الميثاق في القرآن
عهدٌ بقوّة الرباط
عند سفح الطور، يقف بنو إسرائيل تحت جبلٍ رُفع فوق رؤوسهم كأنه ظُلّة، حجرٌ ضخمٌ معلَّق في الهواء لا يفصله عن رؤوسهم إلا أمر الله بأن يبقى معلَّقًا. في تلك اللحظة، والجبل قائمٌ فوقهم كسقفٍ يوشك أن يسقط، يُؤخَذ منهم العهد: «وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ» (٢:٦٣). ليس هذا عهدًا يُوقَّع بقلم, ولا وعدًا يُقال باللسان وحده، بل التزامٌ يُؤخَذ تحت ثقلٍ محسوس، وكأن الجبل نفسه شاهدٌ ماديّ يشدّ العهد إلى الأرض شدًّا.
هذا الثقل، وهذا الشدّ، هما بالضبط ما يحمله اللفظ الذي اختاره القرآن لهذا العهد: «الميثاق»، من جذرٍ لا يدلّ أصلًا على القول أو الوعد، بل على الرَّبْط والتوثيق الجسديّ المحسوس — الحبل الذي يُشدّ، والقيد الذي يُحكَم. حين يريد القرآن أن يصف عهدًا لا يحتمل النقض، لا يستعير له لفظًا من حقل الكلام، بل من حقل الحبال والعُرى.
حصر اللفظ والإحصاء
يرد جذر «و ث ق» في القرآن الكريم أربعًا وثلاثين مرة، في ست صيغ: مرةً واحدة فعلًا من الثلاثي المزيد «واثَقَ» (٥:٧)، ومرةً واحدة فعلًا من الرباعي «يُوثِقُ» في سياق العقاب الأخرويّ (٨٩:٢٦)، وثلاث مراتٍ اسم «مَوْثِق» في قصة يوسف (١٢:٦٦، ١٢:٨٠)، وخمسًا وعشرين مرة اسم «ميثاق» — وهو الأغلب الأعمّ من ورود الجذر كله — ومرتين اسم «وَثاق» بمعنى القيد الحسّيّ (٤٧:٤، ٨٩:٢٦)، ومرتين صفة «الوُثقى» بمعنى الأوثق والأشدّ إحكامًا (٢:٢٥٦، ٣١:٢٢)[2].
هذا التوزيع لافتٌ في حدّ ذاته: خمسٌ وعشرون من أربعٍ وثلاثين — أكثر من ثلثي ورود الجذر — تنصرف إلى المعنى المجرّد «العهد الموثَّق»، بينما تبقى بقية الصيغ على معناها الحسّيّ المباشر: القيد، والرباط، والعُروة. وهذا يعني أن القرآن حين استعمل «الميثاق» لم يكن يستدعي لفظًا مجرّدًا خالصًا، بل كان يستحضر معه، ولو خافتًا، صورة الحبل المشدود.
الجذر اللغوي: من الحبل إلى العهد
في أصل اللغة، «وَثَقَ» يدلّ على الإحكام والشدّ: أوثقتُ الشيء إذا ربطته برباطٍ محكم لا ينفكّ، والوَثاق هو القيد أو الحبل الذي يُشدّ به الأسير أو الدابة. ومنه «الوُثقى» صفةُ تفضيلٍ للرباط الأشدّ إحكامًا، كما في «الْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ» — العُروة التي لا تنفصم، وهي استعارةٌ قرآنيةٌ لليقين الذي لا يتزعزع: «فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انْفِصَامَ لَهَا» (٢:٢٥٦).
فحين انتقل الجذر من معناه الحسّيّ (شدّ الحبل) إلى معناه المجرّد (توثيق العهد)، لم يفقد شحنته الأصلية، بل نقلها معه: العهد الموثَّق هو الذي أُحكِم شدّه كما يُحكَم شدّ الحبل، لا الذي اكتُفي فيه بمجرّد القول. وهذا يفرّق «الميثاق» عن «العهد» — وهو اللفظ الأعمّ للوعد والالتزام في القرآن — فرقًا دقيقًا يظهر جليًّا حين يجتمع اللفظان في آيةٍ واحدة، كما سيأتي.
البنية المركزية: العهد محتوًى، والميثاق رباطه
يجمع القرآن بين «العهد» و«الميثاق» في أكثر من موضع بأسلوبٍ يكشف العلاقة بينهما: «الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ» (٢:٢٧، وكذلك ١٣:٢٠-٢٥). فالعهد هنا هو الالتزام نفسه — مضمونه ومحتواه — بينما «ميثاقه» هو ما أُحكِم به هذا الالتزام وشُدّ به إلى صاحبه، أي فعل التوثيق الذي يجعل نقض العهد نقضًا لرباطٍ لا لقولٍ عابر. العهد هو ما يُقال، والميثاق هو ما يُشدّ.
هذا الفارق يفسّر أيضًا لماذا يتكرّر مع «الميثاق» فعلٌ واحدٌ بعينه أكثر من غيره: «أخَذَ». يقول القرآن «أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ» لا «أعطيناكم ميثاقًا» ولا «وعدناكم» — فالله هو الآخِذ، والعبد هو من يُؤخَذ منه العهد ويُشَدّ عليه. هذا الفعل «أخذ» يتكرّر مع بني إسرائيل (٢:٦٣، ٢:٨٣، ٢:٨٤، ٢:٩٣، ٥:١٢)، ومع النبيّين (٣:٨١، ٣٣:٧)، ومع النصارى (٥:١٤) — في كل مرة، المبادرة لله وحده، والعبد هو الطرف الذي يُشَدّ عهده لا الذي يمنحه.
نموذجٌ لافت: الميثاق الغليظ في موضعين متباعدين
من أغرب ما يكشفه تتبّع اللفظ أن وصف «ميثاقًا غليظًا» — أي عهدًا شديد الإحكام والثقل — لا يرد في القرآن إلا في موضعين، أحدهما بعيدٌ كل البعد عن الآخر في الظاهر: مرةً في العهد الذي أخذه الله من النبيّين (٣٣:٧: «وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا»)، ومرةً في عقد الزواج بين الزوجين (٤:٢١: «وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا»). فالقرآن يصف الرباط الزوجيّ بالثقل والإحكام نفسيهما اللذين يصف بهما عهد النبوّة، مساويًا بين أعظم عهدٍ ديني وأقرب عهدٍ إنسانيّ يوميّ. هذا التقارب ليس مصادفةً لغوية، بل إشارةٌ إلى أن الزواج، في ميزان القرآن، ليس عقدًا إداريًّا قابلاً للفسخ بخفّة، بل ميثاقٌ يحمل من الجدّية والقداسة ما يحمله عهد الأنبياء أنفسهم.
نموذجٌ آخر: مَوْثِق يعقوب وابنه
يحمل الجذر صيغةً أخرى غير «ميثاق»، هي «مَوْثِق»، ولا ترد إلا ثلاث مراتٍ في القرآن كله، جميعها في قصة يوسف. حين يطلب إخوة يوسف من أبيهم أن يرسل معهم أخاهم الأصغر، يرفض يعقوب حتى يأخذ منهم عهدًا محكمًا: «قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّىٰ تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ» (١٢:٦٦). هذا مشهدٌ أسريّ حميم، بعيدٌ عن جبل الطور ورهبة بني إسرائيل، لكنه يستدعي اللفظ نفسه ذا الجذر الواحد: فحتى في العلاقة بين أبٍ وأبنائه، حين يبلغ القلق أشدّه، لا يكفي وعدٌ عابر، بل لا بدّ من «موثقٍ من الله» يُشدّ به الطلب. وحين يفي الأبناء بهذا الموثق ثم يُختبَرون فيه لاحقًا (١٢:٨٠)، يتّضح أن اللفظ يحمل معه دومًا التزامًا يُحاسَب عليه، لا كلامًا يُنسى بانقضاء المناسبة.
وفي الطرف المقابل تمامًا، يستعمل القرآن الجذر نفسه لوصف قيدٍ لا اختيار فيه ولا عهد، بل عقوبة: «وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ» (٨٩:٢٦)، في وصف عذاب من طغى وتجبّر يوم القيامة. هنا ينكشف الطرفان المتقابلان للجذر الواحد: وثاقٌ يُبرَم طوعًا بين طرفين متراضيين فيصير ميثاقًا شريفًا يُحفَظ، ووثاقٌ يُفرَض قسرًا على من أبى العهد الأول فيصير قيدًا يُعاقَب به. الحبل نفسه، إذن، إما أن يُشَدّ برضا القلب فيكون رباط أمانة، أو يُشَدّ رغم أنف صاحبه فيكون قيد إدانة.
تنبيهٌ منهجيّ: الميثاق الأول لم يُسمَّ في القرآن بهذا الاسم
يشيع في الخطاب الدعويّ وصف المشهد الذي يذكره القرآن في «وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ» (٧:١٧٢) بـ«الميثاق الأزليّ» أو «ميثاق الفطرة». لكن التحقّق من موضع الآية يُظهر أن القرآن نفسه لا يستعمل فيها لفظ «ميثاق» أصلًا — لا في هذه الآية ولا في أي موضعٍ آخر من سورة الأعراف يصف هذا المشهد بعينه. التسمية الشائعة مصدرها السنّة النبوية، لا نصّ الآية: فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الله أخذ الميثاق من ظهر آدم بنعمانَ يومَ عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرّيةٍ ذرأها فنثرهم بين يديه...»[1]، وهو حديثٌ صحّحه غير واحدٍ من أهل العلم. فالسنّة هي التي أطلقت على هذا المشهد اسم «الميثاق»، مستعيرةً لفظًا قرآنيًّا أصيلًا استُعمل في مواضع أخرى، لا أن الآية نفسها تحمل هذه التسمية. هذا فارقٌ منهجيّ دقيق يجدر التنبّه له: صلةٌ موضوعية قوية تربط المشهدين، لكنها ليست شاهدًا لفظيًّا مباشرًا من نصّ آية ٧:١٧٢ ذاتها.
الشاهد النبويّ
الحديث المتقدّم عن ابن عباس، إلى جانب دلالته على تسمية مشهد الذرّ، يحمل دلالةً أخرى تخدم البنية المركزية للمقال: فالتعبير «أخرج من صلبه كل ذرّيةٍ ذرأها فنثرهم بين يديه» يصوّر الميثاق بوصفه فعلًا جسديًّا محسوسًا — إخراجًا، ونثرًا، ومخاطبةً وجهًا لوجه — لا مجرّد قرارٍ إلهيّ مجرّد. وهذا يتّسق مع ما استُخلص من الجذر اللغويّ نفسه: أن الميثاق، حتى في أعمق تجلّياته الغيبية، يُصوَّر بلغة الجسد والحسّ، لا بلغة التجريد المحض.
قراءةٌ مقاصديّة
يُستنتَج من مواضع «الميثاق» الخمسة والعشرين أن القرآن يستعمله بصفةٍ خاصة في السياقات التي يُخشى فيها النقض: عهد بني إسرائيل الذي نقضوه فعلًا («فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ»، ٤:١٥٥، ٥:١٣)، وعهد النصارى («وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ»، ٥:١٤)، وميثاق الزواج الذي قد ينفكّ بالطلاق. فكأنّ اختيار هذا اللفظ بالذات — بثقله الحبليّ ودلالته على الشدّ المحكم — تحذيرٌ ضمنيّ مصاحب لكل موضعٍ يرد فيه: أنت أمام رباطٍ لا قولٍ عابر، ونقضه ليس إخلافًا لوعدٍ فحسب، بل قطعًا لعُروةٍ كان يُفترَض ألا تنفصم.
وتلتقي هذه القراءة مع ملاحظةٍ أخرى تخصّ توزيع اللفظ على الأطراف المخاطَبة: الميثاق في القرآن لا يُؤخَذ إلا ممّن يُفترَض فيه القدرة على الوفاء والفهم — بني إسرائيل، والنصارى، والنبيّين، والأزواج — ولا يُستعمَل قط لعهدٍ يُفرَض على من لا إرادة له. حتى في مشهد الذرّ الذي سمّته السنّة «الميثاق»، جاء الجواب بصيغة الإقرار الحرّ: «قَالُوا بَلَىٰ»، لا بالإكراه. هذا يعني أن ثقل اللفظ — رغم استعارته من حقل القيد والرباط — لا يتعارض مع الاختيار، بل يقوم عليه: لا يُشَدّ الميثاق إلا على من اختار أن يُشَدّ عليه أولًا بإقراره أو رضاه.
البُعد التطبيقي المعاصر
في زمنٍ تكثر فيه الوعود السريعة — تعهّداتٌ تُقطَع في رسالة، واتفاقاتٌ تُبرَم بنقرة، وعقودٌ يسهل الانسحاب منها بشرطٍ صغير في الهامش — يذكّر لفظ «الميثاق» بأن ثمة التزاماتٍ يجب أن تُعامَل بثقل الجبل الذي رُفع فوق بني إسرائيل، لا بخفّة الكلمة العابرة. الزواج، الذي وصفه القرآن بالميثاق الغليظ، مثالٌ حيّ: قرارٌ يُتَّخذ أحيانًا بسرعة كلامٍ يُقال، بينما يستحق في ميزان النص القرآنيّ إحكامًا يوازي أعظم العهود. والعهود المهنية والاجتماعية كذلك: من يعقد اتفاقًا مع شريكٍ أو موظّفٍ أو جارٍ، يحسن أن يستحضر أن الكلمة، حين تُعطى، ينبغي أن تُشَدّ في القلب شدّ الحبل، لا أن تبقى معلَّقةً بخفّة الهواء.
ومشهد يعقوب مع أبنائه يضيف بُعدًا عمليًّا آخر: أن طلب التوثيق ليس علامة سوء ظنّ، بل حكمةً مشروعة حين يكون الأمر جللًا. يعقوب عليه السلام، رغم علمه بصدق نوايا أبنائه الظاهرة، لم يكتفِ بوعدهم المجرّد بعد أن جرّب منهم ما جرّب في قصة يوسف الأولى، بل طلب موثقًا يُشهَد فيه الله. هذا نموذجٌ يصلح اليوم لكل من يتردّد بين الثقة العمياء والشكّ المطلق: يمكن أن يبقى القلب واثقًا بأهله وأحبّته، وفي الوقت نفسه يطلب لالتزاماتهم الكبرى صيغةً تُشهَد وتُوثَّق، دون أن يكون ذلك انتقاصًا من حسن الظنّ.
خاتمة
يختار القرآن لأعظم عهودٍ يذكرها — عهد بني إسرائيل تحت الطور، وعهد النبيّين، وعهد الزواج — لفظًا جذره لا يعرف التجريد: حبلٌ يُشدّ، وقيدٌ يُحكَم، وعُروةٌ لا تنفصم. وحين يجمع بين «العهد» و«ميثاقه» في آيةٍ واحدة، يذكّر بأن كل التزامٍ حقيقيٍّ يحتاج طرفين: قولًا يُقال، ورباطًا يُحكَم شدّه في القلب قبل اللسان. والله تعالى أعلم، وهو وليّ التوفيق.
الهوامش
- رواه الإمام أحمد في مسنده (٢٤٥٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١١١٩١)، والحاكم في المستدرك (٧٥)، عن عبدالله بن عباس رضي الله عنهما؛ قال ابن كثير: إسناده جيدٌ قويٌّ على شرط مسلم، وصحّحه الألباني. وقد رُوي من بعض الطرق موقوفًا على ابن عباس، وهو ما يستوجب التنبّه إليه دون التقليل من قوة الحديث الإجمالية عند من صحّحه مرفوعًا.↩
- جميع أرقام ورود جذر «و ث ق» وصيغه الستّ مأخوذة من مدوّنة القرآن اللغوية (corpus.quran.com).↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.