أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 1
قبسٌ من نور النبوّة
قبسٌ من نور النبوّة

المصلحون لا يكفّون عن المحاولة

فقه الثبات وطول النفس في مسيرة الإصلاح

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦14 دقائق قراءة
المصلحون لا يكفّون عن المحاولة

بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

تولد الدعوات الكبرى من رحم المشقة، وتنهض الرسالات الإصلاحية على أكتاف رجال لا يعرفون إلى اليأس سبيلًا. وليس الإصلاح في حقيقته صرخة عابرة، ولا خطبة مؤثرة، ولا موقفًا حماسيًا يشتعل ساعة ثم يخبو، بل هو غرس طويل، وسعي متصل، ومحاولة تتبعها محاولة، حتى يأذن الله لما شاء أن ينبت، ومتى شاء أن يثمر، وكيف شاء أن يبلغ مداه.

ومن ظن أن الإصلاح صفقة عاجلة تُعقد في مجلس، أو كلمة تلقى فتنقلب بها الدنيا من حوله، فقد جهل طبيعة الطريق وسنن الله في النفوس والمجتمعات. فإن القلوب لا تنقاد جميعًا عند أول نداء، والعقول لا تتحول كلها عند أول بيان، والبيئات لا تتبدل بكلمة وإن صدقت، ولا بموعظة وإن بلغت. وإنما هي حركة طويلة تتراكم فيها البذور، وتتعاقب عليها المواسم، وقد يرى الزارع ثمرة غرسه، وقد لا يراها، وقد يحصدها من جاء بعده، ويكتب الله له أجر الغارس الأول.

والمصلح الحق لا يقيس نفسه بالنتيجة وحدها، وإنما يقيسها بالوسع والبلاغ والأمانة. فإن بذل ما يطيق، وأحسن ما يستطيع، وأقام حجته بالحكمة والرحمة والصبر، فقد أدى الذي عليه، وبقيت الهداية بيد الله، يصرف القلوب كيف يشاء. وفي هذا وحده راحة عظيمة لقلب المصلح؛ أن يعلم أن عليه أن يزرع لا أن يملك الحصاد، وأن يحاول لا أن يتحكم في النتائج، وأن يطرق الباب ولا يدري متى يفتحه الله.

إنه فقه كبير من فقه الإصلاح: أن تستمر وأنت تعلم أن الثمرة ليست بيدك، وأن ترجو وأنت ترى الإعراض، وأن تبذر وأنت لا ترى المطر، وأن تبقى على الثغر لا لأن الناس أنصفوك، بل لأن الله أقامك فيه.

أولًا: الإصلاح بين وظيفة البلاغ وغيب الهداية

من أعظم ما يسكّن قلب المصلح أن يميز بين ما كُلّف به وما لم يُكلّف به. فقد كُلّف بالبلاغ، ولم يُكلّف بصناعة الهداية في قلوب الناس. وكُلّف بإقامة البيان، ولم يُكلّف بأن يضمن الاستجابة. وكُلّف أن يدعو إلى الله على بصيرة، لا أن يفتح مغاليق القلوب بيده.

قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم:

﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ [الرعد: ٤٠]

وقال سبحانه:

﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٧٢]

وقال جل شأنه:

﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]

وهذه الآيات لا ترفع عن المصلح واجب السعي، ولكنها ترفع عنه وهم التحكم في النتائج. ومن هنا كان الخلط بين البلاغ والهداية مصدرًا من أعظم مصادر الإنهاك النفسي عند الدعاة والمربين؛ إذ يحمل أحدهم نفسه ما لم يطلبه الله منه، فيحزن لأن الناس لم يستجيبوا كما أراد، وينكسر لأنه لم ير الثمرة في الوقت الذي قدره، وينسى أن الله لم يجعله مالكًا للقلوب، وإنما جعله شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.

إن المصلح إذا استقرت هذه الحقيقة في قلبه مضى خفيفًا؛ يعمل بجد، ويتقن الوسيلة، ويحسن الخطاب، ويرفق بالناس، ثم يرد الأمر إلى الله. فلا يتراخى بحجة أن الهداية بيد الله، ولا يحترق من الداخل توهمًا أن الهداية بيده هو. وبين التواكل والاحتراق تقع منزلة المصلح الرباني: بذل كامل، وتسليم كامل.

ثانيًا: من نور النبوة: ثلاث عشرة سنة من الطرق على الأبواب

ها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يقيم بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله، يصبر على التكذيب، ويتحمل الأذى، ويطوف على القبائل في مواسمها، ويعرض نفسه على الناس، ويدعو القريب والبعيد، والحر والعبد، والشريف والضعيف، فلا تقطعه قلة المستجيبين، ولا يرده إغلاق الأبواب، ولا يغريه اليأس بأن ينسحب من ميدان الدعوة.

كان يرى العناد في وجوه، والسخرية في ألسنة، والأذى في طرقات، والحصار في الواقع، ومع ذلك يمضي؛ لأن وظيفة النبي ليست أن يحصد كل ثمرة في زمنه، بل أن يبلغ رسالة ربه على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه.

وفي هذا تعليم عظيم للمصلحين: أن قلة الثمرة لا تعني فساد البذرة، وأن طول الطريق لا يدل على خطأ الاتجاه، وأن الإعراض لا يبطل قيمة البلاغ. فقد يتأخر الفتح لا لأن الدعوة ضعيفة، ولكن لأن الله يربي الداعية والمدعو، ويصنع للرسالة رجالها، ويهيئ للثمرة موسمها.

ثالثًا: الطائف: الرجاء حين يكون الانتقام متاحًا

بلغت المحاولة النبوية ذروتها في الطائف حين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمس للدعوة نصيرًا بعد أن اشتد عليه أذى قومه. لكنه لم يجد من أهلها إلا أقسى الرد، وأغروا به سفهاءهم وصبيانهم، فرموه بالحجارة حتى أدموا قدميه الشريفتين.

في تلك اللحظة، وقد بلغ الأذى مداه، جاءه ملك الجبال يستأذنه أن يطبق عليهم الأخشبين، فكان الانتقام ممكنًا، وكانت العقوبة معروضة، وكان الجرح حاضرًا، ولكن قلب المصلح الأعظم كان أوسع من لحظة الألم، وأنفذ بصرًا من حدود الحاضر، فقال كلمته الخالدة: «بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا» (متفق عليه، من حديث عائشة رضي الله عنها).

ما أعظمها من كلمة! لقد نظر صلى الله عليه وسلم من وراء الرافضين إلى الذراري، ومن خلف الأذى إلى المستقبل، ومن وراء اللحظة الجارحة إلى وعد الله في الأجيال. لم يكن يرى الناس بما هم عليه فقط، بل بما يمكن أن يجعلهم الله عليه. وهذه منزلة رفيعة من منازل الإصلاح: ألا تحبس الناس في صورة لحظة إعراضهم، ولا تحكم عليهم من قسوة موقفهم، فلعل في أصلابهم من يحمل النور، ولعل في أعقابهم من يكون جندًا للحق.

إن الطائف تعلم المصلح أن الرحمة ليست ضعفًا، وأن الرجاء ليس سذاجة، وأن صاحب الرسالة لا يجوز أن يجعل جرحه الشخصي معيارًا للحكم على مستقبل الناس. فقد يكون الذي آذاك اليوم سببًا في هداية ولده غدًا، وقد تخرج من بيت الرافض ذرية صالحة، وقد يجعل الله من نسل المكذبين عبادًا موحدين.

رابعًا: نوح عليه السلام: المقياس ليس عدد المستجيبين بل دوام النداء

وفي موكب الأنبياء يقف نوح عليه السلام شاهدًا عظيمًا على طول النفس في الدعوة. قال الله تعالى:

﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤]

وقال على لسانه:

﴿رَّبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح: ٥]

ثم قال:

﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا ۝ ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح: ٨-٩]

هذه ليست مجرد قصة نبي طال زمن دعوته، بل هي مدرسة كاملة في تنويع الوسائل واستمرار المحاولة. فقد دعا ليلًا ونهارًا، سرًا وجهارًا، إعلانًا وإسرارًا، ولم يجعل إعراضهم مبررًا لترك النداء، ولا قلة المستجيبين سببًا لإغلاق باب البلاغ.

ومن هنا يتعلم المصلح أن معيار النجاح في منطق الرسالات ليس دائمًا عدد من استجابوا في حياته، بل مقدار ما ثبت هو على الحق، وأحسن البلاغ، وصبر على الطريق. فقد يكون المصلح عظيمًا عند الله وإن قل أتباعه، وقد يكون ناجحًا في ميزان السماء وإن لم تصفق له الأرض.

خامسًا: يونس عليه السلام: خطورة مغادرة الثغر قبل الإذن

وإذا كانت قصة نوح تعلم المصلح طول النفس، وقصة الطائف تعلمه الرجاء في الناس مع شدة أذاهم، فإن قصة يونس عليه السلام تضيف درسًا آخر بالغ الدقة: أن المصلح لا يمتحن فقط في احتمال إعراض الناس، بل يمتحن كذلك في ألا يغادر موقعه قبل أن يأذن الله له.

قال تعالى:

﴿وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]

وليس في هذا انتقاص من مقام نبي كريم، وإنما هو تعليم رباني للمصلحين: أن الدعوة لا تدار بانفعال اللحظة، ولا يجوز أن يكون ضيق الصدر من إعراض الناس سببًا في مغادرة الثغر قبل تمام البلاغ والإذن. ولذلك جاء التوجيه الإلهي للنبي صلى الله عليه وسلم:

﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]

إن في قصة يونس عليه السلام معنى دقيقًا: قد يكون المصلح قريبًا من لحظة التحول وهو لا يدري. وقد يظن أن القوم انتهوا، وفي علم الله أن بابهم لم يغلق. وقد يوشك على الانصراف في اللحظة التي اقترب فيها الفتح.

قال تعالى في قوم يونس:

﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَىٰ حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]

فكم من قوم يراهم المصلح بعيدين وهم عند الله قريبون، وكم من قلوب تبدو قاسية وقد اقتربت ساعة انكسارها، وكم من باب يظنه مغلقًا وقد بقيت وراءه لحظة فتح لم يحن أوانها بعد.

ومن لطائف القصة أن النجاة جاءت من باب التسبيح والاعتراف والافتقار:

﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ۝ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣-١٤٤]

فالتسبيح زاد المصلح إذا ضاقت به الطريق، والاعتراف بالعجز باب العودة، والافتقار إلى الله هو المخرج من ظلمات النفس والواقع. ولذلك بقي نداء يونس عليه السلام في الظلمات مدرسة لكل صاحب رسالة إذا أرهقته المحاولة: ﴿لَّا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].

سادسًا: تعدد جبهات المحاولة في الهدي النبوي

لم تكن مواصلة النبي صلى الله عليه وسلم للدعوة محصورة في جبهة واحدة. فقد كان يجدد الوسائل، ويخاطب الأصناف، ويفتح للأمل أبوابًا متعددة. دعا قريشًا، وعرض نفسه على القبائل، وانتقل إلى الطائف، وربّى أصحابه في دار الأرقم، ثم بنى المجتمع في المدينة، وعقد المعاهدات، وآخى بين المهاجرين والأنصار، وأدار علاقته بالمخالفين، وعالج النفوس داخل المجتمع المسلم، وراعى ضعف حديثي العهد بالإسلام، وربّى أهل بيته وأصحابه بالرفق والحكمة.

وفي هذا فقه عظيم: فالمصلح لا يحبس نفسه في وسيلة واحدة، ولا يجعل فشل باب دليلًا على إغلاق الطريق كله. فإذا لم تنجح الخطبة وحدها، فهناك التعليم. وإذا لم يكف التعليم، فهناك الصحبة. وإذا ضعفت الصحبة، فهناك القدوة. وإذا استعصى الكبار، فهناك الناشئة. وإذا ضاق المسجد، فهناك البيت والمدرسة والمجلس والزيارة والكلمة الخاصة. إن المصلح لا يكف عن المحاولة، لكنه كذلك لا يكرر الوسيلة نفسها بلا بصيرة؛ بل يجدد، وينوع، ويراعي الأحوال، ويتحرك حيث أمكنه أن يبذر.

ومن هنا كانت الدعوة النبوية بناءً متعدد الأبواب: بلاغ، وتعليم، وتزكية، وصبر، ومؤاخاة، وسياسة شرعية، ورحمة أسرية، وتأليف للقلوب، وإقامة للعدل، وحفظ للعهود. وهذا هو الفقه الذي يحتاجه المصلح المعاصر: أن يتعلم من النبوة لا مجرد الصبر على الطريق، بل حسن إدارة الطريق.

سابعًا: نفسية المصلح المعاصر

وما أحوج المصلح المعاصر، إمامًا كان أو داعية أو معلمًا أو أبًا أو مربيًا، ولا سيما في البيئات التي تشتد فيها الغربة وتتزاحم فيها المؤثرات، إلى هذا الفقه النبوي العميق. فهو يبني هوية في زمن تذوب فيه الهويات، ويربي جيلًا تتجاذبه الشاشات والشهوات والشبهات، ويحاول أن يغرس معنى الإيمان في أرض قد تبدو صلبة، وأن يحفظ للأبناء صلتهم بالله في عالم يزاحمهم على قلوبهم كل لحظة.

وقد يزرع سنوات ولا يرى من الثمر ما يكافئ تعبه. وقد ينصح فلا يسمع له. وقد يربي فيرى من الانفلات ما يوجعه. وقد يخطب ويعلّم ويصاحب، ثم يسأل نفسه في لحظة ضعف: هل من جدوى؟

والجواب من قلب الوحي والنبوة: نعم، الجدوى في المحاولة نفسها إذا صحت نيتها، وفي الغرس ذاته إذا خلص لله، وفي البقاء على الثغر إذا كان بأمانة وبصيرة. فإن سنة الإصلاح تراكمية؛ تجتمع فيها جهود الأجيال كما تجتمع قطرات الغيث حتى تصير نهرًا. وكم من كلمة ألقاها مصلح فظنها ضاعت، فإذا بها تستيقظ بعد حين في قلب شاب أو طفل أو تائب. وكم من بذرة دفنها داعية في صدر لم يظنه ينتفع، فإذا بها تورق حين يغيب الزارع أو يشيخ.

إن المصلح يعمل لما بعده كما عمل من قبله لأجله. يتسلم الراية ولا يدعي أنه بدأ الطريق من عدم، ويسلمها ولا يشترط أن يرى كل النتائج في حياته. وبذلك يتحرر من مقاييس السوق العاجلة: أرقام ترتفع، وصور تنتشر، وانطباعات سريعة، وثناء عاجل. إن مقياسه الحقيقي: هل بلّغت؟ هل أحسنت؟ هل صبرت؟ هل بقيت على الثغر؟ هل رددت الأمر إلى الله؟

ثامنًا: معينات المصلحين على استكمال المسيرة

وليس يكفي المصلح أن يعلم أن الطريق طويل، حتى يعرف بماذا يقطع طوله. ولا يكفي أن يؤمن بأن الثمرة قد تتأخر، حتى يمتلك الزاد الذي يصبره على تأخرها. فإن لطول الطريق زادًا، ولثقل الرسالة مددًا، ولانكسارات النفس موارد تعيد إليها يقينها وقوتها.

١. اليقين بالغاية قبل استعجال الثمرة

أول زاد المصلحين اليقين بأن لهم غاية لا تضيع عند الله. فهم لا يتحركون في فراغ، ولا يبذرون في عدم، ولا يعملون لمجرد إعجاب الناس أو استجابتهم، بل يمضون إلى الله، ويجعلون أعمارهم كلها في معنى العبودية.

قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]. وقال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. وقال جل شأنه: ﴿وَأَنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الْمُنتَهَىٰ﴾ [النجم: ٤٢].

فمن وضحت له الغاية خف عليه بطء الطريق. ومن علم لمن يعمل لم يضره أن يجهل الناس مقدار عمله. ومن جعل الله مقصده لم تنكسر نفسه إذا قل الشاكرون أو كثر المعرضون.

٢. الاستعانة بالله صاحب القلوب

ثم إن المصلح محتاج في كل خطوة إلى الاستعانة بالله؛ لأنه لا يتعامل مع أجساد تتحرك فحسب، بل مع قلوب تتقلب. والقلوب ليست في يده. قد يحسن البيان ولا ينفتح القلب، وقد تضعف الوسيلة ويأذن الله بالهداية، وقد يطرق المصلح بابًا طويلًا ثم يفتحه الله بكلمة لم يظنها المفتاح.

قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: ٢٤]. وقال سبحانه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: ٨].

وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب، ثبت قلبي على دينك» (أخرجه الترمذي وغيره).

وهذا يرد المصلح إلى حقيقة كبرى: أنه لا يهدي بذاته، ولا يؤثر باستقلاله، ولا يملك من أمر القلوب شيئًا إلا أن يكون سببًا مأذونًا، وعبدًا مفتقرًا، ولسانًا صادقًا، وقلبًا رحيمًا. فإذا شعر بالعجز لم يكن عجزه باب انسحاب، بل باب استعانة. وإذا رأى قسوة القلوب لم ييأس، بل رفعها إلى مقلب القلوب.

٣. قيام الليل: محطة إعادة شحن المصلح

ومن أعظم ما يعيد شحن الذات المصلحة قيام الليل. فإن الله لم يهيئ نبيه صلى الله عليه وسلم لحمل القول الثقيل بكثرة مخالطة الناس أولًا، بل بالخلوة بين يديه.

قال تعالى في مطلع سورة المزمل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ ۝ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١-٢]. ثم قال: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]. ثم بيّن سر الليل فقال: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦]. ثم قال: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧].

وكأن المعنى: من كان له في النهار سبح طويل بين الخلق، فليكن له في الليل وقوف طويل بين يدي الحق. ومن حمل أثقال الناس، فلا بد أن يطرح أثقاله على باب الله. ومن أراد أن يبقى رفيقًا في دعوته، صبورًا في تربيته، حكيمًا في توجيهه، فلا بد أن يكون له مورد خفي يستمد منه السكينة.

إن قيام الليل ليس نافلة فردية في حياة المصلح فحسب، بل هو زاد رسالي. به يصفو القلب من غبار المخالطة، وتهدأ النفس من ضجيج الناس، ويستعيد الداعية صدقه الأول، ويميز بين العمل لله والعمل للنفس، وبين الغيرة للحق والانتقام للذات.

٤. القرآن: مورد التثبيت وبصيرة الطريق

ويبقى القرآن مورد التثبيت الأكبر. لا يقرأه المصلح تلاوة عابرة، ولا يستدعيه لتزيين خطابه فحسب، بل يعايشه بوصفه كتاب الطريق: يعرض أوجاع الدعاة، ومكر المكذبين، وبطء الاستجابة، ووحشة الغربة، وتكذيب الأقربين، وانكسارات النفوس، ثم يفتح في كل ذلك أبواب الثبات.

قال تعالى في حكمة تنجيم القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً ۚ كَذَٰلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [الفرقان: ٣٢]. وقال سبحانه: ﴿وَكُلًّا نَّقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. وقال جل شأنه: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [النحل: ١٠٢].

فالقرآن لا يعرض القصص للتسلية، بل يعرض مشكلات الطريق ومعها مفاتيح الثبات. وفيه يجد المصلح نفسه بين نوح وهو يدعو قرونًا، وإبراهيم وهو يواجه قومه، وموسى وهو يصبر على بني إسرائيل، ويوسف وهو يتقلب بين الجب والسجن والتمكين، ويونس وهو يعود من الظلمات بالتسبيح، ومحمد صلى الله عليه وسلم وهو يحمل القول الثقيل حتى يتم الله نوره.

إن القرآن ليس زينة خطاب المصلح، بل حياة قلبه، وبصيرة طريقه، ومأوى روحه إذا أثقلتها المحاولة وطال عليها الانتظار.

تاسعًا: فقه البقاء على الثغر

إن من أخطر ما يصيب المصلح أن ينقل نفسه من مقام العبد المبلّغ إلى مقام الحاكم على القلوب. فإذا استجاب الناس رضي عن نفسه، وإذا أعرضوا اتهم الطريق، أو اتهم نفسه اتهامًا مهلكًا، أو انسحب من الميدان. والصواب أن يراجع وسائله بلا جلد للنفس، ويجدد نيته بلا انكسار، ويطور خطابه بلا تنازل عن الحق، ويصبر لحكم ربه.

البقاء على الثغر لا يعني الجمود، ولا تكرار الأساليب الفاشلة، ولا ادعاء البطولة مع سوء التدبير. ولكنه يعني ألا يكون الإعراض سببًا في ترك الرسالة، ولا التعب مبررًا لخيانة الأمانة، ولا تأخر الثمرة حجة لإغلاق باب الرجاء.

قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: ١٢٧]. وقال سبحانه: ﴿فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا﴾ [المعارج: ٥]. وقال جل شأنه: ﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧].

فهذه الآيات تجعل الصبر عبادة لا مجرد احتمال نفسي، وتجعل مصدره بالله لا بمجرد صلابة المزاج، وتجعل غايته لله لا لمدح الناس. فليس كل صبر محمودًا حتى يكون لله، وبالله، وعلى مراد الله.

خاتمة

يا أيها المصلح الواقف على الثغر: لا تنظر إلى ما ترى وحده، بل إلى ما تزرع. ولا تجعل بطء الثمرة شاهدًا على موت البذرة. ولا تيأس إذا أغلق باب، فلله أبواب لا تحصى. ولا تقعدك العثرة، فما بلغ مصلح غايته إلا بعد عثرات. ولا تغادر موقعك لمجرد ضيق النفس، فربما كان الفتح أقرب مما تظن.

واصل المحاولة كما واصل الأنبياء. وارج في الناس ما لا تراه عيناك. وانظر إلى الأصلاب كما نظر نبيك صلى الله عليه وسلم يوم الطائف. وتعلم من نوح طول النفس، ومن يونس خطر مغادرة الثغر قبل الإذن، ومن محمد صلى الله عليه وسلم أن الإصلاح رحمة وصبر وبلاغ وتجديد للوسائل.

واعلم أن الكف عن المحاولة هو الفشل الحقيقي، أما المحاولة الصادقة فلا تضيع عند الله أبدًا. كل كلمة حق، وكل مجلس علم، وكل نصيحة صادقة، وكل دمعة في جوف الليل، وكل محاولة لإصلاح قلب أو بيت أو شاب أو مجتمع، محفوظة في ميزان الله، وإن لم يرها الناس ثمرة عاجلة.

فامض؛ فإن الغرس الذي تغرسه اليوم قد يصير ظلًا يستظل به من بعدك. والنور الذي تحمله قد لا ترى كل مداه، لكنه لا ينطفئ إذا كان مقتبسًا من نور النبوة. وإنما يتوارثه السائرون على الدرب، جيلًا بعد جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

فالمصلحون لا يكفّون عن المحاولة؛ لأنهم يعلمون أن الطريق إلى الله لا تقطعه لحظة يأس، وأن البلاغ عبادة، وأن الهداية فضل، وأن الثمرة وعد، وأن ما كان لله بقي وإن تأخر ظهوره، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

كلمةٌ أخيرة

إنّ هجرتنا إلى أمريكا أو غيرها ليست المنطقةَ الآمنة؛ فهناك مستقبلٌ يتهدّد العيالَ والاستقرارَ الأسريَّ والأمنَ النفسيَّ والقرارَ العقليَّ. وبين هذه المكاسب البدنيّة والماليّة والترفيهيّة إلى ما بعد ذلك من ابتلاع البيئة لأجيالنا المتتالية.

والحديثُ الآن لكلّ من يُسمَّى بالقيادة للمؤسّسات الصغيرة والكبيرة، ولكلّ من يرعى طفلًا أو يعول امرأةً: لم يعد الأمر قاصرًا على مجرّد النداء بالحفاظ على الدين، بل صار الأمر حتميًّا أن نناشد أنفسنا بالنظر في العواقب والمآلات، والتخطيطِ المستقبليّ للغد الحاصل لا محالة والآتي ولا ريب؛ ولكن على أيّ واقعٍ لنا وأيّ حال؟ والله أعلم.

شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ