أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 11
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

الرضا في القرآن

تبادلٌ لا اتجاهٌ واحد

د. أحمد أبو سيف٢٩ يونيو ٢٠٢٦9 دقائق قراءة

يصف القرآن لحظة عبور النفس إلى ربّها بمشهدٍ من أرقّ مشاهد القرآن: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ (٨٩:٢٧-٢٨). نداءٌ لا يقول للنفس "عودي" فحسب، بل "ارجعي" — وكأن هذا الرجوع عودةٌ إلى موطنٍ أصليّ لا انتقالٌ إلى مكانٍ جديد. ثم تأتي الصفتان معًا في عبارةٍ واحدة: "راضيةً" — وهي راضيةٌ عن ربّها، و"مرضيّةً" — وهي مرضيٌّ عنها من ربّها. صفتان في اتجاهَين متقابلَين، لا صفةٌ واحدة. وهذا الازدواج بالذات هو المدخل الذي يفتح به هذا المقال مفهوم الرضا في القرآن.

حصر اللفظ والإحصاء

يرد جذر «ر ض و» في القرآن الكريم ثلاثًا وسبعين مرة، في إحدى عشرة صيغة. أكثرها ورودًا الفعل «رضي» بصيغه المختلفة (واحدٌ وأربعون موضعًا بين الفعل المجرّد وصيغتَي التفعيل والتفاعل)، ثم الاسم «رضوان» (ثلاث عشرة مرة)، ثم المصدر «مرضاة» (خمس مرات). وثمة صيغتان يحسن التنبّه إلى خصوصيتهما: الفعل «ارتضى» (٣ مرات)، الذي يصف اختيار الله واصطفاءه لرسله («إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِنْ رَسُولٍ»، ٧٢:٢٧)، وهو معنًى خاصّ بالاصطفاء الإلهيّ لا بالرضا العامّ؛ والمصدر «تراضٍ» (مرتان)، الذي يصف الرضا التجاريّ بين المتبايعَين («تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ»، ٤:٢٩)، وهو مصطلحٌ فقهيّ في باب البيوع له بابه المستقلّ. ومحور هذا المقال هو الحقل الأوسع: الرضا بمعناه الإيمانيّ العام، الجامع بين رضا الله عن عبده ورضا العبد عن ربّه.

البنية المركزية: تبادلٌ لا اتجاهٌ واحد

وأبلغ ما يكشف طبيعة هذا الرضا أن القرآن يكرّر عبارةً واحدة حرفيًّا أربع مرات، في أربع سورٍ مختلفة تمامًا في سياقاتها: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (٥:١١٩، وبالصيغة نفسها ٩:١٠٠، ٥٨:٢٢، ٩٨:٨). هذا التكرار الحرفيّ الأربعيّ ليس مصادفةً أسلوبية، بل تأكيدٌ متعمَّد على بنيةٍ مزدوجة الاتجاه: لم يقل القرآن مرّةً واحدة "رضي الله عنهم" فحسب، وكأن الرضا فضلٌ ينزل من فوق فيُستقبَل بصمت؛ بل أتبعها دائمًا بـ"ورضوا عنه"، ليقرّر أن الرضا الحقّ علاقةٌ ذات اتجاهَين: الله يرضى عن عبده حين يطيعه، والعبد يرضى عن ربّه حين يُسلِّم لقضائه ويرى في كل ما يأتيه منه خيرًا، ولو بدا خلاف ذلك للوهلة الأولى. وهذا يفارق تصوّرًا شائعًا يختزل الرضا في اتجاهٍ واحد: إما طلب رضا الله وحده دون الانتباه لرضا العبد بقضائه، أو الحديث عن "الرضا بالقضاء" دون ربطه برضا الله عن العبد أصلًا.

الرضا لا يفارق صاحبه، بخلاف الخوف والرجاء

ومما يكشف علوّ منزلة الرضا بين مقامات القلوب أن ابن القيّم، في «مدارج السالكين»، يفرد له فارقًا لا يشترك فيه مع أخواته من مقامات السالكين: فالخوف والرجاء صفتان تلازمان العبد في الدنيا خاصّة، ثم تُفارقانه حين يبلغ غايتهما؛ إذ يقول إن "الخوف والرجاء يُفارقان أهل الجنة إذا حصل لهم ما كانوا يرجونه، وأمِنوا مما كانوا يخافونه"، بخلاف الرضا الذي "لا يُفارق أهله في الدنيا ولا في القبر ولا في الآخرة"[1]. فمن خاف عقاب الله ورجا رحمته في الدنيا، ثم دخل الجنّة وأمن العقاب ونال الرحمة، لم يعد بحاجةٍ للخوف أو الرجاء بالمعنى نفسه؛ أما من رضي عن ربّه، فرضاه صفةٌ ثابتة تلازم قلبه في كل حال، دنيا وآخرة، لأنها ليست انتظارًا لمآلٍ بل طمأنينةً بما هو كائن. ويعرّف ابن عطاء الرضا بأنه "طمأنينة القلب لما اختاره الله للعبد قديمًا، من أنه اختار له الأفضل، فرضي به"[2] — تعريفٌ يتّسق تمامًا مع البنية المزدوجة التي كشفها هذا المقال: فالقلب المطمئن لاختيار الله هو نفسه القلب الذي وُصِف في مطلع المقال بـ"النفس المطمئنة... راضية".

نموذجٌ يكشف قيمة الرضا: أكبر من الجنّة نفسها

وفي سياق وعد الله المؤمنين بالجنّة، تأتي آيةٌ تضع الرضا في مرتبةٍ تفوق النعيم الحسّيّ نفسه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٩:٧٢). فبعد أن يُعدِّد القرآن نعيم الجنّة من أنهارٍ ومساكن، يختم بأن "رضوانًا من الله أكبر" من كل ذلك مجتمعًا. وهذا الترتيب يكشف أن الرضا في المنظومة القرآنية ليس مكافأةً إضافية تُضاف إلى النعيم، بل غاية النعيم نفسه؛ فأعلى ما يناله المؤمن ليس المتعة الحسّية، بل يقينه أن الله راضٍ عنه.

نموذجٌ آخر: الرضا معيار الإنفاق الخالص

ويستعمل القرآن مصدر «مرضاة» ليصف الإنفاق الذي يخلو من أي غرضٍ آخر سوى وجه الله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ﴾ (٢:٢٦٥). فـ"ابتغاء مرضاة الله" هنا معيارٌ يميّز الإنفاق المقبول من غيره، لا مجرّد وصفٍ زائد؛ فمن أنفق طلبًا للرضا الإلهيّ وحده، أثمر إنفاقه كجنّةٍ على ربوةٍ خصبة، ومن أنفق لغرضٍ آخر، لم يبلغ هذا المثل مهما بلغ حجم إنفاقه.

نموذجٌ يحذّر: رضًا مذموم بموضوعٍ خاطئ

ولا يكتفي القرآن بمدح الرضا في كل موضعٍ يرد فيه، بل يستعمل الجذر نفسه لوصف رضًا مذمومٍ حين يتّجه إلى موضوعٍ خاطئ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا﴾ (١٠:٧). فالرضا هنا مذمومٌ لا لأنه رضًا في ذاته، بل لأن موضوعه خاطئ: الاكتفاء بالحياة الدنيا بديلًا عن السعي للقاء الله. وهذا يكشف بُعدًا دقيقًا: الرضا في القرآن ليس فضيلةً مطلقة بذاتها، بل فضيلةٌ مشروطة بصحّة موضوعها؛ فالرضا بقضاء الله فضيلة، والرضا بالاكتفاء بالدنيا عن الآخرة رذيلة، رغم اشتراكهما في الجذر اللغويّ نفسه.

نموذجٌ من السيرة: الرضا شرط الشفاعة

ويستعمل القرآن الجذر نفسه ليصف شرطًا دقيقًا في الشفاعة يوم القيامة: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ﴾ (٢١:٢٨). فحتى الملائكة المقرَّبون، رغم منزلتهم، لا يشفعون إلا لمن ارتضاه الله، لا لمن أرادوا هم الشفاعة له. وهذا يؤكّد من زاويةٍ أخرى أن الرضا في المنظومة القرآنية ليس شعورًا عابرًا، بل معيارًا حاكمًا يتحكّم حتى في أدقّ تفاصيل الحساب يوم القيامة، بما فيها من يُقبَل فيهم الشفاعة ومن لا يُقبَل.

نموذجٌ يربط الرضا بالبيعة

ومن أوضح تطبيقات الرضا الإلهيّ في التاريخ النبويّ ما وقع في بيعة الرضوان تحت الشجرة، حين بايع الصحابة النبيّ ﷺ على الموت إن لزم الأمر، عقب خبرٍ (تبيّن لاحقًا أنه غير صحيح) عن مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه في مهمّته إلى قريش. فنزلت الآية: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (٤٨:١٨). وسُمّيت هذه البيعة "بيعة الرضوان" نسبةً إلى هذه الآية نفسها، وهي تجسّد المعنى المركزيّ لهذا المقال: لم يكن رضا الله عن الصحابة ثمرة نتيجةٍ ظاهرة حقّقوها، بل ثمرة استعدادهم الباطن للوفاء ولو بالموت، قبل أن يتّضح لهم أصلًا أن الأمر لم يبلغ حدّ القتال.

"إن شئتِ صبرتِ ولكِ الجنة"

ومن أبلغ الشواهد على الرضا الحقيقيّ في السنّة النبوية ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، إذ قال لعطاء بن أبي رباح: "ألا أُريك امرأةً من أهل الجنة؟" فأشار إلى امرأةٍ سوداء كانت تُصرَع، أتت النبيّ ﷺ فقالت: "إني أُصرَع، وإني أتكشَّف، فادعُ الله لي"، فقال لها ﷺ: "إن شئتِ صبرتِ ولك الجنة، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يُعافيَك"، فقالت: "أصبر"، ثم سألته أن يدعو الله ألّا تتكشّف حين يصرعها، فدعا لها[3]. لم تسأل هذه المرأة رفع البلاء عنها بالكلّية، بل اختارت البقاء عليه راضيةً به مقابل الجنة، مكتفيةً بأن تُرفَع عنها إحدى تبعاته دون أصله. وهذا هو الرضا في أدقّ صوره العملية: ليس عجزًا عن طلب العافية ولا يأسًا منها، بل اختيارٌ واعٍ لما اختاره الله، حين تبيّن لصاحبته أن في التسليم به خيرًا آجلًا يفوق ما في رفعه من راحةٍ عاجلة.

الشاهد النبويّ

روى سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه، وأخرجه مسلم في صحيحه، أن النبيّ ﷺ قال: "من قال حين يسمع المؤذّن: ... رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ رسولًا، غُفِر له ذنبُه"[4]. فالحديث يجعل التصريح بالرضا — لا مجرّد الشعور الباطن به — ذكرًا يوميًّا متكرّرًا مع كل أذان، وكأن الرضا فضيلةٌ تحتاج تجديدًا وتأكيدًا متكرّرًا، لا حالةً تُكتسَب مرّةً واحدة وتبقى. وفي الجمع بين الرضا بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمدٍ رسولًا، يظهر أن الرضا الإيمانيّ الكامل يشمل ثلاث دوائر: التسليم لمن يُعبَد، والتسليم لمنهج العبادة، والتسليم لمن بلّغه. ولم يكتفِ الحديث بذكر ثمرةٍ أخروية بعيدة، بل ربط هذا التصريح اليوميّ بغفران الذنب، وكأن تجديد الرضا كلَّ يومٍ عند سماع الأذان تطهيرٌ متكرّر، لا مجرّد إقرارٍ لفظيّ يمرّ دون أثر.

قراءةٌ مقاصديّة

يربط عددٌ من العلماء بين البنية المزدوجة للرضا (رضي الله عنهم ورضوا عنه) وبين مقامٍ أعلى من الصبر ذكره بعض السلف في كتب السلوك: فالصبر تحمّلٌ للقضاء المؤلم مع كراهيةٍ باطنة، والرضا تسليمٌ للقضاء مع طمأنينة القلب إليه، لا مجرّد تحمّله. وعلى هذا، فإن الآية التي وصفت النفس بأنها "راضيةً مرضيّة" عند رجوعها إلى ربّها إنما تصف غاية الرحلة الإيمانية كلّها: أن يبلغ العبد حالًا لا يكتفي فيها بتحمّل قضاء الله، بل يرضى به رضًا حقيقيًّا يجعل قلبه مطمئنًّا لا مضطربًا، وأن يكون هذا الرضا الباطن مقترنًا برضا الله عنه في الوقت نفسه، لا منفصلًا عنه.

البُعد التطبيقي المعاصر

يخلط كثيرون بين الرضا والاستسلام السلبيّ، فيظنّون أن "الرضا بالقضاء" يعني التوقّف عن السعي أو عدم الحزن على ما يُفقَد. لكن البنية المزدوجة التي كشفها هذا المقال تقترح معيارًا مختلفًا: الرضا الحقيقيّ يجمع بين طمأنينة القلب بما قسمه الله وبين استمرار السعي في طلب رضاه، لا التوقّف عنه. فمن قنِع بما آتاه الله دون أن يترك السعي المشروع لتحسين حاله، جمع بين الرضا الباطن والفعل الظاهر معًا. ومعيار "ابتغاء مرضاة الله" الذي وصف به القرآن الإنفاق الخالص يصلح أداةً عملية لاختبار النيّة في أي عملٍ يقوم به الإنسان: هل الباعث الحقيقيّ طلب رضا الله، أم غرضٌ آخر يتستّر خلف هذا الاسم؟

ويصلح مبدأ التبادل نفسه معيارًا لصحّة العلاقات الإنسانية القائمة على الرضا، لا العلاقة بالله وحدها. ففي الزواج والشراكة والصداقة، لا يكفي أن يرضى طرفٌ واحد بالآخر بينما يبقى الطرف الثاني غير مبالٍ أو ساخط؛ فالعلاقة السليمة، على غرار البنية القرآنية التي كشفها هذا المقال، تحتاج رضًا متبادَلًا من الطرفَين معًا، لا رضًا ينزل من جهةٍ واحدة فيُطلَب من الجهة الأخرى أن تكتفي بتحمّله.

ويربط هذا أيضًا بما سبق تقريره في مقالٍ آخر من هذه السلسلة عن التوكل، حيث تبيّن أن تفويض الأمر لله لا يعني تعطيل السعي، بل يصحبه؛ وكذلك الرضا لا يعني توقّف القلب عن الطموح المشروع، بل يصحبه اطمئنانٌ لا يدعه يتحوّل إلى قلقٍ أو سخط إن لم تتحقّق النتيجة المرجوّة على الفور.

خاتمة

من نفسٍ تُنادَى لترجع إلى ربّها راضيةً مرضيّة، إلى عبارةٍ تتكرّر أربع مرات تصف رضًا متبادَلًا لا اتجاهًا واحدًا، إلى امرأةٍ اختارت الرضا على العافية فوُعِدت الجنّة، إلى إنفاقٍ لا يقبله الله إلا إذا ابتُغي به وجهه، يرسم القرآن والسنّة للرضا معنًى واحدًا لا يتغيّر: علاقةٌ ذات اتجاهَين بين العبد وربّه، لا تفارق صاحبها في الدنيا ولا القبر ولا الآخرة، ولا نعمةٌ تنزل من فوق فتُستقبَل بصمت، ولا استسلامٌ سلبيّ ينتظر بلا سعي.

والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.


الهوامش

  1. ابن القيّم الجوزية، مدارج السالكين بين منازل إيّاك نعبد وإيّاك نستعين، فصل منزلة الرضا. [2]: ابن عطاء الأدمي، تعريفٌ نقله ابن القيّم في مدارج السالكين ضمن أقوال السلف في الرضا. [3]: رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما، متّفقٌ عليه، عن ابن عباس رضي الله عنهما. [4]: رواه مسلم في صحيحه، عن سعد بن أبي وقّاص رضي الله عنه.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ