تَرى الحِجارةَ والكِسوة، أمّا القلبُ فيُبصِرُ الجَلالَ والمعنى. وكم بينَ مَن وَقَعَ بَصَرُه على البيتِ ومَن وَقَعَ البيتُ في قلبِه من فَرق! إنّه الفَرقُ بين الرُّؤيةِ والبَصيرة، وبين أن تَصِلَ قَدَمُك إلى المكان، وأن يَصِلَ المكانُ إلى رُوحِك.
قِبلةٌ يَتوجَّهُ إليها الجميع... وسِرٌّ لا يَنكشِفُ إلا لقلبٍ حاضر
وتأمَّل لَطيفةً في حِكمةِ الشَّرع: إنّ اللهَ لم يَجعَلِ الكعبةَ غايةً في ذاتِها، وإنّما جَعَلَها قِبلة:
﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ [البقرة: 150]
فالقِبلةُ يَتوجَّهُ إليها الجميع؛ تَجمَعُ المسلمينَ في كلِّ الأرض، يَستوي فيها القريبُ والبعيد. أمّا الكعبةُ بُقعةً تَراها العين، فلا يَصِلُ إليها إلا قِلّة، ولا تَبقى في النَّظَرِ إلا أياماً ثُمّ تَغيب؛ غير أنّ سِرَّها ومعناها لا يَنكشِفُ إلا لقلبٍ حاضرٍ مُعَظِّم، سَواءٌ طافَ بها أم تَوجَّهَ إليها من أقاصي الأرض.
وهنا تَكمُنُ أعظمُ مِنحةٍ في هذا الدِّين: أنّ اللهَ لم يَجعَلِ النَّجاةَ في رؤيةِ الكعبة، وإنّما في التَّوجُّهِ إليها. فمَلايينُ المسلمينَ في الأندلسِ والصينِ وأقاصي أفريقيا لم تَقَع أعيُنُهم على البيتِ قطُّ، ومع ذلك عاشوا ومَاتوا مُتوجِّهينَ إليه, يُوَلُّونَه وُجوهَهم خمسَ مرّاتٍ كلَّ يوم. بل رُبّ قلبٍ في أطرافِ الدُّنيا كان أقربَ إلى البيتِ من قلبِ بعضِ مَن يُجاوِرُ أستارَه. ولذلك كان أثرُ القِبلةِ أعظمَ انتشاراً وأطولَ بقاءً من أثرِ الكعبة:
الكعبةُ مكانٌ تَراهُ العينُ أياماً ثُمّ يَغيب، والقِبلةُ اتجاهٌ يَسكُنُ القلبَ حتّى المَوت.فلا تَسألْ: أين أنا من البيت؟ بل: أين البيتُ منّي؟
فليس المطلوبُ أن تكونَ عند الكعبةِ دائماً، وإنّما أن تَبقى القِبلةُ حاضرةً في اتجاهِك؛ فالتي تَراها العينُ قد تَغيب، أمّا التي تَسكُنُ القلبَ فيَنبغي أن تَبقى حتّى تَلقى اللهَ عليها.
حَضَروا إلى الصلاة... وغابوا فيها
وهذه المُفارَقةُ لا تَخُصُّ الحجَّ وحدَه, بل تَسري في كلِّ عبادة؛ فثَمّةَ فَرقٌ بين أن تَحضُرَ إلى الصلاة، وأن تَحضُرَ في الصلاة. أوَلَم يَكُنِ المنافقونَ في المدينةِ يُصَلُّونَ إلى القِبلةِ نفسِها التي صَلّى إليها الصحابة، ويَقِفونَ في الصفِّ نفسِه؟ ومع ذلك قال اللهُ فيهم:
﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَىٰ يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ [النساء: 142]
فالمُشكلةُ لم تكن في الحضورِ إلى الصلاة، بل في الحضورِ في الصلاة. ولذلك جاءَ الوعيدُ بحرفٍ دقيق:
﴿فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 4–5]
لم يَقُل: وَيلٌ لتارِكي الصلاة، بل بَدأَ بمَن حَضَرَت أجسادُهم وغابَت قلوبُهم. وقال: «عَن صَلاتِهم» لا «في صَلاتِهم»؛ فهم يُؤدُّونَ الحركاتِ وهم غائبونَ عن رُوحِها.
حِجارةٌ لا تَنفَعُ بذاتِها... ومعنًى يَنفَع
ومن هنا تَتبيَّنُ آفةٌ خَفِيّة: التَّدَيُّنُ النَّظَريُّ الذي يَكتفي بصورةِ العبادةِ عن حقيقتِها، ويَتعلَّلُ بالوُجودِ عند البُقعةِ المُبارَكةِ عن عِمارةِ القلبِ بها. وقد ضَرَبَ لنا الفاروقُ عُمَرُ رضي الله عنه أصدقَ مثالٍ على أنّ العِبرةَ بالمعنى لا بالحَجَر؛ فقد جاءَ إلى الحَجَرِ الأسودِ فقَبَّلَه، ثُمّ قال:
«إنّي أعلمُ أنّك حَجَرٌ لا تَضُرُّ ولا تَنفَع، ولولا أنّي رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يُقَبِّلُك ما قَبَّلتُك» [متفق عليه]
فها هو يُقَبِّلُ الحَجَرَ امتثالاً واتِّباعاً، لا اعتقاداً أنّ في الحَجَرِ نفعاً ذاتيّاً. والقرآنُ يَحسِمُ هذا المعنى في أصرحِ صُوَرِه حين تَكلَّمَ عن القَرابينِ التي تُساقُ إلى البيتِ الحرام:
﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]
فليس الذي يَصعَدُ إلى اللهِ هو اللَّحمَ ولا الدَّم، ولا مُجرَّدَ الحُضورِ بالجَسَد، وإنّما التَّقوى التي في القلب، كما في الحديث: «إنّ اللهَ لا يَنظُرُ إلى صُوَرِكم وأموالِكم، ولكن يَنظُرُ إلى قُلوبِكم وأعمالِكم» [رواه مسلم].
كم من واقفٍ عند البيت... غائبٍ عنه؟
فكم من إنسانٍ وَقَفَ أمامَ الكعبةِ ولم تَقِفِ الكعبةُ في قلبِه! وكم من إنسانٍ لامَسَ الحَجَرَ الأسودَ ولم يُلامِسِ الإيمانُ سُوَيداءَ فؤادِه! وكم من إنسانٍ عادَ من مكّةَ مُحَمَّلاً بالصُّوَرِ والذِّكرَيات، ولم يَعُد مُحَمَّلاً بالمعاني والتَّحوُّلات!
والسِّرُّ أنّ بَرَكةَ المكانِ لا تَعمَلُ عَمَلَها في كلِّ قلبٍ بلا شَرط؛ فهي كالغَيثِ يَنزِلُ، فيُحيي الأرضَ الطَّيِّبةَ ويَمُرُّ على السَّبخةِ فلا تُنبِت. فإذا صادَفَتِ القلبَ العامِرَ بالتَّعظيمِ أحيَتْه، وإذا صادَفَت قلباً خاوياً مَرَّت عليه فلم تَترُك أثراً. فالخَطَرُ ليس أن تَغيبَ عن الكعبة؛ الخَطَرُ أن تَحضُرَ عند الكعبةِ وتَغيبَ عنها.
مَن هم أهلُ المعنى؟
فبأيِّ شيءٍ يَصيرُ العبدُ ممّن يَسكُنُ البيتُ قلبَه لا قَدَمَه فقط؟ الجوابُ في آيةٍ تَضَعُ المِعيارَ كلَّه في كلمتَين:
﴿وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]
فالشَّعيرةُ لا تُقاسُ بالحركةِ الظَّاهرة، بل بما وراءَها من تقوى القلوب. ومَن عَظَّمَ الشَّعائرَ في قلبِه قبل جَوارِحِه، حَمَلَ القِبلةَ معه أينما حَلَّ؛ يَستحضِرُها في صلاتِه وهو في أقصى الأرض، ويَتوجَّهُ إليها بقلبٍ يَخفِقُ لا بوجهٍ يَدورُ فقط. وليس هذا منه بفَضلِ المكانِ عليه، بل بفَضلِ اللهِ الذي يُؤتي رحمتَه مَن أعَدَّ لها قلبَه، فيَصطفيه لمعانٍ يَحجُبُها عن الغافلين.
خاتمة: ليس كلُّ مَن وَصَلَ قد وَصَل
ليست القضيّةُ أن تَقِفَ أمامَ الكعبة، فقد وَقَفَ أمامَها المؤمنُ والمنافق، والصالحُ والطالح، والعابدُ والغافل. القضيّةُ الحقيقيّة: هل وَقَفَتِ الكعبةُ بين يَدَي قلبِك؟ هل غَيَّرَت اتجاهَك كما غَيَّرَت اتجاهَ جَسَدِك؟ هل صارَتِ القِبلةُ التي تَجمَعُ وُجوهَ المسلمينَ قادرةً على أن تَجمَعَ شَتاتَ نفسِك؟
فليس كلُّ مَن وَصَلَ إلى الكعبةِ قد وَصَل؛ وإنّما يَصِلُ حقّاً مَن عادَت به الكعبةُ إلى الله.
اللهُمَّ لا تَجعَلنا ممّن يَطوفونَ بأبدانِهم وقلوبُهم في وادٍ آخَر، واجعَل بُيوتَك عامرةً في صُدورِنا قبل أن تَطَأَها أقدامُنا، وارزُقنا قِبلةً تَسكُنُ القلبَ كما يَسكُنُ الوجهَ توجُّهُه، واكتُبنا من أهلِ الحُضورِ لا من أهلِ الغَفلة.