ذبائح أهل الكتاب في التناول القرآنيّ: الواقع الأمريكيّ نموذجًا
تأصيلٌ قرآنيٌّ لحلّ ذبائحهم، وتنزيلُه على أسواق أمريكا بقاعدة الغالب وفقه الذرائع
بحثٌ منبثقٌ عن ورقةٍ محكَّمةٍ بمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (AMJA)؛ والنسخةُ الأصليّة قُدِّمت إلى المؤتمر السنويّ التاسع لأئمة المساجد (٢٠١٢م)، محور «الحلال والحرام في الأطعمة والأدوية»
الولايات المتّحدة الأمريكيّة
يونيو ٢٠٢٦م (النسخة المنقَّحة المنشورة) — والأصل ٢٠١٢م
35
العربية
ملخَّص البحث
تتناول هذه الورقةُ حكمَ ذبائح أهل الكتاب من خلال مدخلٍ قرآنيٍّ يحرّر بقاءَ وصف «أهل الكتاب» لليهود والنصارى وما يترتّب عليه من أحكام المؤاكلة والمناكحة، مع النظر في أثر ما وصفهم به القرآن من الكفر أو الشرك. وتخلص إلى أنّ ذلك الوصف يقرّر الحكمَ العقديّ على ما أحدثوه ولا يلغي الاسمَ القرآنيّ الخاصّ بهم؛ إذ البحث في أصل الانتساب الدينيّ لا في صحّة الاعتقاد. وتقرّر أنّ الإجماع منعقدٌ على أصل حلّ ذبائحهم بنصّ آية المائدة وأنّ الخلاف في الفروع، وأنّ أهليّة الذابح شرطٌ وآليّةَ الذبح شرطٌ آخر مستقلٌّ تشهد له الآية ذاتها ﴿إلّا ما ذكَّيتم﴾، ثمّ تُنزِّل الحكمَ على واقع الولايات المتّحدة بقاعدة الغالب وفقه الذرائع سدًّا وفتحًا — مع قراءةٍ لقانون طرق الذبح الرحيم الفيدراليّ وإعفائِه الدينيّ — وتختم بضوابطَ عمليّةٍ وتوصياتٍ مؤسّسيّةٍ للجالية المسلمة.
النص الكامل
⏱ 24 دقيقة قراءةورقةٌ علميّةٌ منبثقةٌ عن البحث المحكَّم المقدَّم إلى مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (أمجا) — المؤتمر السنويّ التاسع لأئمة المساجد (٢٠١٢م) تحت عنوان «الحلال والحرام في الأطعمة والأدوية»؛ وهذه نسختُها المنقَّحة المزيدة المنشورة (٢٠٢٦م). بقلم: الشيخ د. أحمد محمد أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
يطيب لي في مفتتح هذه الورقة أن أتقدّم بخالص الشكر وعظيم الامتنان لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (أمجا) — رئيسًا وأمانةً وأعضاءً — على ما أتاحه لي من شرف البحث في هذا الموضوع الشائك الذي يمسّ الحياة اليوميّة للمواطن المسلم المقيم بالولايات المتّحدة مسًّا مباشرًا؛ فما من بيتٍ مسلمٍ في هذه البلاد إلا والسؤالُ عن حلّ اللحوم المتداولة في أسواقها حاضرٌ على مائدته.
ملخّص البحث
تتناول هذه الورقةُ حكمَ ذبائح أهل الكتاب من خلال مدخلٍ قرآنيٍّ يحرّر بقاءَ وصف «أهل الكتاب» لليهود والنصارى وما يترتّب عليه من أحكام المؤاكلة، مع النظر في أثر ما وصفهم به القرآن من الكفر أو الشرك. وتخلص إلى أنّ ما ورد في القرآن من وصف طوائفَ منهم بالكفر أو الشرك يقرّر الحكمَ العقديّ على ما أحدثوه وجحدوه، ولا يلزم منه إلغاءُ الاسم القرآنيّ الخاصّ بهم ولا الأحكامِ المترتّبة عليه في باب الطعام والمناكحة؛ إذ البحث في أصل الانتساب الدينيّ لا في صحّة الاعتقاد. وتقرّر أنّ الإجماع منعقدٌ على أصل حلّ ذبائحهم بنصّ آية المائدة، وأنّ الخلاف واقعٌ في فروع المسألة، وأنّ أهليّة الذابح شرطٌ وآليّةَ الذبح شرطٌ آخر مستقلٌّ تشهد له الآيةُ ذاتها ﴿إلّا ما ذكَّيتم﴾، ثمّ تُنزِّل الحكمَ على واقع الولايات المتّحدة بقاعدة الغالب وفقه الذرائع سدًّا وفتحًا، وتختم بضوابطَ عمليّةٍ وتوصياتٍ مؤسّسيّةٍ للجالية المسلمة.
الكلمات المفتاحيّة: أهل الكتاب — الذبائح — التذكية الشرعيّة — فقه الأقلّيّات — قاعدة الغالب — سدّ الذرائع — الولايات المتّحدة.
المقدّمة المنهجيّة
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسلام على عبده ونبيّه ورسوله صفوةِ الخلق وإمام المهتدين، وبعد:
أهمّيّة الموضوع ومشكلته: إنّ مسألة ذبائح أهل الكتاب من المسائل التي يتجدّد السؤالُ عنها كلّما انتقل المسلمُ من بيئةٍ يغلب فيها حضورُ المسلمين وشعائرهم ومسالخهم إلى بيئةٍ يغلب فيها غيرُهم؛ ويعيش ملايينُ المسلمين اليوم في المجتمعات الغربيّة حيث يمسّ هذا السؤالُ حياتهم اليوميّة مسًّا مباشرًا؛ وقد كثُر فيه القولُ بين مضيِّقٍ يحرّم ما في الأسواق جملةً، وموسِّعٍ لا يفرّق بين حالٍ وحال. ومشكلةُ البحث تتحدّد في السؤال الذي طرحه مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا: هل يُعتبر النصارى (واليهود) اليوم من أهل الكتاب الذين أحلّ الشرعُ ذبائحهم، مع ما عُلم من انحرافهم العقديّ وبُعد كثيرٍ منهم عن التديّن؟
أسئلة البحث: (١) هل فرّق القرآنُ الكريم بين أهل الكتاب والمشركين تسميةً وحكمًا؟ (٢) ما أثرُ وصف بعضهم بالكفر أو الشرك في بقاء مسمّى «أهل الكتاب» لهم؟ (٣) ما حكمُ ذبائحهم في كلام أهل العلم سلفًا وخلفًا، وما محلُّ الإجماع والخلاف فيه؟ (٤) كيف يُنزَّل الحكمُ على واقع المجتمع الأمريكيّ المختلط بقاعدة الغالب وفقه الذرائع؟ (٥) هل يُشترط لاعتبارهم أهلَ كتابٍ التزامُهم بدينهم؟
منهج البحث: المنهج الاستقرائيّ التحليليّ: باستقراء الآيات الواردة في أهل الكتاب وتصنيفها، ثمّ تحليل دلالاتها على ضوء أقوال المفسّرين والأصوليّين، مع المنهج المقارن في عرض أقوال الفقهاء، وتنزيل الأحكام على الواقع الأمريكيّ بقواعد الفقه ومقاصد الشريعة.
الدراسات السابقة: كُتب في أصل المسألة قديمًا في مدوّنات الفقه والتفسير، ومن أبرز ما كُتب حديثًا: بحث «الأقوال المسدَّدة في حكم الذبائح واللحوم المستوردة» ليحيى بن محمد الديلميّ، وقرارُ مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ رقم ٩٥ (٣/١٠) بشأن الذبائح (١٩٩٧م)، وقراراتُ المجلس الأوروبيّ للإفتاء والبحوث بشأن الذبائح وطعام أهل الكتاب، وفصلُ الذبائح من كتاب «الحلال والحرام في الإسلام» للقرضاويّ. وتتميّز هذه الورقةُ بتركيزها على التناول القرآنيّ لمسمّى «أهل الكتاب» وبنائِه أساسًا للحكم، ثمّ تنزيلِه على خصوصيّة الواقع الأمريكيّ.
خطّة البحث: انتظم البحثُ في تمهيدٍ وستّة مباحثَ وخاتمة: المبحث الأول: أهل الكتاب في التناول القرآنيّ. المبحث الثاني: حكم ذبيحة أهل الكتاب. المبحث الثالث: نظرات في الفتاوى المعاصرة وواقع المسلمين في الغرب. المبحث الرابع: أثر آليّة الذبح المعاصرة في الحكم. المبحث الخامس: تنزيل النصّ القرآنيّ على الواقع الغربيّ (قاعدة الغالب وفقه الذرائع). المبحث السادس: هل يُشترط لاعتبارهم أهلَ كتابٍ التزامُهم بدينهم؟ ثمّ الخاتمة وفيها النتائجُ والتوصيات.
المبحث الأوّل: أهل الكتاب في التناول القرآنيّ
المدخلُ الصحيح لهذه المسألة أن نبدأ من الاسم القرآنيّ نفسه: «أهل الكتاب»؛ فإنّ مردّ الخلاف في حكم ذبائحهم يرجع إلى تأويل العلماء للآيات التي أورد الله تعالى فيها ذكرَهم وأوصافَهم كما وردت في الكتاب العزيز:
- فبين قائلٍ بشركهم أو كفرهم نظرًا لما ورد في حقّ بعضهم من التسمية بالكفر والشرك في غير ما موطنٍ من كتاب الله تعالى، وإنكارِهم نبوّةَ محمدٍ رسول الله ﷺ.
- وبين معتبِرٍ لهم على أصل ديانتهم باعتبار نصوص القرآن التي تسمّيهم «أهل كتاب» وتحلّ معاملتَهم ومؤاكلتَهم ومصاهرتَهم.
فهل فرّق القرآنُ الكريم بين المشركين وأهل الكتاب، وهل وصفهم بالشرك أو الكفر؟ والجواب أنّ الله تعالى أورد في التفريق بين أهل الكتاب والكفّار أو المشركين:
١. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢].
٢. ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦].
٣. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: ١٧].
٤. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٥٧].
ففي هذه الآيات وغيرها دلالةٌ على أنّ المشركين غيرُ أهل الكتاب حكمًا ووصفًا؛ فالعطفُ يقتضي المغايرةَ بين المتعاطفين، لأنّ عطف الشيء على نفسه يحتاج إلى دليلٍ خاصّ.
ولكنْ ثمّةَ آياتٌ أخرى وصفت أهلَ الكتاب بالكفر أو الشرك؛ من مثل قوله تعالى:
١. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٨].
٢. ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [آل عمران: ٧٠].
٣. ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ٦٤].
٤. ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ... سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠–٣١].
وبين هذه الآيات وتلك، آياتٌ أخرى تبيّن أنّ القرآن يحدّثنا عن أهل الكتاب باعتبارهم فريقَين عقيدةً وعبادةً وخُلُقًا:
أمّا في العقيدة: فمنها ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠١]، و﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]، و﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩].
وفي جانب العبادة: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣].
وفي جانب الخُلُق: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥].
ويستقيم الفهمُ إذا قلنا إنّ الله وصف بعضَ أهل الكتاب بالكفر الصريح، كقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧]، و﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣]، وخصّص بعضَهم بقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البيّنة: ١]، وختم ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيّنة: ٦].
ولا يعني ذلك أنّ ما هم عليه صوابٌ، ولا أنّ إنصاف القرآن لهم يعني إنكارَ ما هم عليه من عدم اتّباع النبيّ الخاتم ﷺ، غير أنّ شركهم يختلف عن كفر المشركين الذين عبدوا الأوثان؛ ويفيدنا في ذلك ما ذكره الإمامُ ابن تيمية في الفتاوى:
الشركُ المطلق في القرآن لا يدخل فيه أهلُ الكتاب، وإنّما يدخلون في الشرك المقيَّد؛ قال الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾، فجعل المشركين قسمًا غيرَ أهل الكتاب... وأمّا دخولهم في المقيَّد ففي قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾؛ وسببُ هذا أنّ أصل دينهم الذي أنزل الله به الكتب وأرسل به الرسلَ ليس فيه شركٌ، ولكنّهم بدّلوا وغيّروا، فابتدعوا من الشرك ما لم ينزّل الله به سلطانًا، فصار فيهم شركٌ باعتبار ما ابتدعوا لا باعتبار أصل الدين.
وقال الإمامُ الشنقيطيّ: «ووجهُ الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض هو أنّهم جميعًا مشركون، والمغايرةُ التي سوّغت العطفَ هي اختلافُهم في نوع الشرك؛ فشركُ المشركين غيرِ أهل الكتاب كان شركًا في العبادة لأنّهم يعبدون الأوثان، وأهلُ الكتاب لا يعبدون الأوثان، ولكنّهم يشركون شركَ ربوبيّةٍ كما أشار له الله بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾».
خلاصة المبحث — بين الاسم والحكم: الذي يتحصّل من مجموع النصوص أنّ لأهل الكتاب اعتبارَين: اعتبارَ أصل الانتساب إلى كتابٍ سماويٍّ ودينٍ له بقيّةٌ من آثار الوحي، وهو الذي بُنيت عليه الأحكامُ المخصوصة في المعاملات من المؤاكلة والمناكحة؛ واعتبارَ ما طرأ على ذلك الأصل من تحريفٍ وتبديلٍ وكفرٍ، وبخاصّةٍ الكفرُ بالنبيّ ﷺ بعد بعثته، وهو الذي بُني عليه الحكمُ العقديّ العامّ. فلا تناقضَ بين أن يقال: هم أهلُ كتابٍ من جهة الاسم والحكم الخاصّ في باب الطعام والمناكحة، وهم كفّارٌ بما جحدوه بعد البعثة؛ ولو كان مجرّدُ وقوعهم في تلك المقالات يرفع عنهم كلَّ حكمٍ متعلّقٍ بالاسم لما بقي معنًى لنزول آية المائدة — وهي من أواخر ما نزل — بتقرير حلّ طعامهم ونكاحِ المحصنات من نسائهم.
المبحث الثاني: حكم ذبيحة أهل الكتاب
أمّا تناولُ طعامهم والأكلُ من ذبيحتهم باعتبارهم أهلَ كتابٍ، فيجيب عليه جملةٌ من أهل العلم قديمًا وحديثًا. ونبدأ بما ذكره الإمامُ ابن تيمية في الردّ على جماعةٍ من المسلمين اشتدّ نكيرُهم على من أكل من ذبيحة يهوديٍّ أو نصرانيٍّ مطلقًا، فأجابهم رحمه الله:
ليس لأحدٍ أن ينكر على أحدٍ أكلَ ذبيحةِ اليهود والنصارى في هذا الزمان، ولا يحرم ذبحُهم للمسلمين، ومن أنكر ذلك فهو جاهلٌ مخطئٌ مخالفٌ لإجماع المسلمين... فإنّ القول بتحريم ذلك في هذا الزمان وقبله قولٌ ضعيفٌ جدًّا مخالفٌ لما عُلم من سنّة رسول الله ﷺ، ولما عُلم من حال أصحابه والتابعين لهم بإحسان.
ثمّ ساق رحمه الله أدلّةَ الكتاب والسنّة والإجماع:
أمّا الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].
وأمّا السنّة: فإنّ النبيّ ﷺ أجاب دعوةَ من دعَوه من اليهود، وقد ثبت أنّ امرأةً يهوديّةً أهدت إليه شاةً مسمومةً فأكل وأكل القومُ، فقال ﷺ: «ارفعوا أيديكم، إنّ الشاةَ تخبرني أنّها مسمومة»، ثمّ قال لليهوديّة: «ما حملك على ذلك؟» قالت: قلت إن كان نبيًّا لم يضرّه، وإن كان مَلِكًا أرحتُ الناسَ منه. فقال ﷺ: «ما كان الله ليُسلِّطك عليّ»(١).
وأمّا الإجماع: فقد نقله عددٌ من العلماء؛ منهم ابنُ رشدٍ في «بداية المجتهد»: «فأمّا أهل الكتاب فالعلماءُ مجمعون على جواز ذبائحهم لقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾»، وابنُ كثيرٍ: «وهذا أمرٌ مجمعٌ عليه بين العلماء أنّ ذبائحهم حلالٌ للمسلمين، لأنّهم يعتقدون تحريمَ الذبح لغير الله»، ونقله ابنُ القيّم والقاسميّ والقرطبيّ وأبو الطيّب الآباديّ عن جمعٍ من السلف.
تحرير محلّ الإجماع: الذي يستقيم به الجمعُ بين نقول الإجماع المتقدّمة وبين ما سيأتي من آثارٍ عن بعض الصحابة والتابعين بالمنع أو الكراهة: أنّ الإجماع منعقدٌ على أصل حلّ ذبائح أهل الكتاب في الجملة بنصّ آية المائدة، وأمّا الخلافُ فواقعٌ في فروع المسألة لا في أصلها: كذبيحة من سُمع منه الإهلالُ بغير اسم الله، وذبائحِ نصارى بني تَغلِب، وما حُرّم عليهم في شرعهم كالشحوم؛ فمن نقل الإجماعَ أراد الأصلَ، ومن حكى الخلافَ أراد هذه الفروع، ولا تعارض. فالخلافُ في القيد لا يلغي أصلَ الحكم، كما أنّ أصلَ الحكم لا يلغي أثرَ القيد عند ثبوته.
ومن الآثار في ذلك ما رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما في قوله ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾: «يعني ذبيحةَ اليهوديّ والنصرانيّ، وإن كان النصرانيّ يقول عند الذبح باسم المسيح واليهوديّ يقول باسم عُزير؛ وذلك لأنّهم يذبحونه على المِلّة»، وعن عطاءٍ والقاسم بن مُخيمرة والزهريّ وربيعةَ والشعبيّ ومكحولٍ نحوُه(٢). وفي مقابل ذلك ذهبت طائفةٌ — منهم عليٌّ وعائشةُ وابنُ عمر وطاوسٌ والحسن — إلى أنّه إذا سُمع الكتابيُّ يسمّي غيرَ اسم الله فلا يُؤكل، تمسّكًا بقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١].
ويلخّص الإمامُ الشنقيطيُّ في «دفع إيهام الاضطراب» حالاتِ ذبيحة الكتابيّ في خمسٍ لا سادسة لها: أن يُعلم أنّه سمّى الله عليها فتؤكل بلا نزاع؛ أن يُعلم أنّه أهلّ بها لغير الله ففيها خلافٌ والتحقيق المنعُ؛ أن يجمع بين اسم الله واسم غيره وظاهرُ النصوص المنعُ؛ أن يسكت فلا يسمّي شيئًا والجمهورُ على الإباحة وهو الحقّ؛ أن يُجهل الأمرُ لكونه ذبح منفردًا فتؤكل على ما عليه جمهورُ العلماء إن لم يُعرف الكتابيُّ بأكل الميتة.
مسألة الشحوم: اختلفوا فيما حُرّم على أهل الكتاب — كشحم الجوف من البقر والغنم المحرَّم على اليهود — هل يباح للمسلم ممّا ذبحه اليهوديّ؟ والجمهورُ على الإباحة، وحجّتُهم: أنّ الذكاة لا تتجزّأ فإذا أُبيحت ذبائحُهم لم يُحتج إلى قصدهم أجزاءَ المذبوح؛ وأنّ القرآن نصّ على أنّه حُرّم عليهم ﴿كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] فلو لزم قولُهم لحُرّم على المسلم ما له ظُفُرٌ ممّا ذبحه اليهوديّ وهو غيرُ ثابت؛ وما ثبت في «صحيح البخاري» من تقرير النبيّ ﷺ لعبد الله بن مُغفّلٍ على أخذ جِرابٍ من شحم اليهود يوم خيبر(٣)؛ وما رواه أحمدُ عن أنسٍ أنّ النبيّ ﷺ أضافه يهوديٌّ على خبز شعيرٍ وإهالةٍ سَنِخة(٤). وكرهه مالكٌ ومنعه بعضُ أصحابه، محتجّين بأنّ المحرَّم عليهم ليس من طعامهم حتى يدخل فيما أحلّته الآية.
تنبيهٌ: حكم غير أهل الكتاب في المجتمع المختلط. أمّا المجوسُ فقد اختلف الفقهاء في أكل ذبائحهم لِما ورد في حقّهم، كمرسل الحسن بن محمد أنّ النبيّ ﷺ كتب إلى مجوس هَجَر يدعوهم إلى الإسلام، فمن أسلم قُبل منه ومن لا ضُربت عليه الجزيةُ، «على أن لا تُؤكل له ذبيحةٌ ولا تُنكح له امرأة»(٥)، وما ثبت من أخذ النبيّ ﷺ الجزيةَ منهم بشهادة عبد الرحمن بن عوفٍ(٦). والذي يترجّح أنّهم لا تُؤكل ذبائحهم في بلادهم أو المواطن التي يهيمنون عليها؛ أمّا إذا اختلطوا بغيرهم من المسلمين أو أهل الكتاب فالحكمُ للغالب، خاصّةً إذا كانت ثمّةَ قوانينُ حاسمةٌ تضبط طريقةَ الذبح بناءً على الدين الغالب للبلاد كما هو الحال في الولايات المتّحدة. والحكمُ فيهم — والله أعلم — يشمل الوثنيّين واللادينيّين، وكذا المسالخَ العامّة التي تحوي خليطًا من العمّال من أديانٍ مختلفة.
الحاشية (١): حديث الشاة المسمومة: أصلُ القصّة في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه — أخرجه البخاريّ (كتاب الطب، رقم ٥٧٧٧) ومسلم (كتاب السلام، رقم ٢١٩٠) — وهو صحيحٌ متّفقٌ عليه؛ وأخرجه أبو داود (رقم ٤٥٠٨) من حديث جابر بن عبد الله، وفيه: «ارفعوا أيديكم، فإنّها أخبرتني أنّها مسمومة»؛ ورُويت عند أحمد من حديث أبي هريرة بنحوه. فالمحفوظ مدارُه على أنسٍ وجابرٍ.الحاشية (٢): الآثار في تفسير «الطعام» بالذبيحة عن ابن عباسٍ وعطاءٍ والقاسم بن مُخيمرة والزهريّ وربيعةَ والشعبيّ ومكحولٍ والحسن: ينظر «جامع البيان» للطبريّ و«تفسير ابن أبي حاتم» و«الجامع لأحكام القرآن» للقرطبيّ عند آية المائدة، و«مصنّف عبد الرزاق» و«مصنّف ابن أبي شيبة» في كتاب الذبائح؛ وهي آثارٌ متظافرةٌ يعضد بعضُها بعضًا.الحاشية (٣): حديث عبد الله بن مُغفّلٍ في جِراب الشحم يوم خيبر: أخرجه البخاريّ (كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، رقم ٣١٥٣) ومسلم (رقم ١٧٧٢)، وهو صحيحٌ متّفقٌ عليه.الحاشية (٤): حديث أنسٍ في الخبز والإهالة السَّنِخة: أخرجه أحمد في «المسند»، وأصلُه عند الترمذيّ، وإسنادُه صحيحٌ على شرط مسلم (صحّحه الأرناؤوط).الحاشية (٥): كتابُ النبيّ ﷺ إلى مجوس هَجَر: رواه مالكٌ في «الموطّأ» (كتاب الزكاة) عن الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب، وأخرجه عبدُ الرزاق وأبو عبيدٍ في «الأموال»؛ وهو مرسلٌ — فالحسن تابعيٌّ لم يدرك القصّة — لكنّه يعتضد بأصله الثابت في أخذ الجزية من المجوس.الحاشية (٦): شهادة عبد الرحمن بن عوفٍ في أخذ الجزية من مجوس هَجَر ثابتةٌ في «صحيح البخاري» (كتاب الجزية، رقم ٣١٥٦–٣١٥٧). أمّا لفظُ «سُنّوا بهم سُنّةَ أهل الكتاب» فإنّما هو في «موطّأ مالك» مرسلًا وليس في «الصحيح»، والتشبيهُ فيه إنّما هو في حكم أخذ الجزية لا في حلّ الذبائح والمناكح؛ فقد استثناهما النصُّ صراحةً.
المبحث الثالث: نظراتٌ في الفتاوى المعاصرة وواقع المسلمين في الغرب
طالعتُ أثناء تناول هذه المسألة بعضَ ما كُتب حولها، ولعلّ من أهمّه ما ورد تحت عنوان «الأقوال المسدَّدة في حكم الذبائح واللحوم المستوردة»، ورأيتُ فيه اعتراضاتٍ جمّةً على تناول طعام أهل الكتاب، غير أنّ البحث لم يخرج في تأصيله عن جملة ما ذكرنا، وكلُّ ما ورد فيه من اعتراضاتٍ تنحصر أسبابُها في الطريقة التي يُؤدّى بها الذبحُ — وهو الأمر الخارج عن محور هذه الورقة.
وممّا يعضد ما ذهبتُ إليه أنّ المجامع والهيئات الفقهيّة المعنيّة بواقع الغرب قد استقرّ أكثرُها على أصل الحلّ مع التحرّي؛ فقد عالج مجمعُ فقهاء الشريعة بأمريكا قضايا الذبائح والأطعمة في دورته لسنة ٢٠١٢م، وأفرد لها جملةَ أوراقٍ في فقه الذبح الآليّ والقطع الرأسيّ وطرق ذبح الماشية في الولايات المتّحدة؛ كما قرّر المجلسُ الأوروبيّ للإفتاء والبحوث حلَّ ذبائح أهل الكتاب في الغرب ما لم يثبت مانعٌ، تنزيلًا لأصول رفع الحرج وعموم البلوى. وورقتي هذه امتدادٌ لذلك المسار وتحريرٌ لمأخذه القرآنيّ، لا خروجٌ عليه.
ولكنّ ما يثير الانتباه أنّ الفتاوى الواردة من الشرق تبحث المسألةَ من حيث تناولُ المسلمين في الشرق لطعام أهل الكتاب، وهو ما نحن في غنيةٍ عنه في هذه البقاع؛ فللمسلمين هناك مجازرُهم ومسالخُهم ومزارعهم وأنعامُهم. وليس من تمام الفقه أن تُنقل الفتاوى الصادرة في بيئةٍ إسلاميّةٍ يتيسّر فيها تحصيلُ اللحم الحلال إلى واقع الأقلّيّات المسلمة نقلًا آليًّا دون اعتبار الفروق؛ فتنزيلُ الحكم يختلف باختلاف القدرة والحاجة والغالب. وليس معنى ذلك أنّ الحاجة تلغي الضوابط، وإنّما معناه أنّ المفتيَ الذي يعيش حيث يسهل الحلالُ لا يحسن أن يجعل فتواه معيارًا عامًّا ملزِمًا لمن يعيش في بيئةٍ تخالفها في القدرة والبدائل.
وأمّا اعتراضُ بعض مشايخنا على طعام أهل الكتاب اليوم باعتبار إلحادهم أو خروجهم عن أصل مِلّة دينهم، فما أرى أشدَّ على المسلم من ادّعائهم الولدَ لله، أو نسبةِ بعضهم الفقرَ أو غُلولَ اليد إلى الله المَلِك — سبحانه وتعالى عمّا يقولون علوًّا كبيرًا — ومع ذلك كلِّه وغيرِه ممّا أخبر به القرآن، أبقى الله لهم على خصوصيّة مسمّاهم واعتبر أصلَ ديانتهم. ونؤكّد أنّ آية المائدة من أواخر ما نزل، فإن كان ثمّةَ نسخٌ فهي ناسخة، وإن كان تخصيصٌ لعمومٍ أو تقييدٌ لمطلقٍ فلها الصدارةُ في ذلك، خاصّةً أنّها اقترنت بأمرٍ آخر هو نكاحُ الكتابيّات الذي لم يختلف عليه أهلُ المشرق والمغرب؛ ولن نأخذ الدينَ إلا جملةً واحدةً، ولن نتشبّه بمن يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض.
المبحث الرابع: أثر آليّة الذبح المعاصرة في الحكم (بين يدَي أهليّة الذابح)
قرّرنا فيما مضى أنّ على أهل كلّ منطقةٍ أن يتحرّوا عن طريقة أداء الذبح لديهم، فإن كان يتعارض مع أصل ما وصف الله فالامتناعُ عنه أولى «لا لكونه لأهل الكتاب وإنّما للطريقة التي تُتّبع»؛ وهذا المبحث تحريرٌ لهذه الكلمة، حتى لا يُفهم أنّ إثبات أهليّة أهل الكتاب وحدَه كافٍ في الحكم بالحلّ مطلقًا؛ فأهليّةُ الذابح شرطٌ، وآليّةُ الذبح شرطٌ آخر مستقلٌّ عنه.
التأصيل القرآنيّ: الأصلُ فيها صدرُ آية المائدة نفسها: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣]؛ فحرّم سبحانه المنخنقةَ والموقوذةَ — والتدويخُ المعاصر بالصعق أو بالمسدّس صورةٌ من الوقذ والخنق — ثمّ استثنى ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾؛ فدلّ على أنّ الموقوذة إن أُدركت وفيها حياةٌ فذُكِّيت حلّت، وإن ماتت بالوقذ قبل التذكية فهي ميتةٌ لا تحلّها أهليّةُ الذابح كائنًا من كان، مسلمًا أو كتابيًّا. فالآيةُ الواحدة (المائدة) جمعت شرطَي الباب: آليّةَ الذكاة في صدرها (الآية ٣)، وأهليّةَ الذابح في قوله ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ (الآية ٥).
واقعُ الآليّة في أمريكا بحسب القانون الفيدراليّ: ينظّم ذبحَ الماشية قانونُ طرق الذبح الرحيم (Humane Methods of Slaughter Act, 1958/1978م؛ 7 U.S.C. §§1901–1907)، وقد نصّ في المادّة (1902) على طريقتين كلتاهما «رحيمةٌ» معتبَرةٌ قانونًا: (أ) تدويخُ الحيوان وإفقادُه الإحساسَ قبل ذبحه؛ أو (ب) الذبحُ وفق الشعائر الدينيّة — اليهوديّة أو أيّ ديانةٍ أخرى — بإفقاد الحيوان وعيَه بفقر الدم الدماغيّ الناشئ عن قطع الشريانين السباتيّين قطعًا آنيًّا متزامنًا بأداةٍ حادّة، وهذا الثاني هو عينُ الذكاة الشرعيّة بحروفها تقريبًا. كما نصّت المادّة (1906) على إعفاء الذبح الدينيّ وما يسبقه من تجهيز الحيوان من اشتراط التدويخ صيانةً للحرّيّة الدينيّة. وأمّا الدواجن فغيرُ مشمولةٍ بهذا القانون أصلًا، وإنّما يحكمها قانونُ فحص منتجات الدواجن (PPIA) ولوائحُ هيئة سلامة الغذاء (FSIS) التي لا توجب تدويخها وتُعفي الذبحَ الدينيّ منه صراحةً.
فيتحصّل من نصّ القانون أمران جليلان: أوّلهما أنّ الشريعة لم تُحرَج في هذه البلاد؛ فالذبحُ الشرعيّ الكامل بلا تدويخٍ مشروعٌ قانونًا بنصّ المادّة (1902/ب)، بل عدّه القانونُ نفسه طريقةً رحيمةً قائمةً بذاتها — وفي هذا شهادةٌ من واضعي القانون لرفق الذكاة الشرعيّة تُذكر فتُشكر — وهو ما يفتح البابَ واسعًا أمام إنشاء مشاريع الذبح الإسلاميّة. وثانيهما أنّ إخواننا اليهود قد استثمروا هذا الإعفاءَ الدينيّ في رقابة الكوشر المبثوثة في عامّة مسالخهم، ونحن أولى بمثل ذلك.
تنزيل قاعدة الغالب على الآليّة: الغالبُ فيها يختلف باختلاف الصنف: فالأبقارُ ونحوها يغلب في المسالخ التجاريّة تدويخُها بالمسدّس النافذ قبل الذبح، والحيوانُ بعده غالبًا حيٌّ حياةً غيرَ مستقرّةٍ يُجهَز عليه بالذبح وإنهار الدم، ومناطُ الحلّ إدراكُ تذكيته وفيه حياةٌ على ما دلّت عليه آية المائدة؛ وقد فصّل قرارُ مجمع الفقه الإسلاميّ الدوليّ رقم ٩٥ (٣/١٠) ضوابطَ ذلك: فالأصلُ أن تتمّ الذكاة دون تدويخ، والحيوانُ المدوَّخ تحلّ ذبيحتُه إذا تحقّق بقاءُ حياته حتى تمام تذكيته، ولا يحلّ ما مات بسبب التدويخ قبل ذبحه — ومنه الدجاجُ الذي يموت بالصعق قبل الذبح. وأمّا الدواجنُ فيغلب صعقُها بحوض الماء المكهرب بمعاييرَ يُقصد بها شلُّ الطائر لا قتلُه ثمّ يُذبح، فيبقى الغالبُ فيها إدراكَ الذكاة مع وجوب التحرّي في المسالخ التي يثبت فيها خلافُ ذلك.
ضابط التوازن: من قال بالحلّ مطلقًا دون نظرٍ إلى الآليّة فقد أسقط قيدَ التذكية الذي نصّت عليه الآية، ومن قال بالتحريم مطلقًا لمجرّد فساد عقائد أهل الكتاب فقد أسقط نصَّ المائدة؛ والطريقُ الوسط ما قرّرناه. وثمرةُ التحرير: أنّ ما يثبت في مسلخٍ بعينه موتُ الحيوان فيه قبل تذكيته، أو وقوعُ الذبح على غير محلّ الذكاة، يُمنع لحمُه من جهة الآليّة لا من جهة دين الذابح — فهو من باب الميتة لا من باب ذبيحة الكتابيّ — وما عدا ذلك فباقٍ على الأصل المتقدّم من حلّ ذبيحة أهل الكتاب بقاعدة الغالب، ويبقى بابُ الورع مفتوحًا لمن أراد الاحتياطَ لدينه من غير إنكارٍ على المترخِّص.
المبحث الخامس: تنزيل النصّ القرآنيّ على الواقع الغربيّ (قاعدة الغالب وفقه الذرائع)
علمنا أنّ عموم المجتمع الأمريكيّ ينتسب إلى الديانة المسيحيّة، وأنّ كلَّ من لا ينتسب إليها يُعدّ من الأقلّيّات؛ ومن المعلوم أنّ الفقهاء يبنون الأحكامَ على الغالب الشائع ولا يلحقونها بالقياس على ما قلّ وندَر. والغالبُ في المجتمع الأمريكيّ المسيحيّةُ ثمّ اليهوديّةُ ثمّ الإسلامُ ثمّ بقيّةُ النِّحَل، وقاعدةُ الحكم بالغالب تُبقينا في إطار البحث عن حلّ طعام أهل الكتاب. على أنّه ينبغي التنبّه إلى أنّ غلبة المسيحيّة في عموم السكّان لا تستلزم بالضرورة غلبتَها في عمالة المسالخ وصناعة اللحوم، فيُنظر مع الغالب السكّانيّ إلى القرائن الصناعيّة والتنظيميّة ونظام المسلخ ومن يباشر الذبحَ فيه؛ ومن شذّ عن ذلك فلا يُقاس عليه في الحكم العامّ، ويبقى الحكمُ على الحالات الفرديّة كلٌّ على حسب علمه بما يعايش.
وأرى — والله أعلم — أنّه لا يُحتجّ في عموم الحكم بقاعدة سدّ الذرائع على وجهٍ يُفضي إلى التضييق؛ فإنّ القاعدة وإن كانت حقًّا يوجب العملَ بها العقلُ الصحيح، فإنّ العملَ بها فيما يُفضي إلى الحرام غالبًا أمرٌ، وفيما تردّد فيه الأمرُ أو تساوى فيه الاحتمالان موضعُ اجتهادٍ. وأمّا الذرائعُ الضعيفة والتهمةُ البعيدة فلا ينبغي إعمالُ القاعدة فيها فتُسدّ؛ لأنّ العبرة بالغالب، وهي في الغالب لا تُفضي إلى المنكر، فمنعُها ضربٌ من التضييق وإفراطٌ في إعمال سدّ الذرائع.
ولستُ بهذا ممّن يهوّن من شأن القضيّة، ولكنّي أخشى أن نضيّق على المسلمين في مسألةٍ فتنفلت من أيديهم مسائلُ أخرى أهمُّ وأخطر؛ فقد أوقفنا الله في هذه البلاد على ثغر حراسة الدين وتديّن الناس وتقريبهم من معالم دينهم. وإنّ استعمال مبدأ سدّ الذرائع بما يتجاوز المسموحَ به عند أهل العلم قد يفتح نافذةً تنادي بأنّ المسلمين أهلُ تشدّدٍ وتعصّب، وهو ما لم تعد الجاليات الإسلاميّة تحتمل المزيدَ منه. فالذريعةُ التي يجب أن تُسدّ هي الخطوةُ القريبة التي تُفضي إلى المنكر يقينًا أو في غلبة الظنّ، أمّا الخطواتُ البعيدة التي بينها وبين الحرام خطواتٌ أدنى، فتحريمُها بحجّة سدّ الذريعة هو نفسه ذريعةٌ إلى التشديد والتضييق يجب أن تُسدّ.
إنّ تحريم الذرائع التي تُفضي إلى الحرام قطعًا أو غالبًا هو من قبيل تحريم الوسائل لا المقاصد، ولذا فما حُرّم من هذا القبيل يباح عند الحاجة الراجحة؛ كما قال ابن تيمية: «ما كان منهيًّا عنه لسدّ الذريعة فإنّه يُفعل لأجل المصلحة الراجحة»، وكما فصّل القرافيُّ وابنُ القيّم في أنّ ما حُرّم للذريعة يباح للمصلحة الراجحة. بل إنّ القرافيّ قرّر أنّ الذريعةَ كما يجب سدُّها يجب فتحُها، ونبّه ابنُ عاشورٍ إلى أنّ الشريعة كما سدّت ذرائعَ الفساد فتحت ذرائعَ المصالح فجعلت لها حكمَ الوجوب. وفتحُ الذرائع لم يكن محلَّ خلافٍ بين العلماء، وإنّما الخلافُ في سدّها، ولذلك اعتُبر من الأدلّة عند مالكٍ وأحمد.
وعليه فإنّ الحكم فيما يخرج إلى الأسواق المحلّيّة في الولايات المتّحدة إنّما الأصلُ فيه ما غلب على جمهور العاملين، وهم في الأصل من جملة أهل الكتاب الذين أحلّ الله تذكيتَهم وطعامَهم؛ فإن تيقّن المسلمُ برأي العين أو بالخبر القاطع أنّ من يمارس الذبحَ فيما يأكل ليس مسلمًا ولا كتابيًّا، فله حالتُه الخاصّة التي لا تُقاس على باقي أفراد المجتمع. وإلى أن يسخّر الله مجموعةً من رجال الأعمال المسلمين يقومون على مشاريع الذبيحة الموافقة للشريعة ويتوفّر البديلُ الحقّ، فالأمرُ في إطار الإباحة بما يسّر الله من أصل التشريع وبما غلب على حال المجتمع من كونهم أهلَ كتابٍ يحلّ لنا طعامُهم.
المبحث السادس: هل يُشترط لاعتبارهم أهلَ كتابٍ التزامُهم بكتابهم وتعاليم دينهم؟
اعتبارُ أصل الديانة هو محلُّ النظر عندنا في الحكم على ذبائحهم؛ فلا يخلو المجتمعُ ممّن يتمسّكون بأصل الدين. وقد ابتُلينا في مجتمعاتنا الإسلاميّة بمن ابتعدوا عن أصل الدين فتركوا الصلاة والصيام والزكاة والحجّ، وارتكبوا الفواحشَ والموبقات، ولا نجزم بكفر هؤلاء جميعًا ما لم يكن منهم إنكارٌ لما هو معلومٌ من الدين بالضرورة؛ ومن خلال التجربة والواقع تدرك أنّ كلّ من ينتسب إلى دينٍ يُقرّ بما فيه وإن لم يعمل به أو ببعضه.
وليس المقصودُ من هذا القياس التسويةَ بين كفر أهل الكتاب وفسق عصاة المسلمين؛ فبين المقامين فرقٌ ظاهرٌ لا يخفى، وإنّما المقصودُ التنبيهُ إلى أنّ ضعف التديّن أو تفشّيَ المعصية لا يرفع بمجرّده الاسمَ الشرعيّ الذي رُتّبت عليه الأحكام، إلا إذا ثبت انتقالُ الشخص أو الجهة عن ذلك الوصف إلى وصفٍ آخر مؤثّرٍ في الحكم. فإنّ تحوّل الدين إلى مجموعةٍ من الطقوس والشعائر — كأداء بعض المسلمين صلاةَ الجمعة أو حضورهم صلاةَ العيد أو اجتماعهم على الجنائز — لا يضفي عليهم صبغةَ الدين، وفي الوقت نفسه لا يخرجهم عن رِبقته. فصرنا في حاجةٍ إلى بحث الفرق بين الدين والتديّن، وهو ما نبّه إليه ربُّ العالمين حين قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢]، وهو الخطابُ المشترك مع ما خاطب الله به بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤].
فالدينُ بثوابته وأصوله قائمٌ في الإسلام لا يقلّ من قيمته ما يمارسه بعضُ أتباعه من انتهاكاتٍ؛ وقد استقرّ في قلوبنا قولُه: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. وقد أخبرنا الله بما ألحقه أهلُ اليهوديّة والنصرانيّة بأديانهم، وعلم ذلك فيهم وأبقى عليهم في جملتهم مسمّاهم ولقبهم. ويبقى لنا أن نعيش في كنف الوصيّة المشتركة: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: ١٣١]، وأن نقول إنّ انحرافهم عن أصول ديانتهم لا يمنع من مؤاكلتهم أو تناول ذبائحهم بما سبق تفصيلُه؛ وهذا الحكمُ يشمل أيضًا ذبيحةَ أهل الفرق الضالّة أو الفاسق بكبيرةٍ أو ما هو محلّ خلافٍ في كفر تاركه.
ضوابط عمليّة للمسلم في أمريكا (ثمرة البحث)
- الأصلُ في ذبيحة المسلم والكتابيّ الحلُّ إذا تحقّقت التذكيةُ ولم يثبت مانعٌ معتبَر.
- لا يخرج اليهودُ والنصارى من اسم أهل الكتاب بمجرّد ما عندهم من تحريفٍ أو كفرٍ أو ضعف التزامٍ؛ إذ البحثُ في أصل الحكم المتعلّق بالطعام لا في صحّة العقيدة.
- إذا علم المسلمُ على التعيين أنّ الذابحَ وثنيٌّ أو لا دينيٌّ، أو أنّ جهةً بعينها يغلب على مباشرة الذبح فيها هؤلاء، لم يعمل بأصل الحلّ في تلك الحالة المعيّنة.
- إذا ثبت أنّ الحيوان يموت بالصعق أو الخنق أو الآلة قبل الذبح لم يجز أكلُه؛ لأنّ الإشكال في فقد التذكية لا في ديانة الذابح.
- التحرّي مطلوبٌ بقدر الطاقة والقرائن، لا على وجه الوسوسة ولا التكليف بما لا يُطاق.
- وجودُ البديل الحلال الموثوق أولى وأبرأ للذمّة حيث تيسّر بلا حرج، لكنّه لا يجعل غيرَه حرامًا بمجرّد وجوده.
- فتاوى البلاد الإسلاميّة التي يتيسّر فيها الحلالُ لا تُنقل إلى واقع الأقلّيّات إلا بعد فقه الفروق في الحاجة والغالب والبدائل.
- على المؤسّسات الإسلاميّة في الغرب أن تعمل على إنشاء بدائلَ حلالٍ موثوقة، لا أن تجعل غيابَ البديل سببًا لتضييقٍ دائمٍ على الناس.
الخاتمة: النتائج والتوصيات
وفي الختام نحمد الله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله.
أبرز النتائج:
- فرّق القرآنُ بين أهل الكتاب والمشركين تسميةً وحكمًا؛ والعطفُ بينهما في آياتٍ متعدّدةٍ يقتضي المغايرة، وهي مغايرةٌ تُثبت بقاءَ وصف أهل الكتاب وما رُتّب عليه من أحكامٍ خاصّة. وما ورد من وصف بعضهم بالكفر أو الشرك يقرّر الحكمَ العقديّ على ما أحدثوه، ولا يلزم منه إلغاءُ الاسم القرآنيّ في باب المعاملات.
- مسمّى «أهل الكتاب» باقٍ لهم في القرآن مع ما حكاه عنهم من الانحرافات، وعليه تنبني أحكامُ المؤاكلة والمناكحة الخاصّة بهم.
- الإجماعُ منعقدٌ على أصل حلّ ذبائحهم بنصّ آية المائدة، والخلافُ المحكيّ إنّما هو في الفروع: كسماع الإهلال بغير اسم الله، ونصارى بني تَغلِب، والشحوم المحرَّمة عليهم.
- لا يُشترط لاعتبارهم من أهل الكتاب في هذا الباب التزامُ كلّ فردٍ بتعاليم دينه؛ فالعبرة بأصل الانتساب الدينيّ العامّ لا بدرجة التديّن الفرديّ، مع بقاء الفرق العقديّ الظاهر بين كفر أهل الكتاب وفسق عصاة المسلمين.
- تنزيلُ الحكم على الأسواق الأمريكيّة مبنيٌّ على قاعدة الغالب مع القرائن؛ فعند الجهل التفصيليّ بحال الذابح يُرجع إلى الغالب العامّ والقرائن الصناعيّة والتنظيميّة، ولا يصحّ التوسّع في سدّ الذرائع بما يضيّق على الجاليات بغير موجب، مع بقاء الورع الشخصيّ لمن أراد من غير إنكارٍ على المترخّص.
- أهليّةُ الذابح شرطٌ، وطريقةُ الذبح شرطٌ آخر مستقلٌّ؛ فما ثبت فيه موتُ الحيوان قبل تذكيته مُنع للطريقة لا لدين الذابح، وفق ما فصّلته قرارات المجامع الفقهيّة.
التوصيات:
- وصيّةُ كلّ مسلمٍ أن يراعيَ الأولويّات في تناول مطاعمه، وألّا ينتقل من مرحلةٍ إلى التي تليها إلا بعد أن يستنفد أسبابَ الأولى.
- حضُّ بعض رجال الأعمال المسلمين على إنشاء مشاريعَ تخدم الجاليةَ المسلمة في أمريكا بما يضمن — على أقلّ تقدير — ذكرَ الله على كلّ ذبيحة.
- إيجادُ مشرفين مسلمين على الذبح في المسالخ العامّة كما يوجد لغير المسلمين مندوبون يقرّون الذبح، كما يفعل اليهودُ في غالب مواطنهم استثمارًا للإعفاء الدينيّ الذي يكفله القانونُ الفيدراليّ.
- إعدادُ دليلٍ فقهيٍّ عمليٍّ ميسَّرٍ لمسلمي أمريكا يفرّق بين أصل حكم ذبائح أهل الكتاب وبين مسائل الذبح الصناعيّ وشهادات الاعتماد.
- تكوينُ لجانٍ محلّيّةٍ في الولايات والمدن الكبرى للتواصل مع المسالخ والشركات والتحقّق من طرق الذبح.
- اعتمادُ خطابٍ فقهيٍّ متوازنٍ يجمع بين الورع الفرديّ والتيسير العامّ، ولا يحوّل الاحتياطَ الشخصيّ إلى إلزامٍ جماعيّ.
والله تعالى أسأل أن يوفّقنا والمسلمين لما فيه الخيرُ والرشادُ والهداية، وأن يغفر لي تقصيري.
تنويه: هذه نسخةٌ منشورةٌ على الموقع بصيغةٍ مهيّأةٍ للقراءة، مع توثيق الأحاديث والآثار في الحواشي. ولفظُ البحث ومضمونه على ما قرّره مؤلّفُه. © جميع الحقوق محفوظة · drahmedabouseif.com