أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 4
المفاهيم الإيمانية
المفاهيم الإيمانية

التوبة في القرآن

توبتان لا توبة واحدة

د. أحمد أبو سيف٢٢ يونيو ٢٠٢٦8 دقائق قراءة

رجلٌ في أرضٍ قفراء، لا أنيسَ فيها ولا ماء، أضلَّ راحلته وعليها زاده وشرابه كلّه. بحث عنها حتى أعياه البحث، ويئس منها يأسًا تامًّا، فمضى إلى شجرةٍ فاضطجع في ظلّها ينتظر الموت لا محالة. وبينما هو كذلك، إذا براحلته واقفةٌ أمامه، عليها طعامه وشرابه كما تركتْهما. فأخذ بخطامها، وقد بلغ به الفرح مبلغًا لا يُطاق، حتى أخطأ لسانُه من شدّة الفرح فقال: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك"[1]. هكذا يصف رسول الله ﷺ فرحةً لا توصف، ثم يقول: "لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ..."[1]. هذا المشهد الحسّيّ الذي رواه أنس بن مالك هو المدخل الأدقّ إلى مفهومٍ قرآنيٍّ يُظنّ أنه مفهومٌ واحد الاتجاه، فإذا هو في الحقيقة حركةٌ من طرفين.

التأصيل اللغويّ: رجوعٌ، لا مجرّد ندم

الجذر "ت و ب" في لغة العرب يدلّ على "الرجوع"، وهذا هو معناه الأصليّ الذي لا يُفارقه في أيّ اشتقاق من اشتقاقاته. "تاب" أي رجع، و"التوبة" رجوعٌ من حالٍ إلى حال. وهذا يُفارق ما يتبادر إلى الذهن حين يُترجَم المفهوم بكلمة "repentance" التي تحمل ظلال الندم والحزن فحسب. الندمُ في التوبة القرآنية شرطٌ من شروطها -وقد ورد في الحديث: "النَّدَمُ تَوْبَةٌ"[2]- لكنه ليس التوبة نفسها؛ التوبة هي الحركة الفعليّة للرجوع، لا الشعور المصاحب لها. فالعبد التائب لا يكتفي بأن يندم على ما فعل، بل يرجع فعلًا عمّا كان عليه إلى ما يُرضي ربّه.

حصر اللفظ: بنيةٌ واحدة لا تتفرّع

يرد الجذر "ت و ب" في القرآن سبعًا وثمانين مرة، في سبع صيغ: الفعل "تاب" وتصريفاته ثلاثٌ وستّون مرة، وهو الغالب الأعظم؛ واسم الفاعل المؤنّث "تائبات" مرّةً واحدة (٦٦:٥)؛ والمصدر "توب" مرّةً واحدة (٤٠:٣)؛ والاسم "توبة" سبع مرات؛ و"متاب" مرّتين؛ وجمع اسم الفاعل "تائبون" مرّةً واحدة (٩:١١٢)؛ وصيغة المبالغة "توّاب" اثنتي عشرة مرة، وهي كلّها صفةٌ لله. وخلافًا لجذورٍ أخرى في هذه السلسلة كالأمانة التي تشابكت مع جذرٍ أوسع منها بكثير، فإنّ جذر "ت و ب" هنا محكَم الحدود: كلّ وروده شاهدٌ لفظيّ مباشر على مفهوم التوبة، لا يحتاج إلى تمييزٍ عن معنًى مجاور.

البنية المركزية: الفعل نفسه في الاتجاهين

هنا يكمن سرّ هذا المفهوم: الفعل "تاب" لا يُستخدم للعبد وحده، بل يُستخدم لله أيضًا، بالصيغة اللغوية عينها. حين يرجع العبدُ إلى ربّه يُقال "تاب"، وحين يرجع اللهُ على عبده بالقبول والمغفرة يُقال أيضًا "تاب عليه". آدمُ عليه السلام، أوّل من وقعت منه المعصية وأوّل من وقعت منه التوبة، تلقّى من ربّه كلماتٍ فرجع بها، والقرآن يصف ما جرى بقوله: ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٢:٣٧). لاحظْ أنّ الآية لم تقل "فتاب آدم"، بل "فتاب عليه" -والذي رجع، في صيغة الفعل الظاهرة هنا, هو الله. فالتوبة في القرآن ليست حركةً واحدةً في اتجاه واحد، بل تَوبتان تلتقيان: توبةُ العبد، وتوبةُ الله على عبده. ولهذا كان اسم الله "التوّاب" أحد أكثر أسمائه ورودًا في سياق هذا الجذر -اثنتا عشرة مرة- وهي صيغة مبالغةٍ تدلّ على التكرار: لا يتوب على عبده مرّةً ثم يُعرض، بل كلّما رجع العبدُ رجع الله عليه، ولو تكرّرت الذنوب.

سبقُ الفضل: حين يتحرّك الله أوّلًا

والأعجب من ذلك أنّ القرآن، في موضعٍ واحدٍ محدّد، يكشف عن ترتيبٍ زمنيّ ومنطقيّ بين التوبتين لا يتوقّعه القارئ. ذلك في قصّة الثلاثة الذين خُلِّفوا عن غزوة تبوك، ومنهم كعب بن مالك، حين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، فيقول الله عن التوبة عليهم وعلى النبيّ ﷺ: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ...ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (٩:١١٧-١١٨). تأمّل حرف اللام في "لِيَتُوبُوا": إنه لام التعليل، ومعناه أنّ توبة الله عليهم كانت السببَ الذي أفضى إلى توبتهم هم، لا العكس. لم يقل: "تابوا فتاب الله عليهم"، بل: "تاب الله عليهم فتابوا". وهذا ينسف تصوّرًا شائعًا مؤدّاه أنّ العبد يبدأ بالندم والرجوع، فيستجيب الله له من بعد ذلك؛ بل الآية تصوّر فضل الله سابقًا: هو الذي يُحدث في قلب عبده تلك الحركة الأولى نحو الرجوع، توفيقًا منه لا استحقاقًا من العبد. وهذا هو بالضبط ما تُترجمه الحقيقة اللغوية: الفعل الواحد يخدم الاتجاهين، لكنّ أحد الاتجاهين -فضل الله- هو الذي يُحرّك الآخر.

الحدّ الزمنيّ: توبةٌ لها باب يُغلَق

ومع سعة هذا الفضل، لم يترك القرآن الباب مفتوحًا بلا حدود، بل رسم له حدًّا زمنيًّا واضحًا: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ...وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّىٰ إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ (٤:١٧-١٨). فقوله "من قريب" لا يعني بالضرورة قِصَر الزمن الفاصل بين الذنب والتوبة بالساعات أو الأيام -فقد فسّره جمهور المفسّرين بأنه ما قبل معاينة الموت وقبل نزول ملك الموت، وإن طالت المدّة- لكنه في المقابل يُغلق البابَ نهائيًّا في لحظتين اثنتين: عند معاينة الموت، وعند الإصرار على الكفر حتى الممات. فالتوبة رجوعٌ مُتاحٌ ما دامت الحياة، لا فرصةٌ أبديّة بلا شرط.

من السيّئات إلى الحسنات: أثرٌ لا يقف عند المحو

ولم يكتفِ القرآن بوصف التوبة بأنها تمحو الذنب، بل ذهب إلى أبعد من ذلك في وصف "التوبة النصوح": ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا﴾ (٦٦:٨) -وهي توبةٌ تُشبه النصيحة في صدقها وإخلاصها، لا تترك للعبد مجالًا للرجوع إلى ما تاب منه. وفي موضعٍ آخر يصف القرآن أثرها بما يتجاوز مجرّد "الصفح" إلى "الإبدال": ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَٰئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ (٢٥:٧٠). فالمغفرة تمحو، لكن التبديل يُحوّل موضع السيّئة نفسه إلى حسنة في صحيفة العبد؛ وهذا من أعجب معاني التوبة في القرآن، إذ يجعل الماضيَ الذي يخجل منه العبد مادّةً لرجائه لا لقنوطه، متى صحّت توبته.

الشاهد النبويّ

المشهد الذي افتُتح به هذا المقال -مشهد الراحلة الضالّة في الصحراء- رواه أنس بن مالك، وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه (رقم ٢٧٤٧)[1]، وهو من أبلغ الأحاديث في تقريب معنى فرح الله بتوبة عبده إلى الحسّ الإنسانيّ المباشر: فرحٌ يفوق فرح إنسانٍ استيأس من الحياة نفسها ثم رُدَّت إليه فجأةً بكلّ ما كان يعتزّ به. وفي حديثٍ آخر رواه أنس أيضًا، وأخرجه الترمذي (رقم ٢٤٩٩) وابن ماجه (رقم ٤٢٥١) وأحمد في مسنده، وحسّنه الألبانيّ: "كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ، وَخَيْرُ الْخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ"[3]. وهذا الحديث يربط مباشرةً بلفظ القرآن نفسه في قوله تعالى عن صفات المؤمنين: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ...﴾ (٩:١١٢)، إذ يجعل النبيّ ﷺ "التوّابين" -لا "المعصومين"- هم خير بني آدم؛ فليست العصمة من الخطأ هي معيار الخيريّة في هذا الدين، بل سرعة الرجوع بعد الخطأ.

من أقوال أهل العلم

يقسّم ابن القيّم رحمه الله في كتابه "مدارج السالكين" التوبةَ بحسب مقامها من العبد؛ فتوبة العوامّ تكون من الذنوب الظاهرة، وتوبة الخواصّ تكون من الغفلة عن الله في كلّ حال، حتى قال بعض العارفين إنّ حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، لِما فيها من نقصٍ عن كمال الحضور مع الله. ويربط الإمام الغزاليّ في "إحياء علوم الدين" بين التوبة وبين ما سمّاه "العلم" و"الحال" و"العمل"، فالعلم بضرر الذنب هو الذي يُحدث "الحال" -وهو التألّم والندم- والحال هو الذي يبعث على "العمل" -وهو الترك والعزم والاستدراك. أمّا ابن رجب الحنبليّ في "جامع العلوم والحكم" فيُبرز البُعد المقاصديّ الجامع حين يقول: إنّ التوبة تجمع أركانًا ثلاثة لا تصحّ إلا باجتماعها: الإقلاع عن الذنب في الحال، والندم على ما مضى، والعزم على ألّا يعود إليه في المستقبل؛ فإن كان الذنب متعلّقًا بحقّ آدميّ، أُضيف إليها ركنٌ رابع هو ردّ الحقّ أو تحلّل صاحبه.

التطبيق المعاصر

كثيرٌ ممّن يُثقلهم شعور الذنب اليوم يُحسنون الندم لكنهم لا يعرفون الرجوع؛ يبقون في دائرة جلد الذات دون أن يتحرّكوا الخطوة العمليّة نحو التغيير، فيظلّ الذنب حاضرًا في الوجدان بلا توبةٍ حقيقية تُنهيه. والدرس القرآنيّ هنا مزدوج: فمن جهة، لا ينبغي للعبد أن ينتظر كمال الاستحقاق قبل أن يرجع، لأنّ فضل الله -كما في قصّة كعب بن مالك ورفيقيه- هو الذي يُحرّك القلب أصلًا نحو الرجوع، فليبادر العبد بمجرّد ما يجد في نفسه تلك الحركة، فهي من الله لا منه. ومن جهةٍ أخرى، لا ينبغي للعبد أن يُسوِّف اتّكالًا على سعة الرحمة، فالباب له حدٌّ زمنيّ لا يعلمه أحد. وفي مجال التربية والدعوة، يُقدّم هذا المفهوم بديلًا عن ثقافة "الكمال أو لا شيء" التي تُقنِّط المخطئين وتدفعهم إلى الاستمرار في الخطأ يأسًا من قَبوله؛ فحين يُخيَّر الإنسان بين أن يكون "معصومًا" أو "خطّاءً تائبًا"، يجد في هذا الحديث النبويّ متنفَّسًا يُعيده إلى الطريق بدل أن يدفعه بعيدًا عنه.

خاتمة

من رحلة رجلٍ أضلّ راحلته في صحراء موحشة، إلى آدم يتلقّى الكلمات في أوّل توبةٍ عرفتها البشرية، إلى كعب بن مالك وصاحبَيه في ضيق الأرض بما رحبت، يرسم القرآن صورةً واحدة: التوبة ليست حركةً يبدؤها العبد وحده في اتجاهٍ واحد نحو ربّه، بل توبتان تلتقيان، سبقُ إحداهما فضلٌ من الله لا يُدرَك بالاستحقاق. ومن عرف أنّ رجوعه إلى ربّه ليس إلا استجابةً لرجوعٍ سبقه من ربّه إليه، هان عليه أن يرجع، ولم يستكبر عن ذلك خشية أن يُتَّهم بالنقص؛ فخيرُ الخطّائين، كما قال رسول الله ﷺ، هم التوّابون. وبالله التوفيق، والله أعلم.


الهوامش

  1. رواه مسلم في صحيحه، كتاب التوبة، حديث رقم ٢٧٤٧، عن أنس بن مالك رضي الله عنه.
  2. رواه ابن ماجه في سننه (٤٢٥٢) وأحمد في مسنده، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وصحّحه الألبانيّ وابن حبّان.
  3. رواه الترمذي في سننه (٢٤٩٩) وابن ماجه (٤٢٥١) وأحمد في مسنده (١٣٠٤٩)، عن أنس بن مالك رضي الله عنه، وحسّنه الألبانيّ، وصحّحه ابن باز.
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ