أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

إقالةُ عثراتِ أهلِ الفضل

حين يُذكَرُ الفضلُ في مقامِ الزلّة، فيتحوّلُ الرجلُ من موطنِ احتقارٍ إلى موطنِ نَفير

د. أحمد أبو سيفيوليو ٢٠٢٦9 دقائق قراءة

*مقالٌ أدبيٌّ إيمانيٌّ تربويّ في أدبِ الأمّة مع زلّاتِ أهلِ الفضل: من مشهدِ حاطبِ بن أبي بَلْتعة إلى قاعدةِ أهلِ التحقيق، وموازينِ الإقالةِ وحدودِها. بقلم: د. أحمد أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).* في النفسِ خَصلةٌ عجيبة: تُبصِرُ النقطةَ السوداءَ في الثوبِ الأبيض، ولا تكادُ تُبصِرُ الثوب. فإذا زلّت قدمُ ذي فضلٍ زلّةً واحدة، نَسِيَ الناسُ بحرَه وتذاكروا قطرتَه العَكِرة، وطَوَوا صحائفَ عمرٍ في الخيرِ عند سطرٍ واحدٍ اعوجَّ فيها. وما دَرَوا أنّ الكوكبَ الذي يُهتدى به قد يَعتَريه الكسوفُ ساعة، فلا يقولُ عاقلٌ: ما كان نجماً قطّ. الكمالُ لله وحده؛ والخلْقُ — وإن سَمَوا — بشرٌ يَعتريهم ما يَعتري البشر. ولو أنّ العثرةَ الواحدةَ تُسقِطُ صاحبَها من عينِ الأمة، لَما بقيَ في الأرضِ إمامٌ يُقتدى به، ولا عالِمٌ يُؤخذُ عنه. وليس هذا ترخُّصاً في الحقّ، ولا مجاملةً على حسابِ الشرع. إنه أصلٌ من أصولِ العدلِ النبويّ: أن يُوزَنَ الرجلُ بمجموعِ أمرِه لا بمُنقطَعِ حالِه؛ وأن تُقالَ عثرتُه إن كان أهلاً للإقالة، في غيرِ ما حرّم اللهُ إقالتَه. وهذا الأصلُ له في الشريعةِ مستنَد، وله في السيرةِ مشهدٌ لا يُنسى، وله في سلوكِ الأئمةِ تطبيقٌ رفيع؛ وإليها جميعاً نمضي.

أولاً: المرتكزُ الشرعيّ أصلُ البابِ حديثُ عائشةَ رضي الله عنها مرفوعاً: «أقيلوا ذوي الهيئاتِ عَثَراتِهم إلا الحدود»[1]. وحقُّ الأمانةِ أن يُقالَ فيه ما هو: حديثٌ مختلَفٌ فيه؛ ضعّف إسنادَه نُقّاد، وحسّنه آخرون بمجموعِ طُرقِه وشواهدِه. فلا هو من الصحيحِ الذي لا مِرْيةَ فيه، ولا من الساقطِ الذي لا يُلتفَتُ إليه. هذا هو الإنصاف: لا تهوينَ فيه ولا تهويل. غير أنّ معناه — على كِلا القولين — مشدودٌ إلى مُحكَماتٍ لا يَختلفُ فيها اثنان، فلا يَتعلّقُ العملُ به بتصحيحِ إسنادِه وحده. قال تعالى فيمن أخطأ في حقِّ أهلِ البيتِ النبويّ: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾[2]. وقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾[3] — وهي قاعدةُ البابِ كلِّه: أنّ الميزانَ ميزانُ موازنةٍ ومُحاصّة، لا ميزانُ لحظةٍ واحدةٍ تُختزَلُ فيها حياة. وقال لنبيّه ﷺ بعد أُحُدٍ وما كان فيها من مخالفةٍ كلّفت الأمّةَ ما كلّفتها: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾[4]. فتأمّل التدرُّج: عفوٌ يُطفئُ العتب، ثم استغفارٌ يَرفعُ الأثر، ثم مشاورةٌ تَردُّ الرجلَ إلى مقامِ الأهليّة. هكذا يُعالَجُ الخطأُ في مدرسةِ النبوّة.

ثانياً: المشهدُ الأمّ — حاطبُ بنُ أبي بَلْتعة وأجلى ما تَتجسّدُ فيه هذه المعاني مشهدٌ واحد. لمّا تجهّز رسولُ الله ﷺ لفتحِ مكة وأَسَرَّ أمرَه واستكتمه، كتب حاطبُ بنُ أبي بَلْتعةَ — البدريُّ المهاجر — إلى قريشٍ يُنبئهم بمسيرِه، ودفَع الكتابَ إلى ظَعينةٍ أخفَته في شَعرِها. فنزل الخبرُ من السماء، فبعث النبيُّ ﷺ عليّاً والزبير، فأدركاها بروضةِ خاخٍ واستخرجا الكتاب. ثم كان ما تنعقدُ عليه أبصارُ التاريخ. قال ﷺ: «يا حاطبُ، ما هذا؟» قال: يا رسولَ الله، لا تَعجَلْ عليّ؛ إني كنتُ امرأً مُلصَقاً في قريشٍ ولستُ من أنفسِها، ولي فيهم أهلٌ ومال، فأردتُ أن أتّخذ عندهم يداً يَحمون بها قرابتي؛ ما فعلتُه كفراً ولا ارتداداً ولا رِضاً بالكفرِ بعد الإسلام. فقال ﷺ: «صَدَق». فقال عمرُ — وقد أخذته الغَيرةُ على رسولِ الله ﷺ وعلى سرِّ المسلمين —: يا رسولَ الله، دعني أضربْ عنقَ هذا المنافق. فقال ﷺ: «إنه قد شهدَ بدراً، وما يُدريك لعلّ اللهَ اطّلع على أهلِ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم». فذَرَفَت عينا عمرَ وقال: اللهُ ورسولُه أعلم[5]. ولا يَظُنَّنَّ ظانٌّ أنّ في الحديثِ تهويناً لِفَداحةِ ما وقَع؛ فقد نزل القرآنُ يُعاتِبُ ويُشدّد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ﴾[6]. ولا في موقفِ عمرَ ما يُنتقَص؛ فإنما نطق عن غَيرةٍ صادقةٍ واجتهادٍ في حِياطةِ الدين، وهو الذي أذعن ودمعَت عينُه حين بان له وجهُ الحكمة. إنما فيه الأصلُ الذي نحن بصددِه: أنّ السابقةَ الراسخةَ تُقيلُ العثرةَ العارضة. ولاحِظ: لم يقل النبيُّ ﷺ «لم يفعل»، بل قال: «قد شهدَ بدراً». فالإقالةُ تُبنى على تاريخٍ لا على تبرير.

ثالثاً: ما وراءَ ضربِ العنق على أنّ الوقوفَ عند ظاهرِ المشهدِ يُفوِّتُ لُبَّه. فليس المُرادُ حَقْنَ دمٍ فحسب. السيفُ يُميتُ الجسد، والكلمةُ تُميتُ الرجلَ وهو يمشي بين قومِه. ولو نجا حاطبٌ من السيفِ ثم بقيَ في الصفِّ مُلقَّباً بالكتابِ الذي كتَبَه، لَقُتِلَ مرّتين: مرّةً في وِجدانِ الناس، ومرّةً في وِجدانِ نفسِه. فجاء الجوابُ النبويُّ يَقطعُ الطريقَ على الاغتيالِ المعنويِّ قبل أن يَقطعَه على السيف. لم يقل ﷺ: «اتركوه»؛ قال: «إنه قد شهدَ بدراً». نطَقَ بالفضلِ في مقامِ الزلّة، فجعل أوّلَ ما يَقرَعُ الأسماعَ عن حاطبٍ اسمَ بدرٍ لا اسمَ الكتاب. بل زاد فشهدَ له ببراءةِ القصد: «أما إنه قد صَدَقَكم»[7] — وهو أعظمُ من العفو؛ فالعفوُ يَرفعُ العقوبة، وهذه شهادةٌ تَرفعُ التُّهمة. رَدَّ عليه اعتبارَه كما رَدَّ عليه دمَه. وههنا يَبينُ التدبيرُ النبويُّ في أجلى صُوَره. كان الشيطانُ يَبتغي بهذه الزلّةِ أن يُهدِرَ طاقةً عظيمةً وسط الصفّ، وأن يُحيلَ بدريّاً مجاهداً إلى رجلٍ تُشيرُ إليه الأصابع. فقلَبَ النبيُّ ﷺ الكيدَ على صاحبِه: ذكَرَ الفضلَ حيث أُريدَ أن يُذكَرَ الخِزي، فانتقل حاطبٌ في لحظةٍ من موطنِ الاحتقارِ إلى موطنِ النفير، ومن أن يُشارَ إليه بالكتابِ إلى أن يُشارَ إليه ببدر. هكذا تُدارُ الطاقاتُ في مدرسةِ النبوّة: لا تُكسَرُ الآنيةُ لأنّ فيها صَدْعاً؛ تُجبَر.

رابعاً: الثروةُ التي كادت تُهدَر ومَن لم يَعرِف قَدْرَ الرجلِ لم يَعرِف قَدْرَ الإقالة. فمن هذا الذي قيل فيه ما قيل؟ هو حاطبُ بنُ أبي بَلْتعةَ اللَّخْميّ، من السابقين المهاجرين، شهدَ بدراً والمشاهدَ مع رسولِ الله ﷺ[8]. وهو الذي اختاره النبيُّ ﷺ سفيراً إلى المُقَوقِسِ عظيمِ القِبطِ بمصر، يَحملُ كتابَه ويُبلِّغُ دعوتَه، فأدّى السفارةَ ببيانٍ وحُجّةٍ ورجاحةِ عقل[9]. وأيُّ شهادةٍ أعلى من أن يَنتقيَ رسولُ الله ﷺ من بين أصحابِه رجلاً يَقفُ بالإسلامِ في بلاطِ مَلِك؟ إنها ثقةٌ وفصاحةٌ وحُسنُ تصرُّفٍ اجتمعن في رجلٍ واحد. ثم أَصغِ إلى اللطيفةِ القرآنيةِ التي هي تاجُ هذا الباب. بأيِّ نداءٍ نزل العتابُ في صدرِ «الممتحنة»؟ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾. لم يُقَل: يا أيها الذين خانوا، ولا: يا أيها الذين نافقوا. أُبقِيَ الرجلُ في دائرةِ الإيمان، ثم عُوتِبَ داخلَها. وهذه أبلغُ صورةٍ رُسِمَت لإقالةِ العثرة: عتابٌ يُصلِحُ ولا يُسقِط، ويُقوِّمُ ولا يَقصِم. وأثمرَ ما زُرِع: عاش حاطبٌ ثابتاً في الصفِّ حتى توفّي سنةَ ثلاثين للهجرة، فصلّى عليه أميرُ المؤمنين عثمانُ رضي الله عنه[10]. فانظر ماذا صنعَت الإقالة: أبقَت في الأمّةِ رجلاً ثلاثين سنة. فليست إقالةُ العثرةِ تسامحاً عاطفياً يُداري الحقّ؛ إنها حفظُ رأسِ مالٍ إيمانيٍّ من التبديد، وإحسانُ تدبيرٍ لطاقاتِ الأمّةِ أن تُذهِبَها ساعةُ غضب. وقريبٌ منه ما كان من أبي بكرٍ الصدّيقِ رضي الله عنه، إذ حَلَفَ ألّا يَنفعَ مِسْطَحَ بنَ أُثاثةَ بنافعةٍ أبداً بعد ما كان منه في حديثِ الإفك؛ فنزلت: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾، فقال: بلى، واللهِ إني لأُحبُّ أن يَغفرَ اللهُ لي؛ فأعاد إليه نفقتَه وقال: لا أنزِعُها منه أبداً[11].

خامساً: قاعدةُ أهلِ التحقيق وما كان أصلاً في السيرةِ صار قاعدةً عند أهلِ العلم. صاغه الحافظُ الذهبيُّ صياغةً ذهبيّةً فقال: «ثم إنّ الكبيرَ من أئمةِ العلمِ إذا كثُر صوابُه، وعُلِم تحرّيه للحق، واتّسع علمُه، وظهر ذكاؤُه، وعُرِف صلاحُه وورعُه واتّباعُه: يُغفَرُ له زلَلُه، ولا نُضلّلُه ونَطرحُه ونَنسى محاسنَه»[12]. وتأمّل دقّةَ الشروط: كثرةُ الصواب، وتحرّي الحق، وسَعةُ العلم، والصلاحُ والورع، والاتّباع. فليست الإقالةُ صكّاً يُوزَّعُ على كلِّ مُتصدِّر؛ هي حقٌّ لمن قام به وصفُ الفضل. ويَعدِلُ الكِفّةَ الأخرى قولُ شيخِ الإسلام ابنِ تيمية، وقد جمَع بين إجلالِ العالِمِ ونفيِ العصمةِ عنه في كلمة: «وليس لأحدٍ أن يُطيعَ أحداً في كلّ ما يأمرُ به ويَنهى عنه إلا رسولَ الله ﷺ»[13]؛ وقرّر في «رفعِ الملام» أنّ أحداً من الأئمةِ المقبولين لا يَتعمّدُ مخالفةَ رسولِ الله ﷺ، وأنّ لهم فيما تركوه من الأحاديثِ أعذاراً معلومة[14]. فالعالِمُ يُوقَّرُ ولا يُعصَم، ويُتّبَعُ ولا يُؤلَّه. من رفعه فوق منزلتِه ظلَمه، ومن أسقطه بزلّةٍ ظلَمه؛ والعدلُ بينهما.

سادساً: سِعةُ الصدورِ في التاريخِ العلميّ ولم تكن هذه القاعدةُ حِبراً على وَرَق؛ عاشها الأئمةُ في أشقِّ المواطن. رجلٌ ضُرِب بالسياط، وسُجِن، وأُوذيَ في بدنِه ودينِه سنين — هو أحمدُ بنُ حنبل — فلمّا انقضت المحنةُ وأمكنه الانتصارُ لنفسه، جعلَ مَن آذاه في حِلّ، وكان يقول: «ما على رجلٍ أن لا يُعذِّبَ اللهُ بسببِه أحداً»، ويتلو: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾، ويقول: «قد جعلتُ كلَّ مَن ذكرني في حِلٍّ»[15]. ولم يتنازل عن كلمةِ الحقِّ التي ضُرِب لأجلِها قِيدَ شعرة. فجمعَ الصلابةَ في الحقِّ إلى السماحةِ في الحظّ؛ وذلك هو الميزانُ بعينِه: شِدّةٌ حيث يكونُ حقُّ الله، ولِينٌ حيث يكونُ حظُّ النفس. ومن هذا البابِ تنبيهُ الذهبيِّ على كلامِ الأقرانِ بعضِهم في بعض؛ فقد تَحمِلُ العالِمَ على قَرِينِه منافسةٌ أو مذهبٌ أو حَمِيّة، فحقُّ الكلمةِ حينئذٍ أن تُطوى لا أن تُروى[16]. وكم من جليلٍ لو جُمِع ما قيل فيه لَسقَط، ولو جُمِع ما قدّمه لَظلّت الأمّةُ تأكلُ من ثمرِه قروناً.

سابعاً: الميزانُ والضوابط وليست الإقالةُ باباً مفتوحاً على كلِّ ريح؛ إنها حكمةٌ لها موازين، وهذه حدودُها: فلا إقالةَ في الحدود؛ وهو صريحُ الاستثناءِ في الحديث: «إلا الحدود». حدُّ الله لا يُقيلُه أحدٌ إذا بلغ السلطان، وإن كان صاحبُه في أرفعِ منازلِ الشرف؛ وقد قال ﷺ لأسامةَ وهو حِبُّه وابنُ حِبِّه: «أتشفعُ في حدٍّ من حدودِ الله؟»[17]. ولا إقالةَ في حقوقِ الخلقِ حتى يَستوفيَها أصحابُها؛ فالمالُ المأخوذُ يُردّ، والعِرضُ المُنتهَكُ يُستحَلّ، والظلمُ يُرفَع. الفضلُ لا يُسقِطُ مَظلمة، والسابقةُ لا تُبرئُ من دَين. وبين الزلّةِ العارضةِ يَعقُبها نَدَمٌ وأَوْبة، وبين الإصرارِ يَصيرُ منهجاً يُدافَعُ عنه ويُدعى إليه — فرقٌ لا يَخفى. الأولى تُقال، والثانيةُ تُبيَّنُ ويُحذَّرُ منها؛ فمن جعل الخطأَ رايةً لم يَعُد صاحبَ عثرة، بل صاحبَ طريق. وليست الإقالةُ إسقاطاً للنصيحة؛ هي أدبُها. النصيحةُ تُسدى في سِرّ، وتُبنى على إنصاف، ويُقصَدُ بها النجاةُ لا الفضيحة. قال الفُضيلُ بنُ عياض: «المؤمنُ يَستُرُ ويَنصَح، والفاجرُ يَهتِكُ ويُعيّر»[18]. وبينهما شَعرةٌ لا يُبصِرُها إلا مَن صَفَت نيّتُه.

ثامناً: زمنُ الزلّةِ المُخلَّدة وإذا كانت هذه موازينَ كلِّ زمان، فإنّ زمانَنا أحوجُ إليها. كانت زلّةُ العالِمِ فيما مضى تقعُ في مجلسٍ فتُدفَنُ في مجلس؛ وهي اليومَ تُصوَّرُ وتُقتطَعُ وتُبَثُّ وتُخزَّن، ثم يُعادُ نشرُها بعد عشرين سنةً كأنها قيلت آنفاً. صارت الشبكاتُ سِجِلّاً لا يَنسى، وقاضياً لا يَستمع. تُختزَلُ فيها ثلاثون سنةً من العلمِ والبذلِ في مقطعٍ مدّتُه أربعون ثانية، اقتُطِع من سياقِه وجُرِّد من قرائنِه. ولستُ أدعو إلى تقديسِ أحد؛ فالنقدُ العلميُّ المنضبطُ حياةُ العلم، وتصحيحُ الخطأِ واجبٌ لا يَسقُط. وإنما أدعو إلى ما هو أعدلُ وأنبل: أن يُوزَنَ الرجلُ بمجموعِ أمرِه لا بمُنقطَعِ حالِه؛ وأن نَسألَ قبل الحكم: ما مقدارُ ما نفَع؟ وهل هذه زلّةٌ أم منهج؟ وهل نُريدُ إصلاحَه أم إسقاطَه؟ فإنّ الذي يَهدِمُ عالِماً لا يَهدِمُ رجلاً واحداً؛ يَهدِمُ ما بناه في القلوبِ من خيرٍ ودين. ورُبَّ هادمٍ لا يَدري كم أَيْتَمَ من طالبِ علمٍ كان يَشربُ من ذلك النبع.

خاتمة الأمّةُ التي تُحسِنُ إقالةَ عثراتِ أهلِ الفضلِ تُنبِتُ الرجال، والتي تَتربّصُ بهم لا يَبقى فيها إلا مَن لا يَعمل؛ فإنّ الذي لا يَعملُ لا يُخطئ. فمن أراد قوماً لا يَزِلُّون فليَطلُبْهم في غيرِ هذه الأرض. وأمّا هاهنا، فخيرُ الخطّائين التوّابون، وأعدلُ الموازينِ ميزانٌ يَزِنُ البحرَ بحراً والقطرةَ قطرة. اللهم اجعلنا ممّن يَستُرُ ولا يَهتِك، ويَنصَحُ ولا يُعيّر، ويَعدِلُ ولا يَهوى؛ واغفر لنا زلّاتِنا كما نُحبُّ أن تُغفَرَ لنا: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.

الهوامش

منهجُ التوثيق في هذا المقال: لم أُدرِج واقعةً إلا وهي ثابتةٌ في مصادرها، وما كان في درجتِه أو في تحديد موضعِه نظرٌ نبّهتُ عليه صراحةً في موضعه، ولم أُلبِس الضعيفَ ثوبَ الصحيح، ولا الصحيحَ ثوبَ المتواتر. وباللهِ التوفيق.

الهوامش

  1. أخرجه أبو داود في «السنن»، كتاب الحدود، باب في الحدّ يُشفع فيه (رقم ٤٣٧٥)، والنسائي في «السنن الكبرى»، والبيهقي في «السنن الكبرى»، وأحمد وغيرُهم بنحوه، من حديث عائشة رضي الله عنها. وأمانةُ التحقيق تقتضي بيانَ حاله: الحديثُ مختلَفٌ فيه؛ ضعّف إسنادَه جماعةٌ من الحفّاظ لعللٍ في سنده (منها الكلامُ في بعض رواته والانقطاع)، وذهب آخرون إلى تحسينِه بمجموعِ طرقِه وشواهدِه، وممّن قوّاه من المعاصرين الشيخُ الألباني (انظر: صحيح الجامع، وسلسلة الأحاديث الصحيحة). فالحاصلُ أنه ليس من الصحيحِ المتّفقِ عليه، وليس بالساقطِ المطروح؛ ومعناه معتضِدٌ بالأصولِ القطعيةِ المذكورةِ في المقال، وهي كافيةٌ في تقريرِ الحكم. [2]: سورة النور، الآية ٢٢. [3]: سورة هود، الآية ١١٤. [4]: سورة آل عمران، الآية ١٥٩. [5]: متفق عليه: أخرجه البخاري في «الصحيح»، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب الجاسوس (رقم ٣٠٠٧)، وأخرجه أيضاً في كتاب المغازي وفي تفسير سورة الممتحنة؛ ومسلم في «الصحيح»، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أهل بدر (رقم ٢٤٩٤)، من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. [6]: سورة الممتحنة، الآية ١. ونزولُها في قصة حاطبٍ ثابتٌ في «الصحيحين» ضمن الحديث السابق. [7]: لفظُ التصديق ثابتٌ في «الصحيحين» ضمن حديث حاطبٍ نفسِه؛ ففي روايةٍ: «صَدَقَ»، وفي روايةٍ: «أما إنه قد صَدَقَكم». [ملحوظةُ أمانة: اشتُهرت على الألسنة زيادةُ «فلا تقولوا له إلا خيراً»؛ ولم أقف عليها في الصحيحين بهذا اللفظ ضمن هذا الحديث، فلم أُثبِتها في المتن، ومن وقف على تخريجها فليُلحِقها.] [8]: هجرتُه وسابقتُه وشهودُه بدراً والمشاهدَ: مذكورٌ في كتب الطبقات والتراجم، منها: ابن سعد، «الطبقات الكبرى» (ترجمة حاطب بن أبي بلتعة)، وابن عبد البرّ، «الاستيعاب»، وابن الأثير، «أُسد الغابة»، وابن حجر، «الإصابة». وشهودُه بدراً محتجٌّ به في «الصحيحين» على لسان النبي ﷺ نفسِه: «إنه قد شهد بدراً». [9]: سفارتُه إلى المقوقس عظيمِ القبط: مشهورةٌ في كتب السيرة والمغازي والطبقات؛ انظر: ابن سعد، «الطبقات الكبرى» (ذكر بعث الرسل إلى الملوك)، وابن القيم، «زاد المعاد» (فصل في كتبه ﷺ إلى الملوك)، وابن كثير، «البداية والنهاية». [ملحوظةُ أمانة: أصلُ إرسال النبي ﷺ كتاباً إلى المقوقس، وإهداءِ المقوقس إليه، ثابتٌ في مصادر السيرة وله ذكرٌ في «صحيح مسلم» في شأن هديّته؛ وأمّا تفاصيلُ المحاورة بين حاطبٍ والمقوقس فمَبنيّةٌ على روايات السيرة والطبقات، وهي من قبيل الأخبار التاريخية لا من قبيل المرويّ بالأسانيد الصحيحة، فليُنزَّل كلٌّ منزلتَه، ولذلك اقتصرتُ في المتن على أصل السفارة وأدائها دون تفصيل ألفاظ المحاورة.] [10]: وفاتُه سنةَ ثلاثين للهجرة في خلافة عثمان رضي الله عنه، وصلّى عليه عثمان: نصّ عليه أهل التراجم؛ انظر: ابن سعد، «الطبقات الكبرى»، والذهبي، «سير أعلام النبلاء» (ترجمة حاطب بن أبي بلتعة)، وابن حجر، «الإصابة». [11]: متفق عليه ضمن حديث الإفك الطويل: البخاري (رقم ٤٧٥٠ وما بعده)، ومسلم (رقم ٢٧٧٠)، من حديث عائشة رضي الله عنها. [12]: الذهبي: «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة قتادة بن دِعامة السَّدوسي (ط. مؤسسة الرسالة، ٥/٢٧١). والنقلُ مشهورٌ عند أهل العلم، ويتردّد مؤدّاه في «ميزان الاعتدال» و«السير» في غير موضع. [ملحوظة: أرقامُ الأجزاء والصفحات تختلف باختلاف الطبعات؛ فليُراجَع الموضعُ في الطبعة التي بيد القارئ.] [13]: ابن تيمية: «مجموع الفتاوى»، جمع ابن قاسم — والمعنى مبثوثٌ في كلامه في غير موضع، ومن أصرحه تقريرُه أنّ العصمةَ في التبليغ والاتّباعِ المطلقِ إنما هي لرسول الله ﷺ وحده. [ملحوظة أمانة: أثبتُّ اللفظَ كما اشتُهر عنه، ولم أُثبِت رقمَ الصفحة لاختلاف الطبعات؛ ومَن أراد التحرير فليَرجِع إلى مظانّه في «مجموع الفتاوى» و«رفع الملام».] [14]: ابن تيمية: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام» — وهي رسالةٌ مفردةٌ مطبوعة، ومقصودُها بجملته: الاعتذارُ للأئمة فيما خالفوا فيه بعضَ الأحاديث، وبيانُ أنّ أحداً منهم لا يتعمّد مخالفةَ النبي ﷺ. [15]: أخبارُ عفوِ الإمام أحمد بعد المحنة وجعلِه من آذاه في حِلّ مرويّةٌ عن ابنه عبد الله وعن المرُّوذي وغيرِهما من أصحابه، وقد ساقها الذهبي في «سير أعلام النبلاء» في ترجمة الإمام أحمد (ط. الرسالة، ١١/٢٥٩–٢٦٤ وما حولها)، وابن الجوزي في «مناقب الإمام أحمد»، وابن أبي يَعلى في «طبقات الحنابلة». والألفاظُ تتفاوت بتفاوت الروايات، والمعنى ثابتٌ متواردٌ عليه. [ملحوظة: بعضُ الروايات تستثني من العفوِ من كان داعيةً إلى بدعة، فليُنظَر في مظانّه.] [16]: الذهبي: تقريرُه في كلام الأقران بعضِهم في بعض، وأنه لا يُعبأ به إذا لاح أنه لعداوةٍ أو حسدٍ أو اختلافِ مذهب — مبثوثٌ في «سير أعلام النبلاء» و«ميزان الاعتدال» في غير موضع، ومنه قولُه في «الميزان»: كلامُ الأقران يُطوى ولا يُروى. [ملحوظة أمانة: هذا تقريرٌ مشهورٌ عنه بألفاظٍ متقاربة في مواضع متفرّقة، لا نصٌّ واحدٌ في موضعٍ واحد.] [17]: متفق عليه: البخاري (رقم ٣٤٧٥، ٦٧٨٨)، ومسلم (رقم ١٦٨٨)، من حديث عائشة رضي الله عنها في قصة المخزومية التي سرقت، وفيه: «أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟» ثم خطب فقال: «وايمُ الله، لو أنّ فاطمةَ بنتَ محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها». [18]: أثرٌ مشهورٌ عن الفُضيل بن عياض، ساقه ابن رجب الحنبلي في «جامع العلوم والحكم» و«الفرق بين النصيحة والتعيير»، وهو من كلام السلف المتداوَل في هذا الباب.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ