أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 2
حِكَمٌ وبصائر
حِكَمٌ وبصائر

عبوديَّتنا بين المقام والمقال

قراءةٌ تأمُّليَّةٌ في الفجوة بين ما نَقول وما نَكون

د. أحمد أبو سيف١٧ مايو ٢٠٢٦15 دقائق قراءة
عبوديَّتنا بين المقام والمقال
هذا المقال خُلاصةُ محاضرة المساء التي أُلقيتْ في «مسجد القَسَّام» — مَركز الجالية الإسلاميَّة في تامبا، ولاية فلوريدا (الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة)، يوم السبت 11 أكتوبر 2025م، ضِمن زيارة د. أحمد أبو سيف لرعاية أبناء الجالية المسلمة.

مدخلٌ: «لكلِّ مقامٍ مقال»... و«لكلِّ مقالٍ مقام»

كان البلاغيُّون من العرب الأوائل يَزِنون فصاحةَ المتكلِّم بقاعدةٍ شَهيرة: «لكلِّ مقامٍ مقال». فالحديثُ في الجِدِّ غيرُ الحديث في الهَزْل، وكلامُ المُعزِّي غيرُ كلامِ المُهنِّئ، وما يَصلح في مجلس الملوك لا يَصلح في سوق العامَّة. ومَن وَفَّى كلَّ مَقامٍ مَقالَه فهو الفصيحُ البليغ.

لكنَّ في الدِّين معضلةً أَعمقَ من هذه: ليست المسألةُ أن يَجد المؤمنُ المقال المناسب لكلِّ مَقام، بل أن يَجد لكلِّ مقالٍ يَنطقُ به مقامًا يُصدِّقه في صدره وحياته. فالعبرةُ ليست أن تَقول الكلمة، بل أن تَكون الكلمة. فإذا تكلَّمتَ في الزُّهد فلْيَكن للزُّهد منكَ نصيب، وإذا أَوْصَيْتَ بالصَّبر فلْيَنحَ صَبرُك على ابتلاء، وإذا دَعَوْتَ إلى التوحيد فلْتَتطهَّر أنتَ من شِركٍ خفيٍّ في النيَّة.

ولاحظوا الدقَّةَ اللُّغويَّة العجيبة: «مَقام» و«مَقال» يَتشاركان أصلًا واحدًا من حروفٍ مُتقاربة (م-ق-ا-م / م-ق-ا-ل)، يَتبدَّل فيها الحرفُ الأخير. وكأنَّ اللُّغة العربيَّة تَهمس: المسافةُ بين الكلمة والحال حَرفٌ واحدٌ، لكنَّه حَرفٌ يَستوعب أَبدًا من العَمل. ومَن اعتاد المقالَ بلا مقامٍ، عاش مع نفسه في خصومةٍ صامتةٍ، لا يَدري أنَّه يُورِّث قلبَه قَسوةً مَع كلِّ كلمةٍ مَدَّ بها لسانَه ولم يَسكن لها صَدرُه.

هذا المقال محاولةٌ صادقةٌ لأن نَقف معًا أمام مرآة هذا الميزان، فنَسأل: ما نسبةُ المقام إلى المقال فينا؟ أَفاضَت كلماتُنا عن أَحوالنا فتَكلَّفنا، أَم فاضَت أحوالُنا عن كلماتنا فاستَحْيَيْنا؟


أوَّلًا: ما العبوديَّةُ في الحقيقة؟

قبل أن نَقيس فجوةَ المقام والمقال، علينا أن نَستَحضر ما الذي نَقيس فيه. العبوديَّةُ هي غايةُ خَلْق الإنسان؛ قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. ليست هي إذًا حِليةً يَتحلَّى بها المؤمنُ في فراغه، ولا واجباتٍ مَوسميَّةً يَخلَعها بعد أَدائها؛ بل هي النسيجُ الذي يَتألَّف منه وجودُ المؤمن كلُّه.

وقد أَوسعَ ابنُ القيِّم في «مدارج السالكين» في تَحرير معناها، فقال: «العبوديَّةُ كمالُ المحبَّة مع كمال الذلِّ مع كمال الخضوع»[1]. تأمَّلْ هذه الكلمات الثلاث:

  • المحبَّة: حركةُ القلب نحو المحبوب — وهذه حالٌ، لا قولٌ.
  • الذُّلُّ: انكسارُ النفس بين يَدَي العظيم — وهذه مَقامٌ، لا مَقال.
  • الخضوع: استسلامُ الجوارح في أعمالها — وهذا فِعلٌ، لا تَنظير.

فكلُّ تَعريفٍ من تَعريفات العبوديَّة عند المحقِّقين يَنزل في عالم الباطن قبل عالم الظاهر، ويَستقرُّ في الحال قبل أن يَجري على اللسان. ومَن أَنزل العبوديَّة منزلتها الحقَّ، عَلِم أنَّ ذِكر الله بلا قلبٍ حاضرٍ مقالٌ بلا مقام، وأنَّ صلاةً بلا خشوعٍ مقالٌ بلا مقام، وأنَّ صَدَقةً بلا إيثارٍ مقالٌ بلا مقام، وأنَّ دعوةً إلى الله مع تَلبُّسٍ بالرِّياء مقالٌ بلا مقام.


ثانيًا: الميزانُ القرآنيُّ الحاسم

لم يَترك القرآنُ هذا الميزانَ عَرَضًا، بل أَنزل فيه آيتين هما من أَخوف ما خَوَّف الله بهما عبادَه. قال جلَّ في عُلاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ ۝ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].

تَأمَّلْ مَواضع التشديد في الآية:

  • بدأَها بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ — فالخطابُ ليس للكافرين أو المنافقين، بل لأهل الإيمان! وهذا يَدلُّ على أنَّ الفَجوة بين المقام والمقال آفةٌ يَخشاها المؤمنُ أكثرَ ممَّا يَخشاها غيرُه.
  • ثم وَرَدت لفظةُ ﴿كَبُرَ مَقْتًا﴾ — وهو من أَشدِّ ألفاظ القرآن في الذَّمِّ، يَدلُّ على بُغضٍ شَديدٍ من الله سبحانه. والمَقتُ غيرُ الكراهة، بل هو كراهيَّةٌ مع احتقار. وهذا الوصفُ يَتنزَّل على مَن يَقول ولا يَفعل!

وفي آيةٍ أُخرى يَضرب القرآنُ مَثلَ بعض أهل الكتاب: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. والمعنى الباذخُ هنا: أنَّ مَن يَأمر الناسَ بمقالٍ ويَنسى نفسَه عن مقامه فاقدٌ للعقل! فالعقلُ — في الميزان القرآنيِّ — ليس حِدَّةَ الذِّهن، بل قُدرةُ الإنسان على أن يَستحضر نفسَه في كلِّ ما يَقول.

وفي مَنهج الأنبياء كافَّةً تَجد القُدوة. شُعيبٌ عليه السلام يُخاطب قومَه قائلًا: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: 88]. هذا هو ميزانُ الأنبياء: ما نَهَوْا الناسَ عن شيءٍ إلا تَنزَّهوا عنه أوَّلًا.


ثالثًا: ثلاثُ درجاتٍ للعبوديَّة

من تَأمُّل هذه الآيات والآثار، يَتبيَّن لنا أنَّ الناسَ في العبوديَّة على ثلاثِ درجات:

الدرجة الأُولى — عبوديَّةُ المقال: أن يَعبدَ العبدُ ربَّه بلسانه، يَذكره ويَدعوه ويُسبِّحه ويُمجِّده، لكنَّ القلبَ ساكنٌ، والجوارحَ في غَفلتها، والسلوكَ على عادته لم يَتأثَّر بشيءٍ من هذه الأذكار. وهذه أَدنى الدرجات، وقد تَنحدر إلى نِفاقٍ عمليٍّ خَطير إذا غَلَب عليها التَّكلُّف.

الدرجة الثانية — عبوديَّةُ المقام: أن يَعبدَ العبدُ ربَّه بحاله؛ صَمتُه ذِكرٌ، وأَناتُه عبادة، وسُكونُه خشوع، ومُعاملاتُه إحسانٌ. وهو في كلِّ ذلك قَليلُ الكلام، يَستحيي أن يَنطق بما لا يَملك. وكثيرٌ من الصالحين الأوائل كانوا في هذه الدرجة. قال الحسنُ البصريُّ: «إنَّ المؤمن قَوَّامٌ على نفسه، يُحاسبها لله» — قَوَّاميَّةُ مقامٍ، لا قَوَّاميَّةُ مَقال.

الدرجة الثالثة — عبوديَّةُ الجَمع: أن يَتطابق المقامُ مع المقال، فلا يَقول العبدُ إلا ما يُحقِّق، ولا يُحقِّق ما يَستَطيع قَولَه لخَشيته من العُجب. وهذه درجةُ الكاملين، الذين سَلِم القلبُ من الازدواج، فصار الحالُ يَنطق قبل اللسان، واللسانُ يَستحيي إلا أن يُترجم ما رَأى. وفي هذه الدرجة يَتنزَّل الحديثُ النبويُّ في حقيقة الإحسان: «أَن تَعبد اللهَ كأنَّكَ تَراه، فإن لم تَكن تَراه فإنَّه يَراك»[2]. فمَن استَشعر هذه المراقبة لا يَنطق إلا بميزانها.


رابعًا: نماذجُ من السلف — مَن سَكنوا المقامَ قبل أن يَقولوه

ميراثُ السلف في هذا الباب مَعينٌ لا يَنضب، وفيه دروسٌ كاشفةٌ:

عمرُ بنُ الخطاب رضي الله عنه كان يَخطب فيُكثر البكاء قبل الكلام، حتى إنَّه ربَّما طَرحَ نفسَه على الأرض وقَبَضَ من التراب على رأسه وقال: «لَيْتَ أُمَّ عمر لم تَلِد عمر»[3]. هذا مقامٌ يَسبق المقال، وحالٌ تُهيِّئ القلبَ قبل أن يَتلقَّى الموعظةَ من اللسان.

سفيانُ الثوريُّ يَصف وَكيعَ بنَ الجرَّاح فيقول: «ما رأيتُ أَزْهَدَ من وَكيع، رأيتُه شيخًا كأنَّ وجهه ثلجٌ، كأنَّه قائمٌ بين يَدي ربِّه»[4]. لاحظوا: لم يَقُل «سَمعتُه يَتكلَّم في الزُّهد»، بل «رأيتُه». فالزُّهدُ مَقامٌ يُرى، لا مَقالٌ يُسمع.

مالكُ بنُ دينارٍ كان يَقول: «إنَّ القلوبَ لتَصدأ كما يَصدأ الحديد، وجلاؤها ذِكرُ الله»[5]. وذِكرُ الله الذي يَجلو القلوبَ ليس حركةَ لسانٍ لا يَعقلُها صاحبُها، بل ذكرٌ يَنفذ من اللسان إلى القلب، فيُلْهبه يَقظةً ومراقبة.

الفُضيلُ بنُ عياضٍ يَقول: «ما زال بنا الخوفُ حتى صار في قلوبنا فَرَحًا»[6]. هذا منطقُ مَن يَتكلَّم من باطنه لا من ظاهره؛ فالخَوف عنده مَقامٌ سَكن، فاستَأنَست به النفسُ، فأَنزله الله من القلب بفَرَحٍ يَنبع من المراقبة لا من الغَفلة.

والقاسمُ المُشترَك بين كلِّ هؤلاء: ما تَكلَّموا إلا فيما عاشوا، وما عاشوا إلا فيما اعتقدوا.


خامسًا: الفَجوةُ المعاصرة — عَصرُ تَضخُّم المقال وانكماش المقام

نَعيش — وبِأَمانة — في عَصرٍ ضَخَّم المقال على حساب المقام. كَثُر فيه الكلامُ عن الإيمان حتى استَتر تحت رُكامه الإيمانُ نفسُه؛ صَنعت السوشيال ميديا منبرًا للجميع: كلٌّ يَتكلَّم في الدِّين، وكلٌّ يَعِظ، وكلٌّ يُفتي، وكلٌّ يَنشر النصيحة. لكن ما نِسبةُ ما يُنشر إلى ما يُعاش؟

ولنَنزل من العامِّ إلى الخاصِّ بثلاثة نماذج من واقعنا اليوم:

النموذجُ الأوَّل: داعيةٌ مَشهورٌ على إنستجرام، يَكتب كلَّ صباحٍ منشورًا عن الزُّهد والتوكُّل، يَفيض بكلماتٍ صوفيَّةٍ راقية، يُلامس بها قلوبَ مئات الآلاف. ثم — حين يَنزل من على المنبر الإلكترونيِّ — يَفتح هاتفه كلَّ ثلاث دقائقَ ليَتأكَّد من عَدَد المتابعين، ويَنفعل أيَّما انفعالٍ إن قَلَّ معدَّلُ التفاعل في منشوره. هل كَلامُه عن الزُّهد كَذِبٌ؟ لا، الكلامُ صحيحٌ في ذاته. لكن أين مَقامُه فيه؟ ضاعَ تحت رُكام الأرقام.

النموذجُ الثاني: أبٌ مسلمٌ في أمريكا، يَجمع أولادَه كلَّ أسبوعٍ ليُدارسهم القرآن، ويُحدِّثهم عن تَعظيم كتاب الله، ووُجوب المُحافظة عليه. ثم يَدخل غرفتَه فيَفتح هاتفه على وسائل التواصل، فيَقضي ساعاتٍ من اللَّيل في تَصفُّحٍ لا غايةَ له، ولم يَلمسْ مُصحفًا منذ أَسابيع. هل وَصيَّتُه لأبنائه صحيحةٌ؟ نعم. لكن أين مَقامُه من المقال؟ الأولادُ يَرَون، حتى وإن لم يَنطقوا.

النموذجُ الثالث: ناشطٌ في قضايا الجالية المسلمة، يَخطب في المؤتمرات عن العدل، ويَكتب في الصحف عن حقوق المُستضعفين، ويُحاضر عن واجب الإحسان. لكنَّ زوجتَه في البيت تُعاني من جَفائه، وأولادَه ضِيقَه، ومُوظَّفيه ظُلمَه في المُعاملة. هل دَفاعُه عن العدل خَطأ؟ لا، الدفاع عَدلٌ. لكن أين مَقامُ العدل فيه؟ كأنَّه نَسي أنَّ العدلَ يَبدأ من البيت قبل أن يُعَمَّم على الأمَّة.

في هذه النماذج الثلاثة — وفي كثيرٍ غيرها مَّما نَعرف ونَعرف — يَتجلَّى مَرضُ العَصر: الإفراطُ في المقال مع ضُمور المقام. حتى صار من الناس مَن يَظنُّ أنَّ كَتابةَ مَنشورٍ في الفضيلة تُغني عن مُمارستها، وأنَّ مشاركةَ آيةٍ على الواتساب تُغني عن تَدبُّرها، وأنَّ التَّعليق على فيديو دَعويٍّ يُغني عن التطبيق. وهذا تَخدير، لا تَهذيب.


سادسًا: ثلاثُ آفاتٍ تَفصم المقامَ عن المقال

ما الذي يَجعل المؤمنَ يَنفصل عن مَقامه فيَطفو على سَطح المقال؟ ثلاثُ آفاتٍ رئيسة:

الآفةُ الأولى: الرِّياء. أن تكون مقالاتُك للناس، ومقاماتُك لحظاتٍ مُجتزَأةً أمام عَدَسةٍ أو في مَحضر شاهد. والرِّياءُ — كما حذَّر منه النبيُّ ﷺ — هو الشِّركُ الأَصغر[7]. ومن خَطره أنَّ صاحبه قد لا يَشعر به؛ فالرَّجلُ يَخطب فيُحسن، ويَكتب فيُجيد، ويَدعو فيُؤثِّر، ثمَّ يَجد في قلبه فَرَحًا خَفيًّا بالثَّناء أكبرَ من فَرحه بالأَجر. هنا تَنزل الآفةُ، ويَنفصل المقالُ عن المقام.

الآفةُ الثانية: العُجبُ بالعِلم. أن يَظنَّ الإنسانُ أنَّ مَعرفة الطريق تُغني عن سُلوكه. فيَستكثر من القراءة في كُتب التزكية، ومن سَماع المحاضرات في الزُّهد، ومن حِفظ النصوص في الإحسان، حتى يَظنَّ أنَّه قد بَلَغ تلك المقامات لمجرَّد مَعرفته بها! وأقول لكم بصدقٍ: قد يَحفظ المرءُ كتابَ «إحياء علوم الدِّين» للغزاليِّ كلَّه، ولا يَنال من رُوحه شيئًا، إن لم يَقم بعَمَله. ميراثُ الأَنبياء يُورَّث عَملًا، لا حِفظًا.

الآفةُ الثالثة: العَجَلَة. أن يَنطق المؤمنُ قبل أن يَستقرَّ المعنى في صَدره. يَسمع كلمةً جميلةً، أو فِكرةً عَميقة، فيَسارع إلى نَشرها، أو الكتابة عنها، أو التَّحدُّث بها كأنَّها له! وفي حقيقة الأمر، لم يَهضمها بَعد، ولم تَدخل دَورةَ تَجاربه، ولم تَلمس قَلبَه. فيَنشُر مَقالًا قبلَ أن يَسكن المقام.

ومن لطيف ما يُذكر في هذا أنَّ سَلَفًا من أهل الذِّكر كان إذا سَمع حديثًا أو حِكمةً، أَمسك عن الكلام فيها أَسابيع، حتى يَتحقَّق من نَزولها في حياته. ثم إن نَطق بها، نَطق عن مَعدنٍ صافٍ. أيُّ بَونٍ بين عَصرهم وعَصرنا!


سابعًا: خَريطةٌ عمليَّةٌ لردم الفجوة

كيف يُعالج المؤمنُ هذه الفَجوة؟ خَمسُ خُطُواتٍ مُتدرِّجة، يَستطيع كلُّ مؤمنٍ صادقٍ أن يَأخذ بها:

الخُطوةُ الأولى — الصَّمتُ ابتداءً: قبل أن تَفتح فمَك في الدِّين، اسأل نفسَك: هل عَشتُ ما سأَقول؟ وإذا تَردَّدتَ في الجواب، آثِر الصَّمت. قال النبيُّ ﷺ: «مَن صَمَتَ نَجا»[8]. والصَّمتُ عن قَولٍ لم تُعشه أَولى من نَطقٍ يَدخل فيك من باب المَقت.

الخُطوةُ الثانية — الخَلوة: اجلسْ مع نفسك يَوميًّا — ولو رُبعَ ساعة — تَتأمَّل أين أنتَ من الله؟ وما الذي قُلتَه اليومَ ولم تَفعله؟ وما الذي فَعلتَه ولم تَكن لتَنطق به في حَضرة الصَّالحين؟ هذه الخَلوة تَكشف لك مرايا نفسك التي تَخفى عليك في زَحمة الناس.

الخُطوةُ الثالثة — المحاسبةُ اليوميَّة: في آخر يَومك، خُذ ميزانًا واحدًا: قابِلْ كلَّ كلمةٍ كَتبتَها أو قُلتَها في الدِّين بفِعلٍ مُقابل. هل كَتبتَ عن الصبر؟ هل صَبرتَ في موقفٍ اليومَ؟ هل تَكلَّمتَ عن الإحسان؟ هل أَحسنتَ إلى أَهلك؟ هذا الميزانُ — لو أَخذتَه يَومًا واحدًا فقط — لكَشَف لك من نفسك ما لا تَتصوَّر.

الخُطوةُ الرابعة — التَّدرُّج: لا تُحاسبْ نفسَك على أَعلى المقامات؛ ابدأْ بأَدنى درجةٍ تَستَطيع أن تَصدق فيها. لا تَقُل: «سأَكون كالحسن البصريِّ في خَشيته». بل قُل: «سأَخشع في صَلاةٍ واحدةٍ اليومَ». ثم استَزِد. العبوديَّةُ نَبتةٌ تُروى يَومًا فيومًا، لا تُغرس دَفعةً واحدة.

الخُطوةُ الخامسة — مُجالسةُ الصادقين: ابحثْ عمَّن سَكنوا في مقاماتٍ حقًّا، وإن قَلَّت كلماتُهم. واجلس إليهم وأَنصت. فإنَّك ستَنقل من حالهم أكثرَ ممَّا تَنقل من مقالهم. وقد قيل في مأثور كلامِ السلف: مَن أردتَ تَأديبَ نفسك فاجلسْ إلى مَن يَكفيك صَمتُه عن حاجتك إلى كلامه[9].


خاتمة: عبوديَّتُنا حديثٌ يُعاش، لا كلامٌ يُقال

أيُّها المؤمنُ الكريم، إنَّ مِيراثَ النبيِّ ﷺ ليس جَمعَ خُطَبٍ ومَواعظ، بل سيرةً تُعاش. ولذلك سَمَّى الله القرآنَ ﴿أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: 23]، ولم يَقل أَحسنَ الكلام؛ فإنَّ الحديثَ ما تَحادث به قلبٌ بقلب، والكلامَ ما جَرى على اللسان. عبوديَّتُنا الحقُّ أن نَكون حديثًا حَسنًا، لا كلامًا كثيرًا.

وأَختم بثلاث وَصايا، أَهديها لنفسي قبل أن أَهديها لكم:

  • لا تَقُلْ كلمةً في الدِّين لم تَنزلْ في قَلبك قَبل أن تَنزل على لسانك. فإن نَزلت في قلبك أوَّلًا، خَرَجت من فَمك بنُورٍ يَأخذ بأَلباب السامعين. وإن خَرَجت من فمك دون أن تَمرَّ بقلبك، وَصَلَت إلى آذان السامعين باردةً ميِّتة.
  • اجعل بينك وبين الله سرًّا لا يَطَّلع عليه أحدٌ من الخَلق. عَملٌ صالحٌ تَخبئه عن أَعين الناس، ومُناجاةٌ في جَوف الليل، ودَمعةٌ على وِسادتك. فمَن كان له سِرٌّ مع الله، نَفَذ كلامُه إلى القلوب من غير أن يَشعر.
  • اعلم أنَّ أَخطر ما يَأتي مَن طَلب العلمَ أن يَظنَّ نفسَه قد بَلَغ. فمن ظَنَّ بنفسه قد بَلَغ مقامًا، فقد ابتعدَ عنه ولا يَدري. وفي مأثور كلام الصالحين: مَن استَكثر طاعتَه استَقلَّ الله طاعتَه، ومَن استَقلَّ ذنبه استَكثَرَ الله ذنبَه[10].

أَسأل الله العظيمَ ربَّ العرش الكريم أن يَجعل مقامَنا أَكبرَ من مقالنا، وعَملَنا أَصدقَ من قَولنا، وأن يَرزقنا الإخلاصَ في السرِّ والعَلانية، ويَجعل آخرَ كلامنا في الدنيا «لا إله إلا الله»، وأَن يَتقبَّل منَّا ومنكم صالحَ الأعمال.

وصلَّى الله وسلَّم وبارك على نبيِّنا محمَّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.

الهوامش

  1. «مدارج السالكين بين منازل إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين» لابن القيِّم (1/100 وما بعدها)، في تقرير حقيقة العبوديَّة.
  2. أخرجه مسلمٌ في صحيحه (8) من حديث عمر بن الخطَّاب رضي الله عنه — في حديث جبريل عليه السلام الطويل، وفيه سؤالُه عن الإسلام والإيمان والإحسان.
  3. أَثَرٌ مَشهورٌ في الكتب التي تَرجمت لعمر رضي الله عنه، كما في «الزهد» للإمام أحمد، و«حِلية الأولياء» لأبي نُعَيم. ووَرَد بألفاظ متقاربة.
  4. أَثَرٌ مَشهورٌ في كتب التراجم والرجال، رَواه غيرُ واحدٍ عن سفيان الثوريِّ في وَصف وَكيع بن الجرَّاح.
  5. أَخرجه البَيهقيُّ في «شُعَب الإيمان» (519) عن مالك بن دينار. وله طُرقٌ متقاربة.
  6. أَثَرٌ مَشهورٌ عن الفُضيل بن عياض، ذَكَره غيرُ واحدٍ من أهل التراجم.
  7. إشارةٌ إلى الحديث: «إنَّ أَخوفَ ما أَخاف عليكم الشِّركُ الأَصغر». فقالوا: وما الشِّركُ الأَصغر يا رسول الله؟ قال: «الرِّياء». أَخرجه الإمامُ أحمد في «المسند» (23630) من حديث محمود بن لَبيد رضي الله عنه. حسَّنه السيوطيُّ والألبانيُّ.
  8. أخرجه الترمذيُّ (2501) وأحمد (6481) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وحسَّنه الألبانيُّ في «صحيح الجامع» (6367).
  9. من مأثور كلام السلف الجاري على ألسنة العلماء، يُعزى إلى بعضهم بألفاظ متقاربة، ولم نَقف له على إسنادٍ ثابتٍ. فيُذكر بصيغة التمريض.
  10. من مأثور كلام السلف كذلك، يُروى عن جماعةٍ من العارفين، ولم نَقف له على إسنادٍ ثابتٍ، فيُذكر بصيغة التمريض.
شارك المقال