المرأة والدعوة في المجتمع الغربي
في أهليّة المرأة وحقِّها في الدعوة، ونوازلِ حضورها الإعلاميّ والعامّ في الغرب
المؤتمر السنوي العاشر لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (AMJA)
الولايات المتحدة الأمريكية
مارس ٢٠١٣م
47
العربية
ملخَّص البحث
بحثٌ يؤصِّل لأهليّة المرأة الكاملة في الإسلام — السياسيّة والتكليفيّة وفي الشهادة والإجارة — ثمّ يُنزِّل ذلك التأصيل على نوازلِ دعوتها في المجتمع الغربيّ: محاضرتِها في المجامع المختلطة، وظهورِها الإعلاميّ، وتقديمِها للبرامج، ومنعِ الزوج لها من النشاط الدعويّ، ووعظِها الرجالَ في المساجد والمؤتمرات. ويقرِّر — بين طرفَي الإفراط والتفريط — موقفًا وسطًا منضبطًا بالضوابط الشرعيّة، يجعل المرأةَ جزءًا فاعلًا في المجتمع دون انفلاتٍ ولا انكفاء.
النص الكامل
⏱ 53 دقيقة قراءةبحثٌ مُحكَّمٌ مُقدَّمٌ إلى المؤتمر السنوي العاشر لمجمع فقهاء الشريعة بأمريكا (AMJA) — «القضايا المعاصرة التي تواجه المرأة المسلمة في الغرب»، ١–٣ مارس ٢٠١٣م. إعداد: د. أحمد محمد علي أبو سيف (Ahmed Abouseif)، إمام المركز الإسلامي بتوليدو–أوهايو (TMCC)، والمدير الأسبق للإدارة العامة للإرشاد الديني بوزارة الأوقاف المصرية. (الآراء الفقهية في البحث تخصُّ مؤلِّفه ولا تمثِّل المجمع.)
المقدمة
الحمد لله والثناء عليه، والصلاة والسلام على عبده ونبيِّه ورسوله ﷺ، وبعد.
بناءً على ما شرَّفني به إخواني ومشايخي العلماء — القائمون على أعمال مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا — من التكليف بإعداد ورقة عمل حول "الدور الدعوي للمرأة في الغرب"، فإني أُصدِر هذا البحث بما علمته من أعمال هذا المجمع ودوره في معالجة القضايا المعاصرة، وأهمية مثل هذه المجامع الفقهية التي يتوافر فيها علماء متخصصون في مجالات العلم الشرعي المختلفة.
ولعلِّي أستعين في بيان ذلك بما صرَّح به فضيلة الإمام أ.د/ صلاح الصاوي — في بيان صحفي له لموقع المسلم، وتناقلته مواقع إلكترونية أخرى(١) — حيث قال حفظه الله: مجمع فقهاء الشريعة بأمريكا الشمالية مؤسسة علمية غير ربحية تتكوَّن من مجموعة مختارة من فقهاء الأمة الإسلامية وعلمائها، تسعى إلى بيان أحكام الشريعة فيما يَعرِض للمقيمين في أمريكا من النوازل والقضايا.
وتتلخص أهداف المجمع فيما يلي:
١- إصدار الفتاوى فيما يَعرِض عليه من قضايا ونوازل لبيان حكم الشريعة فيها.
٢- إعداد البحوث والدراسات الشرعية التي تتعلق بأوضاع المسلمين في المجتمع الأمريكي، وما يجدّ من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والتعليمية التي تواجههم في هذا المجتمع، وبيان الحلول الفقهية المناسبة لها، والإشراف على تنفيذها.
٣- دراسة وتحليل ما يُنشر عن الإسلام والتراث الإسلامي في وسائل الإعلام، وتقويمه؛ للانتفاع بما فيه من رأي صحيح، أو تعقُّب ما فيه من أخطاء بالتصحيح والردّ.
الحاشية (١): مواقع إلكترونية: almoslim.net/node/86690 — lahona.com (show_news nid=58213) — lahona.com (show_news nid=59700).
٤- معاونة المؤسسات المالية الإسلامية بإعداد البحوث والدراسات، وابتكار صيغ التمويل وعقود الاستثمار، وتقديم ما تطلبه من الفتاوى والاستشارات، وتدريب كوادرها على ذلك.
٥- إقامة دورات تدريبية لأئمة ومديري المراكز الإسلامية في مختلف المجالات الفقهية، كقضايا الأسرة والقضايا المالية وقضايا التحكيم الشرعي وغيرها.
٦- دعم التعاون بين المجمع وهيئات والمجامع الفقهية الأخرى؛ للوصول إلى ما يشبه الإجماع الكوني على المُلزِم من قضايا الأمة وثوابتها.
٧- معالجة قضية المواطنة، وما تفرضه من حقوق وواجبات على المسلمين الذين يتمتعون بحق المواطنة في الغرب.
٨- دعم أنشطة لجان التحكيم الشرعية التي تقيمها الجاليات الإسلامية في البلاد الغربية، ومراجعة ما تَرفعه إليه من قرارات وتوصيات، وإعداد تقنينٍ ميسَّرٍ للأحكام الفقهية في أبواب الأسرة والمعاملات المالية يمثل مرجعاً لجهات التحكيم الناشئة في الغرب.
٩- إنشاء صندوق المجمع للزكاة والتكافل الاجتماعي في حدود ما تسمح به القوانين والنظم، والحصول على موافقة الجهات المختصة على ذلك(١).
ولعل المجمع بأهدافه هذه يمثل نموذجاً يُحتذى لما تحتاج إليه الأمة من مثل هذه المجامع الفقهية التي تتوحد الأمة على ثغرها، وتُمضي من مكابدة آلام الفتاوى الفردية التي تخرج على الناس جملةً، مع أن الأصل فيها حالةٌ فردية، وذلك ما تشكو منه جموع الجماهير، خاصةً مع انتشار القنوات الفضائية وتعرُّض المتحدثين فيها لأسئلة المستفتين؛ وإجابة الفرد تختلف تماماً عن فتوى الجماعة أو الأمة. ومعلوم أن لكل مِصرٍ عاداته وأعرافه التي لا بد وأن تُعتبر، حال الفتوى فيها، ما لم يتناقض مع أصول الدين وثوابت الشريعة.
التمهيد
ويشتمل على:
مفردات البحث
المرأة:
- جاء في لسان العرب(١): المرء: الإنسان... المرء بأصغريه: قلبه ولسانه. والمرء: الرجل... مَرُؤَ يَمرُؤ. ومَرأة: مؤنث الرجل، وهي تأنيث كلمة مرء، وتصغيرها (مُرَيّة)... وامرأة هي تأنيث امرئ... وأيضاً هي الآنية الكاملة، أي تنكيرُ شأنها إذا قيل: تزوجت امرأة، يريد (كاملة)، كما يُقال: فلان رجل، أي كامل الرجولة. ويقال في تصغير شأن المرأة: المُرَيّة... ومُرء (بضم الميم): الرجل.
ويمكن التعبير عن مصطلح المرأة بما يلي:
- المرأة: مصطلح عربي يعبِّر عن الكائن البشري الذي خلقه الله تعالى من شريكه في الحياة (الرجل)، وأطلق عليه لفظ الأنثى، وتبيانًا مع شريكها — الرجل — في منظومة الحقوق والواجبات الشرعية والحياتية، ولا تتباين عنه إلا فيما يخصُّ طبيعتها ووظائفها الفسيولوجية.
الحاشية (١): لسان العرب، مادة (مرأ).
- ويُعبَّر عن ذلك بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: ١٣].
- وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١].
- وقيل: هي الكائن اللطيف الذي يتحد مع الرجل في أصل الخِلقة، ويختلف معه في البنية الفسيولوجية(١).
- وقيل: إن المرأة هي ذلك المخلوق محضن الرجال، ومربية الأجيال، وهي حصن المجتمع الحصين الذي إذا تهاوى تهاوت معه الأسرة.
الدعوة:
الدعوة والدعاء: الطلب؛ والدعاء إلى الشيء: الحثُّ على قصده. والدعوة إلى الله: من طلب الإيمان به وعبادته وحده لا شريك له، والعمل بطاعته وترك معصيته؛ فإن الله سبحانه خلق الخلق لعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(٢). وقد أمر الله بالدعوة إلى سبيله، وردِّ الشاردين، وتعليم الجاهلين، وتذكير الغافلين؛ فأنزل كتبه، وأرسل رسله من أجل الدعوة إليه، ودعا عباده إلى الرجوع إليه بها على لسان رسله، فقال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾(٣).
الحواشي: (١) «دور المرأة في الدعوة وإصلاح المجتمع» للدكتور/ طاهر مهدي البُلي، عضو المجلس الأوربي للإفتاء والبحوث، أستاذ الفقه المقارن والأصول والمقاصد بالأكاديمية للعلوم الإسلامية ببروكسل. (٢) سورة الذاريات، الآيات ٥٦–٥٨. (٣) سورة النحل، الآية ٢.
وقال تعالى: ﴿رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾(١)؛ ليُدفعوا إلى سبيل الجنة وينجوا من النار، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ﴾(٢)، ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَىٰ دَارِ السَّلَامِ﴾(٣)، ﴿يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾(٤).
والمقصود من الدعوة في العُرف: هو حثُّ الناس على الخير والهدى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ليفوز بسعادة الدنيا والآخرة. وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: دعوة الأمة المحمدية جميعَ الأمم إلى الإسلام، وأن يشاركوهم فيما هم عليه من الهدى ودين الحق. وهذا واجب هذه الأمة بمقتضى جعلها خير أمة أُخرجت للناس، وبحكم وصف المؤمنين الذين أُذِن لهم في القتال في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الحج: ٤١].
النوع الثاني: دعوة المسلمين بعضِهم بعضًا إلى الخير، لقوله سبحانه: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] الآية.
النوع الثالث: ما يكون بين الأفراد بعضِهم مع بعض بالدلالة على الخير والترغيب فيه، والنهي عن الشر والتحذير منه، لقوله عز وجل: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١–٣]، ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] أي في دين الله.
الحواشي: (١) سورة النساء، الآية ١٦٥. (٢) سورة البقرة، الآية ٢٢١. (٣) سورة يونس، الآية ٢٥. (٤) سورة إبراهيم، الآية ١٠. (٥) وهبة الزحيلي، التفسير المنير (٨/٥٠٦).
وشروطها ثلاثة:
الشرط الأول: أن يُرِيد بها وجه الله جل وعلا، وألا يريد بها الداعي جزاءً غير ذلك من عَرَض الدنيا، ولا من ثناء الناس ومحامدهم له وقُربهم إليه.
الشرط الثاني: أن يكون الداعي متبِعًا في ذلك طريقَ رسول الله ﷺ، فلا يدعو على حسب أوضاعٍ يضعها هو أو طائفةٌ حوله، فيجب أن تكون دعوته على سنة النبي ﷺ.
الشرط الثالث: أن يكون الداعي على بصيرةٍ بدعوته؛ بأن يكون على علمٍ وفهمٍ بما يدعو إليه، فيعرف ما هو عليه من ذلك، وما يجب أن يُترك ويُجتنب؛ وإن لم يكن كذلك صارت دعوته تُفسِد أكثر مما تُصلِح(١).
وإذا لم يقم أهلُ الإقليم أو أهلُ القُطر المعنيِّ بالدعوة على التمام، صار الإثمُ عامًّا، وصار الواجبُ على الجميع، وعلى كل إنسانٍ أن يقوم بالدعوة حسب طاقته وإمكانه.
فعند قلة الدعاة، وكثرة المنكرات، وغلبة الجهل، تكون الدعوة فرضَ عينٍ على كل واحدٍ بحسب طاقته. ولعل ذلك مرادُ النبي ﷺ في الحديث: «مَن رأى منكم منكرًا فليغيِّره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان»(١). وبهذا يُعلم أن كونها فرضَ عينٍ وكونها فرضَ كفايةٍ أمرٌ نسبيٌّ يختلف؛ فقد تكون الدعوة فرضَ عينٍ بالنسبة إلى أقوامٍ وإلى أشخاص، وسُنّةً بالنسبة إلى أشخاصٍ وإلى أقوام؛ لأنه وُجِد في عِلمهم وفي مكانهم من قام بالأمر وكفى عنهم.
المجتمع الغربي: قصدت بالتنويه إلى هذا المصطلح ما يخصُّ بحثَنا من الفوارق الكبيرة التي بين كلا المجتمعين الغربي والشرقي، خاصةً فيما يتعلق بأمر الدعوة، وما يصاحبه من اختلاف اللغة والتقاليد والثقافات.
- أما اللغة: فأصل العلوم الشرعية إنما سُطِّرت باللغة العربية، وفيها ما هو معلومٌ من الفصاحة والبيان، ومن ثَمّ لا يَيسُر إدراكُها ولا يُمكن عِيانُها إلا المتخصصون وأهل الفن؛ وذلك ما لا يَيسُر لأبناء وبنات البيئات التي تكون اللغةُ العربية فيها هي اللغةَ الثانية وليست اللغةَ الأولى.
الحاشية (١): رواه مسلم (٤٩)، عن أبي سعيد الخدري.
- وأما التقاليد: فهي جمعٌ لكلمة تقليد، وهي: جملةُ ما اعتاده أبناءُ كل مجتمعٍ وعدُّوه من القواعد المنظِّمة لحركة هذا المجتمع، وتوقَّعوا حدوثَه في المواقف المختلفة، مما قلَّدوا فيه سابقيهم.
وهي من الفعل «قلَّد تقليدًا»، ومعناها أيضًا أن يُقلِّد جيلٌ جيلًا أساليبَ الجيل الذي سبقه ويسير عليها، إن كان ذلك في المَلبس أو في السلوك والتصرفات أو في العقائد والأعمال المختلفة التي يرثها الخلفُ عن السلف(١).
والعرب يكرهون إنشاءَ العادات الجديدة على عاداتهم المتوارثة؛ خوفًا أن يكون في هذه العادات الجديدة ما يُفقِد مجتمعَهم بعضَ المواصفات الكريمة التي يفضِّلون بقاءها حيةً فيه، ويقولون في ذلك: «أبطِلْ عادةً ولا تُنشئ عادة».
الحواشي: (١) العادات: جمعٌ لكلمة عادة، وهي من الفعل «عاد يعود»؛ يقال: عاده الشوقُ أو الحنينُ أي رجع إليه مرةً بعد مرة، ويقال: عوَّدته على كذا أي جعلته يُعاوِد هذا الشيء حتى يصير عادةً له. ومعنى هذه الكلمة ومفهومها الدارج: تلك الأشياء التي يربو الناسُ على عملها أو القيام بها، وتتكرَّر حتى تصبح شيئًا مألوفًا ومأنوسًا؛ وهي نمطٌ من السلوك أو التصرف يُعاد حتى يُفعل تلقائيًّا. فالعادة إذًا هي ما تكرَّر فعلُه حتى أصبح ديدنًا، وألِفته الأبصارُ لكثرة مشاهدته في حياة الناس اليومية. (٢) في المجتمعات التقليدية: هي ما انتقل إلى الإنسان من آبائه ومجتمعه من العقائد والعادات والعلوم والأخلاق.
الفصل الأول: مكانة المرأة في الإسلام
قال ﷺ: «النساء شقائق الرجال»(١).
المرأة هي أساس المجتمع؛ حيث إنها الأم، والزوجة، والأخت، والبنت، والعمة، والخالة — كالوالد والولد والأخ والعم والخال — فهي نصف المجتمع في البشر؛ إذ ما البشر في أصل الخلقة إلا ذكرٌ وأنثى، أو رجلٌ وامرأة، وما المجتمعات الطبيعية كلُّها إلا زوجٌ وزوجة. قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(٢).
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(٣).
وقال تعالى: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ ۚ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ ۖ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُصْرَفُونَ﴾(٤).
فالمرأة إذًا نصفُ المجتمع حسًّا ومعنًى، وهذا أمرٌ من الناحية المادية ظاهر؛ فالتعداد السكاني غالبًا ما يكون نصفُ عدد النساء فيه أكثر من الرجال، وعلى أقل تقدير يكون مساويًا للرجال. وأما من
الحواشي: (١) حديث «النساء شقائق الرجال»: رواه أبو داود (٢٣٦) والترمذي (١١٣) وابن ماجه (٦١٢) وأحمد (٢٦١٩٥)، عن عائشة؛ صحّحه الألباني. (٢) الآية ١٣ من سورة الحجرات. (٣) الآية ١ من سورة النساء. (٤) الآية ٦ من سورة الزمر.
حيث المعنى، فإن المرأة سكنٌ للزوج، لا يتمُّ استقرارُ حياته ولا بناءُ أسرته ولا تكاملُ آماله وطموحاته إلا من خلال وجود الزوجة معه.
ثم كذلك هي نصفُ المجتمع من حيث الإعدادُ والتربيةُ والتهيئةُ للأجيال؛ فهي تتولَّى الشطر الأساسي المهمّ لإعداد الأجيال المسلمة في مرحلة الطفولة، حتى تُسلِّمهم إلى الآباء وإلى الرجال عند بدايات البلوغ والتكليف والمراهقة، مع مشاركتها — أيضًا — في هذه المرحلة. بل إن قضية حمل الجنين بصورة طبيعية تمثِّل محورَ ارتكازٍ في النظر والتقييم — لا لأصل خِلقة المرأة من حيث كونُها مخلوقًا لله تعالى، وإنما من حيث تقييمُ دورها ومكانتها.
ولقد بلغت مكانةُ المرأة في الإسلام منزلةً عاليةً لم تبلغها في ملةٍ ماضية، ولم تُدرِكها أمةٌ تالية.
فالمرأة في القرآن: وردت كلمة «المرأة» في القرآن ٢٤ مرة، وقد ضمَّنها معاني المروءة والعفة والإنسانية. وهي التي سمع اللهُ قولَها وهي تجادل، وهي التي رُدَّ عليها أن «قَرِّي عينًا ولا تحزني»، وتَعلم أن وعد الله حق، وهي التي أنزل الله فيها من الآيات ما ثبَّت به فؤادَها. قال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ١٩٥].
فمن امرأة عمران إلى امرأة العزيز، ومن امرأةٍ ذُكِرت في سياق الإيمان إلى التي بُشِّرت بإسحاق نبيًّا من الصالحين، ومن بلقيس التي مَلَكت وأوتيت من كل شيء إلى فتاتَي مَدْيَن، ومن امرأة فرعون التي آثرت جوارَ ربها على ثراء زوجها إلى تلك المؤمنة رضي الله عنها التي وهبت نفسها لخير خلق الله ﷺ. ويقابلهن تلك اللواتي كنّ من الغابرين: امرأةُ نوح، وامرأةُ لوط، وحمّالةُ الحطب. فالقرآن الكريم أعلمَ عن المرأة بكل أحوالها، وأخبر عن كل أدوارها.
إن تكريم الإسلام للإنسان اشتركت فيه المرأةُ والرجلُ على حدٍّ سواء، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾(١).
فهما في هذه الدنيا سواء؛ فقد جاء الخطابُ بالتكاليف الشرعية لكليهما على حدٍّ سواء: فالأمر بالإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وكذا الفرائض من صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ وحجٍّ، والواجبات الاجتماعية من حيث بِرُّ الوالدين وصلةُ الأرحام وغيرها — لا يوجد نوعٌ من التمييز بين الرجل والمرأة في أصل التكليف بها والمسؤولية عنها. وكلُّ ما كان من الاختلاف في ذلك إنما كان لصالحها، مراعاةً لطبيعتها وترفُّقًا بها — من مثل رفع التكليف بالصلاة خلال مدة الحيض والنفاس، أو إرجاء الصيام وبعض أعمال الحج خلالهن. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾(٢).
وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(٣). وقال تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾(٤).
ومن حيث الثوابُ والعقابُ المترتِّبُ على الأعمال سواء: من يعمل صالحًا ذكرًا كان أو أنثى فله مثلُ ما للآخر من الثواب، ومن يعمل من السيئات من ذكرٍ أو أنثى فله مثلُ ما للآخر من العقاب، قال
الحواشي: (١) الآية ٧٠ من سورة الإسراء. (٢) الآية ١١٠ من سورة البقرة. (٣) الآية ٧١ من سورة التوبة. (٤) الآيتان ٢٣–٢٤ من سورة الإسراء.
تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ ۖ فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾(١).
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]. وقال عز من قائل: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٤].
ومن حيث الاستحقاقُ سواء، قال تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾(٢). وقال جل ثناؤه: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾(٣). وقال تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ﴾(٤).
وهذا التكريمُ الذي حظيت به المرأةُ في الإسلام لا يوجد له مثيلٌ في مذهبٍ أو نِحلةٍ أخرى؛ فلا هي في الإسلام مسلوبةُ الحقوق، ولا هي من سَقَط المتاع، ولا هي كائنٌ لا نفس له، ولا هي في نظرة الإسلام رمزٌ من عمل الشيطان. وليس لأحدٍ — باسم الدين — الحقُّ أن يبيعها أو يشتريها. ولها حقُّها في الحياة، واختيارِ زوجها، وبذلِ مالها بالتكسُّب والتنقُّل والمتاجرة بالمعروف. ولا تنتهي مهمتُها في الحياة بانتهاء حياة زوجها، ولا تَقع عليها اللعنةُ لمجرد الاختلاف معه أو طلبِ الفراق عنه بالمعروف — بخلاف ما وُصِفت به في اليهودية من أنها «أمرُّ من الموت»، ومن دون ذلك ما جاء في العهد
الحواشي: (١) الآية ١٩٥ من سورة آل عمران. (٢) الآية ٧ من سورة النساء. (٣) الآية ٢٢٨ من سورة البقرة. (٤) الآية ١٩٥ من سورة آل عمران.
القديم: «دُرتُ أنا وقلبي لأعلم ولأبحث ولأطلب حكمةً وعقلًا، ولأعرف الشرَّ أنه جهالة، والحمقَ أنه جنون؛ فوجدتُ أَمَرَّ من الموت: المرأةَ التي هي شِباكٌ، وقلبُها أشراكٌ، ويداها قيودٌ. الصالحُ قُدّامَ الله ينجو منها، أما الخاطئُ فيؤخذ بها...»(١).
ولا يختلف الأمرُ كثيرًا في العصور الوسطى والحديثة التي كانت تَعُدُّ المرأةَ فيها مخلوقًا في المرتبة الثانية، أو هي من اجتهادهم: أهي إنسانٌ أم لا؟ وهل هي مخلوقةٌ لمهمةٍ أخرى غير خدمة الرجل؟ وهل لها الحقُّ في أن تتملَّك الأشياء والأموال كالرجال أم لا؟ وهل يمكنها أن تهب أو أن تبيع أو أن تشتري؟ وقد نصَّت المادةُ السابعة عشرة بعد المئتين من القانون الفرنسي على ما يلي: «المرأة المتزوجة — حتى لو كان زواجُها قائمًا على أساس الفصل بين ملكيتها وملكية زوجها — لا يجوز لها أن تهب، ولا أن تنقل ملكيتها، ولا أن ترهن، ولا أن تملك بعوضٍ أو بغير عوضٍ، بدون اشتراك زوجها في العقد أو موافقته عليه موافقةً كتابية».
وأما عن حال المرأة المعاصرة في أوربا، فالأمر لا يخفى على من له لُبٌّ أو ألقى السمع أو أراد استبصارَ الحقيقة: فمِن ظاهرٍ يثير الغرائزَ ويُغري بالتقليد، وبين جحيمٍ مستعرٍ في بيوتٍ يُبذل فيها العنفُ الخفيُّ، والحالاتِ التي تشكو من القهر النفسي للنساء، ومعدلاتِ الانتحار ونسبِ الطلاق — كلُّ ذلك ينمُّ عن حقيقة امتهانٍ مغلَّفٍ بزخرف القول ومعسول الكلام. وليس أدلَّ على ذلك من استغلالها بدَنًا وفتنةً في الترويج للبضائع وبذل السلع؛ فهي الواجهة العريضة لجلب الزبائن للمحلات الكبرى، وربما تقاضت في مقابل ذلك المالَ الكثير أو القليل، لكنها لن تنال في مقابله أيَّ نوعٍ من التقدير، لا من أهلها لها ولا من الآخرين.
ثم إنها ما أن تعجز عن العمل إلا ومصيرُها القعودُ في بيوتٍ بدون سائلٍ أو طارق، إلا ما يلاحقها من ديونٍ تتراكم وحالٍ تزداد سوءًا؛ وإن كانت ثمَّةَ كفالةٌ من الدولة فإنها لن تُغني عن
الحاشية (١): سفر الجامعة (الجامعة)، الإصحاح ٧: ٢٥–٢٦.
الدعمَ النفسي الذي كفَله الشرعُ الحنيف للمرأة «الأم» حين قدَّمها النبي ﷺ على الوالد في الحديث؛ قال النبي ﷺ عنها: «أمُّك، ثم أمُّك، ثم أمُّك، ثم أبوك»(١). والأمُّ التي جعل النبي ﷺ الجنةَ تحت قدميها، التي جعلها هي والأبَ وسطَ الجنة، فلا تدخل الجنةَ إلا بهما؛ وقد قال الله جل وعلا: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [الإسراء: ٢٣].
فالأمُّ بناءً عليه أولى في التقديم من حيث العنايةُ والتعهُّد حتى من الوالد، مع كل ما نعلمه من بذل الوالد وعطائه وتعبه وكدِّه؛ غير أن الشريعة تُقدِّر للأم ذلك البذلَ الأول الذي لن يستطيعه أحدٌ على مرِّ الزمن، ويُعرَف للمرأة حقُّها في أنها هي التي حملت وأنجبت(٢). ثم يأتي الوالدُ في المرتبة التالية — وإن كان الأمر لا يخلو، من حيث الفتوى، من مراعاة حال كلا الطرفين بحسب احتياجه؛ فالعناية بالوالد المريض تُقدَّم على مثلها للأم القوية، ويُصار إلى تقديم الأم في العناية حين تستوي الحالةُ عند كليهما.
بل ويرفع النبي ﷺ شعارَ «الجنةُ تحت أقدام الأمهات»، وذلك فيما رواه معاوية بن جاهمة قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله ﷺ — يعني جاهمة — فقال: يا رسول الله، أردتُ أن أغزو، وجئتُك أستشيرك. فقال: «هل لك من أمٍّ؟» قال: نعم. قال: «فالزمْها، فإن الجنة تحت رجليها». ثم ثانيةً، ثم ثالثةً في مقاعدَ شتَّى(٣).
الحواشي: (١) حديث «أمك ثم أمك ثم أمك ثم أبوك»: متفق عليه، رواه البخاري (٥٩٧١) ومسلم (٢٥٤٨)، عن أبي هريرة. (٢) وعن بعض العرب أنه حمل أمَّه على ظهره وهو يقول في حُدائه بذلك: «أحمِلُ أمي وهي الحَمّالة... أرضعتْني الدرّةَ والمَلالة... ولا تُجازَى والدةٌ عَطا». (أثرٌ موقوفٌ أدبيٌّ مشهورٌ لا يثبت بإسنادٍ قويّ، يُذكَر بصيغة التمريض.) (٣) حديث معاوية بن جاهمة «الزَمْها فإنّ الجنةَ تحت رِجلَيها»: رواه النسائي (٣١٠٤) وأحمد (١٥٥٣٨) وابن ماجه، وهو حسن؛ وأمّا لفظ «الجنة تحت أقدام الأمهات» فلا يثبت مرفوعًا بهذه الصياغة.
يقول صاحب «المنار»:
- كان بعضُ البشر من الإفرنج وغيرهم يعدُّون المرأةَ من الحيوانات الأعجمية أو من الشياطين لا من الإنسان؛ فجاء الإسلامُ ليُبطِل ذلك بقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ﴾ [الحجرات: ١٣] الآية، وقوله: ﴿خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١]، وما في معناهما.
- وكان بعضُ البشر من الإفرنج وغيرهم يَرَون أن المرأة لا يصحُّ أن يكون لها دين، حتى كانوا يُحرِّمون عليها قراءةَ الكتب المقدّسة رسميًّا؛ فجاء الإسلام مُخاطِبًا بالتكاليف الدينية الرجالَ والنساءَ معًا، بلفظ المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات(١).
وإن من تكريم الله تعالى للمرأة ما جاء في القرآن الكريم من قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٧١]؛ فأثبت اللهُ للمؤمنات الولايةَ المطلقة مع المؤمنين، فيدخل فيها ولايةُ الأخوّة والتعاونِ المالي والاجتماعي، وولايةُ النصرة الحربية والسياسية — إلا أن الشريعة أسقطت عن النساء وجوبَ القتال بالفعل. فكان نساءُ النبي ﷺ وأصحابِه يخرجن في الغزوات مع الرجال يَسقين الماء، ويُجهِّزن الطعام، ويُضمِّدن الجراح، ويُحرِّضن على القتال. وقد ثبت في الصحيح أن فاطمة عليها السلام بنتَ رسول الله ﷺ كانت تحمل قِرَب الماء — هي وأمُّ سليمٍ وغيرُها — إلى الجرحى في غزوة أُحُد، يَسقينهم ويَغسلن جراحهم. ولما جُرِح رسول الله ﷺ كانت فاطمةُ عليها السلام تولَّت غسلَ جرحه وتضميدَه.
الحاشية (١): تفسير القرآن الحكيم (تفسير المنار) لمحمد رشيد رضا (المتوفى ١٣٥٤هـ).
أهلية المرأة في الإسلام
الشخصُ الطبيعي هو الإنسانُ رجلًا أو امرأة؛ فقد خلق الله عز وجل الإنسانَ وخصَّه بقابلية التكليف، بأن جعل فيه قوةَ فهم الخطاب، والقدرةَ على الاختيار، ليصير أهلًا للامتثال بالفعل أو الترك.
وهذه القابلية هي «الأهلية»؛ أي: الصفة التي يصبح الإنسانُ بموجبها قابلًا لتعلُّق خطاب الشارع بأفعاله وأقواله. وهي تعتمد أصلًا على الإنسانية، ومناطُها باعتدال العقل؛ ويترتب على اتصاف الإنسان بها ثبوتُ جملةٍ من الواجبات عليه، وجملةٍ من الحقوق والمصالح له التي لا بد منها لنهوضه بتلك الواجبات.
والأهليةُ شرطٌ لجميع التصرفات التي تجري فيها الصحةُ والبطلان، كما أن العبادات الدينية تتطلب نوعين من الأهلية: أهليةً لصحة صدور العبادة من الشخص، وأهليةً لوجوب هذه العبادة عليه. والعقوبات الجزائية كذلك بمختلف أنواعها لا بد لاستحقاقها شرعًا وقانونًا من وجود أهليةٍ في الجاني لتحمُّل التبعة والمسؤولية الجزائية.
ولما كان هذا البحث يختصُّ بأهلية المرأة، فإن التوصُّل إلى رسم ملامح أهلية المرأة في الفقه الإسلامي، وبيانِ حدود هذه الأهلية ومدى كونها مستقلةً أو ناقصةً أو تابعةً للغير، ورصدِ ما تختلف به عن أهلية الرجل — يستلزم استحضارَ الغاية التي من أجلها خلق الله تعالى الجنسَ البشري على الأرض، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾.
والتكليفُ بالعبادة يستوجب أهليةَ المكلَّف بما يتناسب مع طبيعة هذا التكليف. ولقد كانت معاملةُ النبي ﷺ للرجال والنساء مبنيةً على هذا التشريع، فيما أمضى على المرأة من شرف التكليف كالرجل، وما طالبها به من الأحكام دون ثمَّةِ اختلافٍ فيما يُعدُّ انتقاصًا لها أو سلبًا لحقها. ولقد عمد الإسلامُ إلى إثبات أهلية المرأة في كل جوانب الدين والدنيا، وتلك بعضُ صورها.
الأهلية السياسية
تُعَدُّ مبايعةُ النبي ﷺ للنساء كالرجال خيرَ شاهدٍ على أهليتها. ومما يُلفت النظرَ أن النبي ﷺ بايع نساءَ الأنصار في عقبة مِنى قبل الهجرة، وبايعهم البيعةَ الثانية الكبرى على المنعة — أي الحماية — مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم. وبايع المؤمنين تحت الشجرة في الحديبية على ألا يفِرُّوا من الموت سنةَ ستٍّ من الهجرة. أما بيعةُ النساء فقد ذُكِر نصُّها في سورة الممتحنة، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ۙ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ ۖ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(١).
نزلت يوم فتح مكة، وبايع النبيُّ ﷺ بها النساءَ على الصفا بعدما فرغ من بيعة الرجال على الإسلام والجهاد، وكان عمرُ بن الخطاب يُبلِّغ عنهنَّ وهو واقفٌ أسفلَ منه.
وقد حضرت هندُ بنتُ عتبة امرأةُ أبي سفيان بن حرب بيعةَ النساء هذه، وهي متنقِّبةٌ متنكِّرةٌ مع النساء لئلا يعرفها رسولُ الله ﷺ — وهي التي كانت أخرجت كبدَ حمزة ولاكتها يوم أُحُد. قال رسول الله ﷺ: «أبايعكنَّ ﴿عَلَىٰ أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾(٢)»، فرفعت هندُ رأسها وقالت: والله إنك لتأخذ علينا أمرًا ما رأيناك أخذته على الرجال — وكنّا نبايع الرجالَ على الإسلام والجهاد — فقال النبي ﷺ: ﴿وَلَا يَسْرِقْنَ﴾، فقالت هند: إن أبا سفيان رجلٌ شحيح، وإني أصبتُ من ماله، فلا أدري أذلك حلالٌ أم لا؟ فقال أبو سفيان: ما أصبتِ من شيءٍ فيما مضى وفيما غبر فهو لك حلال، فضحك رسولُ الله ﷺ وعرفها فقال: «وإنك لهندُ بنتُ عتبة»، قالت: نعم، فاعفُ عما سلف عفا اللهُ عنك. فقال: ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾، فقالت: أوَ تزني الحُرّة؟ فقال: ﴿وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾، فقالت: ربَّيناهم صغارًا وقتلتُموهم كبارًا، فأنتم وهم أعلم — وكان ابنُها حنظلةُ بن أبي سفيان قد قُتِل يوم بدر — فضحك عمرُ رضي الله عنه
الحواشي: (١) الآية ١٢ من سورة الممتحنة. (٢) من الآية ١٢ من سورة الممتحنة.
حتى استلقى، وتبسَّم رسولُ الله ﷺ. فقال: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾، وهو أن تَقذِف ولدًا على زوجها وليس منه، قالت هند: والله إن البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. فقال: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾، قالت هند: ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في شيء. فأقرَّ النسوةُ بما أخذ عليهن، وكان النبي ﷺ يقول لهن عند المبايعة: «فيما استطعتنَّ وأطقتنَّ»، فيقلن: اللهُ ورسولُه أرحمُ بنا من أنفسنا.
ثم بايع رسول الله ﷺ الرجالَ بيعةَ النساء، كما في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه قال: كنا مع رسول الله ﷺ في مجلسٍ فقال: «تبايعوني على ألا تُشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم» — وقرأ الآيةَ التي أُخِذت على النساء ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ﴾ — «فمن وفَّى منكم فأجرُه على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارةٌ له، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره اللهُ عليه فهو إلى الله: إن شاء غفر له، وإن شاء عذَّبه».
وروى الإمام أحمد أن فاطمةَ بنتَ عُتبة جاءت تبايع رسولَ الله ﷺ، فأخذ عليها ﴿أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ﴾(١)، فوضعت يدها على رأسها حياءً، فأعجبه ما رأى منها، فقالت عائشة: «أقِرِّي أيتها المرأة، فوالله ما بايعنا إلا على هذا»، قالت: فنعم إذًا، فبايعها بالآية.
أهليتها للتكاليف الشرعية
من المُجمَع عليه — المعلومِ من الدين بالضرورة — أن على النساء ما على الرجال من أركان الإسلام، وأنها مُخاطَبةٌ بكل فروع الشريعة؛ إلا أن الصلاة تسقط عن المرأة في زمن الحيض والنفاس مطلقًا، فتتركها ولا تعيدها لكثرتها. وأما الصيام فيسقط عنها في زمنها، وتقضي ما أفطرته من أيام رمضان لقلتها. وأما حجُّها فيصحُّ في كل حال، ولكنها لا تطوف بالبيت الحرام إلا وهي طاهرة.
الحواشي: (١) من الآية ١٢ من سورة الممتحنة. (٢) من الآية ١٢ من سورة الممتحنة.
أهليتها للثواب والعقاب
لقد جعل اللهُ المرأةَ كالرجل في قضية الثواب والعقاب، فقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(١). وقوله تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾(٢). وذلك من حيث الجزاءُ المترتِّب على الأعمال في الدنيا.
وأما عن الثواب والعقاب الأخرويَّين فقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا ۖ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [غافر: ٤٠].
وقوله تعالى في أولي الألباب الذين يذكرونه كثيرًا ويتفكَّرون في خلق السماوات والأرض ويدعونه: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ ۖ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾(٣)، وفيها وعدهم جميعًا بإدخالهم الجنةَ وحسنِ الثواب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾(٤).
الحواشي: (١) الآية ٩٧ من سورة النحل. (٢) الآيتان ١٢٣–١٢٤ من سورة النساء. (٣) من الآية ١٩٥ من سورة آل عمران. (٤) الآية ٣٥ من سورة الأحزاب.
عن عبد الرحمن بن شيبة، سمعتُ أمَّ سلمة زوجَ النبي ﷺ تقول: قلتُ للنبي ﷺ: ما لنا لا نُذكَر في القرآن كما يُذكَر الرجال؟ فلم يَرُعْني منه يومًا إلا نداؤه على المنبر وأنا أمشط شعري، فلففتُ شعري، ثم خرجتُ إلى حجرةٍ من حُجَر بيتي، فجعلتُ أسمع عند المنبر، فإذا هو يقول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى آخر الآية(١).
وبهذا الأمر كان يَشغَل جملةً من النساء حينها؛ فقد ورد عن أم عُمارة الأنصارية رضي الله عنها أنها أتت النبي ﷺ فقالت: ما أرى كلَّ شيءٍ إلا للرجال، وما أرى النساء يُذكَرن في شيء، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾(٢).
وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ۚ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ٧٢].
أهليتها لتأمين غيرها وإن كان من غير المسلمين
ومن حقوق المرأة السياسية في الإسلام أنها إذا أجارت أو أمَّنت أحدًا من الأعداء المحاربين نفَذ ذلك. فقد قالت أمُّ هانئٍ للنبي ﷺ — وهي بنتُ عمه أبي طالب — يوم فتح مكة: إني أجرتُ رجلين من أحمائي، فقال النبي ﷺ: «قد أجَرْنا من أجرتِ يا أمَّ هانئ»(٣). وفي بعض الروايات أنها أجارت رجلًا فأراد أخوها عليٌّ كرَّم اللهُ وجهَه قتلَه، فشكَتْه إلى النبي ﷺ فأمَّنه وأجاز جوارها.
الحواشي: (١) رواه أحمد (٢٦٥٧٥) والنسائي في السنن الكبرى والطبري، عن أمّ سلمة؛ صحيح، وهو سببُ نزول الأحزاب (٣٥). (٢) ذكره الترمذي (حسن)؛ والمحفوظ في سبب نزول الأحزاب (٣٥) أنه حديثُ أمّ سلمة. (٣) متفق عليه: رواه البخاري (٣٥٧، وله ٣١٧١) ومسلم (٣٣٦)، عن أمّ هانئ؛ وزيادة «وآمَنّا من آمَنتِ» عند أبي داود.
وفي حديثٍ حسنٍ عند الترمذي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن المرأة لتأخذ للقوم» — يعني تُجير على المسلمين أدناهم. وعن عائشة أم المؤمنين قالت: «إن المرأة لتُجير على المؤمنين فيجوز». ونقل ابنُ المنذر أن المسلمين أجمعوا على صحة إجارة المرأة وأمانها.
أهليتها للشهادة وما يترتب عليها من إبرام العقود أو إنفاذ الأحكام الشرعية
ومن الشواهد كذلك ما نصَّ عليه القرآنُ من أن المرأة كالرجل سواء في شهادة اللِّعان، وهو ما شرعه القرآنُ بين الزوجين حينما يَقذِف الرجلُ زوجَه وليس له على ما يقوله شهود: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦–٩].
أربعُ شهاداتٍ من الرجل يعقبها استمطارُ لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ويقابلها ويُبطِل عملَها أربعُ شهاداتٍ من المرأة يعقبها استمطارُ غضب الله عليها إن كان زوجُها من الصادقين. فهذه عدالةُ الإسلام في توزيع الحقوق العامة بين الرجل والمرأة، على صعيدٍ تتحقق فيه الإنسانيةُ سواء.
- وأما قولهم إن شهادة المرأة نصفُ شهادة الرجل في الإسلام، فقد أجاب عن ذلك الإمامُ الأكبر شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت (١٣١٠–١٣٨٣هـ / ١٨٩٣–١٩٦٣م) رحمه الله: إن قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ ليس واردًا في مقام الشهادة التي يقضي بها القاضي ويحكم، وإنما هي في مقام الإرشاد إلى طُرق الاستيثاق والاطمئنان على الحقوق بين المتعاملين وقت التعامل؛ فإن الآية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ ۚ وَلْيَكْتُب بَّيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ۚ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَن يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ﴾ إلى أن قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ﴾.
فالمقامُ مقامُ استيثاقٍ على الحقوق، لا مقامُ قضاءٍ بها. والآيةُ ترشد إلى أفضل أنواع الاستيثاق الذي تطمئنُّ به نفوسُ المتعاملين على حقوقهم.
وليس معنى هذا أن شهادة المرأة في شهادة النساء اللاتي ليس معهن رجلٌ لا يثبت بها الحقُّ ولا يحكم بها القاضي؛ فإن أقصى ما يطلبه القضاءُ هو «البيِّنة».
وقد حقَّق العلامةُ ابنُ القيم أن البيِّنة في الشرع أعمُّ من الشهادة، وأن كلَّ ما يتبيَّن به الحقُّ ويُظهِره فهو بيِّنةٌ يقضي بها القاضي ويحكم؛ ومن ذلك: يحكم القاضي بالقرائن القطعية، ويحكم بشهادة غير المسلم متى وثِق بها واطمأنَّ إليها.
واعتبارُ القرآنِ شهادةَ المرأة في الاستيثاق كالرجل الواحد ليس لضعفِ عقلها الذي يَستلزم نقصَ إنسانيتها ويكون أثرًا له، وإنما هو لأن المرأة — كما قال الشيخ محمد عبده — ليس من شأنها الاشتغالُ بالمعاملات المالية ونحوها من المعاوضات؛ ومن هنا تكون ذاكرتها فيها ضعيفةً، ولا تكون كذلك في الأمور المنزلية التي هي شغلها، فإنها فيها أقوى ذاكرةً من الرجل. ومن طبع البشر عامةً أن يقوى تذكُّرُهم للأمور التي تهمُّهم ويمارسونها ويكثُر اشتغالُهم بها.
فجاءت الآيةُ على ما كان مألوفًا في شأن المرأة، ولا يزال أكثرُ النساء كذلك لا يشهدن مجالسَ المداينات، ولا يشتغلن بأسواق المبايعات؛ واشتغالُ بعضهن بذلك لا ينافي هذا الأصلَ الذي تقتضي به طبيعتُها في الحياة.
وإذا كانت الآيةُ ترشد إلى أكمل وجوه الاستيثاق، وكان المتعاملون في بيئةٍ يغلب فيها اشتغالُ النساء بالمبايعات وحضورِ مجالس المداينات، كان لهم الحقُّ في الاستيثاق بالمرأة على نحو الاستيثاق بالرجل، متى اطمأنُّوا إلى تذكُّرها وعدمِ نسيانها على نحو تذكُّر الرجل وعدمِ نسيانه.
هذا، وقد نصَّ الفقهاءُ على أن من القضايا ما تُقبَل فيه شهادةُ المرأة وحدها، وهي القضايا التي لم تَجرِ العادةُ بإطلاع الرجال على موضوعاتها، كالولادة والبكارة وعيوب النساء والقضايا الباطنة.
وعلى أن منها ما تُقبَل فيه شهادةُ الرجل وحده، وهي القضايا التي تُثير موضوعاتُها عاطفةَ المرأة ولا تقوى على تحمُّلها. على أنهم قدَّروا قبولَ شهادتها في الدماء إذا تعيَّنت طريقًا لثبوت الحق واطمئنانِ القاضي إليها. وعلى أن منها ما تُقبَل فيه شهادتُهما معًا.
الفصل الثاني: هل يجوز للمرأة أن تُحاضِر في مجامعَ مختلطةٍ للرجال والنساء جميعًا؟
حول هذه المسألة رأيتُ هُوّةً شاسعةً بين من يَعتبر المرأةَ كالرجل في حدود الحركة والتنقُّل، بل والتطواف في الأرض حيث شاءت، وأن تَلبس حسبما تريد، وتبدو حسبما تراه، دون أن تكون وصايةٌ لأحدٍ عليها من والدٍ أو زوج — وأن ذلك من مقتضيات التحضُّر والتمدُّن — وبين من يقول(١) إنها:
«لا تصلح إلا أن تكون في حماية رجلٍ وتحت قوامته، وصونُها هو سرُّ جمالها وأنوثتها. قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾، ثم قال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾؛ فهذا تعريفُ المرأة الصالحة من ربِّ العالمين، ومن عداها ليست صالحة، فهي المطيعةُ لله ثم لزوجها ووالديها.
ومن طاعة الله أن تستجيب لأمره بفرحٍ وانشراحِ نفسٍ، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾... إلى قوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ الآية — ولم يَذكُر فيها «المهاجرين والمهاجرات» أو «الداعين والداعيات» أو «الآمرين بالمعروف والآمرات»؛ مع أنه لما ذكر صفاتِ الرجال خاصةً في آية التوبة ذكر هذه الأمور، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ الآية، ثم قال بعدها: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾. ولما ذكر صفاتِ النساء خاصةً لم يذكر هذه الأمور، فقال في آية التحريم: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ
الحاشية (١): الشيخ عبد الرحمن بن صالح المحمود مصدر إلكتروني.
﴿أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ — وهي من الصالحات القانتات — فذكر الصفاتِ الخاصة. وقد يُذكَر من صفات الخيرات: أمينات، داعيات، أو مجاهدات أو مُحتسِبات. وإذا كان القتالُ لا تُؤمَر به المرأة، فكذلك باقي أنواع الجهاد إذا كان فيه بروزٌ للعامة؛ وأما بين المرأة وأخواتها وقريباتها في بيتها، أو بين من تدعو إلى الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حسب طاقتها فلا حرج. وأما أن تخرج من بيتها بدعوى الدعوة إلى الله فهذا لو كان خيرًا لسبقت إليه فاطمةُ وعائشةُ وخيارُ نساء العالمين. إن المرأة الصالحة هي التي تبحث عن رضا ربها ولا تتبع هوى نفسها أو ما تُزيِّنه شياطينُ الإنس والجن، وهي التي تلزم بيتها، وإن أرادت العلمَ أتاها وهي في قعر بيتها عن طريق كتب العلماء وأشرطتهم وفتاواهم». انتهى نقلُ الرأي
وللجواب على هذا نقول: إننا بين طرفين، كلاهما يبتعد عن صاحبه مقدارَ ما يبتعد المشرقُ عن المغرب، من ناحية التصوُّر للقضية وأصلِ النظرة إليها.
أولًا: صاحبُ نظرةٍ للمرأة أنها كالرجل في كل شيء، من القوة البدنية والعقلية والنفسية، ونسبةِ التحمُّل والصبر والأعباء على النفس، والدفاعِ عن الذات، وحريةِ التقلُّب في الأرض.
والجواب على ذلك: ربما يناسب ما ذُكِر من أن الله خلق المرأةَ كائنًا مستقلًّا له حقوقُه الذاتية بكل جوانبها المعتبرة؛ غير أنه سبحانه أوجد فيها من الصفات ما يناسب كونَها أنثى، تحتاج إلى ما يُحتاج إليها، وتعتمد كما يُعتمَد عليها، وتُستشار كما تَستشير — دون إفراطٍ يؤدي إلى انحلال أُسرٍ أو تفكُّك مجتمعات، ودون حريةٍ تبلغ حدَّ الانفلات، ودون تمرُّدٍ على أصل الفطرة وطبيعة الحياة.
وأرى ألا ننشغل بالجواب على هذا الرأي كثيرًا، حيث يتعارض في ذاته مع الفطرة السوية، وأنه لا ينحرف إليه إلا من عرف في نفسه نوعًا من الشذوذ أو الانحراف.
أما أصحاب الرأي الأخير — فإنهم يُحسَبون على الدعوة ويتحدثون باسم الدين — وللمناقشة فقط، أودُّ أن أُجيب على أن إطلاق القول بأن المرأةَ عورةٌ وفتنةٌ ولا حياة لها إلا بالرجل، قولٌ عليها، وأن الله...
لم يكلِّفها بجهادٍ أو سعي، وأن مهمتها في الحياة تنحصر عند كونها قريرةَ البيت ربّةً فيه. وعُمدةُ الجواب عليها بما يلي:
دعوى كونها عورةً مطلقًا
ما يُفهَم من هذه الكلمة في هذا السياق أن المرأة كائنٌ ينبغي أن يختفي عن الوجود ولا يظهر للخلق — وهذا لا يتفق مع صريح القرآن الكريم؛ حيث قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، ليدلَّ على أنها موجودةٌ وسط الخلق، وأنه سوف يَبدو منها شيءٌ من ظاهر ثيابها، أو ما يبدو من وجهها وكفيها، أو ما لا يُتحرَّز منه أحيانًا. وهذا كله — وللوهلة الأولى — يُنبئ عن أنها ليست عورةً من حيث وجودُها في المجتمع، وأن ذلك لم يكن من هدي النبي ﷺ، ولم يكن من حال من عاش حوله ﷺ.
فلقد كانت المرأةُ تَبدو للمجتمع كأحد شِقَّيه، ويلقى النبيُّ ﷺ إحداهنَّ في الطريق، بل وتأخذ الأَمَةُ (الجارية) بيده الشريفة ﷺ فتذهب به حيث شاءت. ومن باب الاستشهاد على ذلك نورد ما رواه جابرُ بن عبد الله رضي الله عنهما قال: طُلِّقت خالتي، فأرادت أن تَجُدَّ نخلها (تقطع ثمره)، فزجرها رجلٌ أن تخرج، فأتت النبيَّ ﷺ، فقال: «بلى فجُدِّي نخلَك، فإنك عسى أن تَصدَّقي أو تفعلي معروفًا»(١). فقد أمرها النبي ﷺ في هذا الموقف أن تنطلق وسط الخلق لتعمل ما يعمله الرجال. وقد تَعلم أنه من المصاحب للعمل في مثل هذه المهنة أن ترفع المرأةُ يدها فتبين بعضُ معالم بدنها... مع سَتره وعدمِ انكشافه. ولم يمنعها النبي ﷺ من القيام بعملها في المجتمع. وكان من تعاون جموع الصحابة أن يكون أحدُهم لصاحبه كنفسه ولأخته، فيمكنها أن تجد من يكفيها في عملها هذا، ومن يقطع لها ثمرها ويعود به عليها، دون أن تُكابِد بنفسها ذلك العملَ الشاق.
الحاشية (١): رواه مسلم (١٤٨٣)، عن جابر بن عبد الله.
وأما «فتنة»: فقد ورد في معاجم اللغة أن الفتنة: الخِبرة، أو الاختبار، وإعجابُك بالشيء، والضلال، والإثم، والفضيحة، والعذاب، وما يقع بين الناس من القتال... وقد وردت في القرآن الكريم كلمةُ «الفتنة» بمشتقاتها ٥٨ مرة.
فأيُّ أنواع الفتنة هذه يُطلَق على المرأة؟ وأما ما قصده النبي ﷺ حين قال: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» [وفي روايةٍ: «ما أخاف على أمتي فتنةً أخوفَ عليها من النساء»].
ولعل أشمل مدلولاتها أن يُقصَد بها الاختبارُ والابتلاء، كقوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾(١)، وكما قال الله تعالى عن افتتان المؤمنين بالكافرين: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ﴾(٢)، وكما جعل الأغنياءَ والفقراءَ فتنةً بعضهم لبعض: ﴿وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾(٣).
وعليه، فالفتنةُ بالنساء يُقصَد بها اختبارُ الرجال؛ حيث جعل الله في كيان كلٍّ من الجنسين — الرجل والمرأة — ميلًا للآخر بانفطار، منذ خلَق آدمَ وخلق له من جنسه زوجًا. والاختبارُ ليس من كل امرأةٍ يلقاها الرجلُ في حياته أو يتعامل معها بشكلٍ ما، وإنما الفتنة هنا ما يسبقها من قابلية المرأة لارتكاب الخطأ واندفاعِ الرجل نحو ذلك، وكذلك ما يُثير من عمل الشيطان من إبداء الزينة المحرمة أو التخضُّع بالقول أو ما شابه ذلك. ويُعينها على ذلك فهمُ ما ورد عن النبي ﷺ من اقتران المرأة بالفتنة في غير حديثه عن الفتنة بالنساء، وكذا الروايات الأخرى التي حذَّر فيها النبي ﷺ من النساء المُغرِيات لخلق الله، المتصنِّعات بالقول والفعل.
الحواشي: (١) العنكبوت: ٢. (٢) الفرقان: ٢٠. (٣) الأنعام: ٥٣.
وعليه، فليست تلك المرأةُ الجادّةُ المنطلقةُ إلى الله ورسوله، الساعيةُ بالحق، الناطقةُ بالخير، هي المرادَ بصناعة الفتنة. وقد رحم اللهُ عمومَ المؤمنات في مجتمع المسلمين فقال: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾(١)، فوصفهنَّ بأقوم الصفات وأحسنها وأرجاها قربًا عند عبده سبحانه. ومن خلال الروايات الأخرى ندرك أيَّ نوعٍ من النساء اعتبره النبي ﷺ مصدرَ الفتنة والغواية.
ولعل خطأً جسيمًا قد نقع فيه إذا حكمنا على خروج المرأة في سعيٍ أو عملٍ — بضوابطه — بعين الناظر إلى كل النساء على أنهن فتنة. والفتنةُ في العربية من معاني الضلال والإثم والفضيحة والعذاب وما يقع بين الناس من القتال؛ وليس كلُّ الرجال مَن في قلوبهم مرض، فليست كلُّ امرأةٍ فتنة. وأرجو ممن يقرأ هذه الكلمات أن يدور بخلده ما بذلته أمُّه من النفع للمجتمع أو الإصلاحِ له، وما كانت عليه أختُه من سلوكٍ جيدٍ أو غيرِ ذلك، وما سمع عن خالته أو عمته أو قريبته، أكانت مصدرَ أمنٍ للمجتمع أم مصدرَ خطر؟ وربما نُجِلُّهنَّ كلَّهن كأمهاتنا، نلتمس منهنَّ الخير، ونرجو منهنَّ الدعاء، ونستعين بمن لهنَّ خبرةٌ في الشدائد، في خبرة الأيام وحكمة الليالي.
ولعل الحاصلَ أن المرأة قديمًا حين خرجت إلى جوار رجلها في الحقل تضرب الأرضَ بفأسها لم يكن منها إلا كلُّ النفع للأمة والبشرية، ولم يُضرَب بها المثلُ إلا في القوة وعافية العمل والنفس والبدن.
وربما تدور في خواطرنا هذه المنظومةُ من المواثيق لانطلاقة المرأة في الدعوة، إذا تذكَّرنا حافلاتِ الركاب وقد التصق بدنُها ببدن رجلٍ — بامرأةٍ لا تستطيع أن تفِرَّ منه ولو إلى الموت — أو اختلاطًا في أروقة الدوائر، أو في ضحكاتٍ صاخبةٍ لنساءٍ لا يتوافر لديهنَّ الحياءُ المانعُ من التطبُّع بغير الحق والبرِّ والمعروف. لكنَّ فسادَ الناس لا يعود على أصل التشريع فيُبدِّل حقائقَه أو يُغيِّر معالمَه.
الحاشية (١): من الآية ٣٤ من سورة النساء.
وأن موطنها إنما هو البيت قرارًا فيه، وأن المرأة لا تصلح إلا أن تكون في حماية رجلٍ وتحت قوامته.
والجواب على هذا: أنه ربما استقام ذلك حال الحديث عن عشرةٍ زوجيةٍ وأُلفةٍ بين طرفين يُكمِّل أحدُهما الآخر، ويستمدُّ كلٌّ منهما من صاحبه ما يفتقر إليه في ذاته؛ فما يُفيضه قلبُ المرأة من رحمةٍ، وما توفِّره أنوثتُها من حنانٍ وتلطُّفٍ، يُكمِّلها عند الرجل شدتُه وبأسُه وقوتُه ومنعتُه وصلابتُه ومزيدُ حكمته — وذلك بما يتناسب مع المهمة الأولى لكلٍّ منهما في الحياة؛ فهو كادحٌ في الأرض بما أمر اللهُ، وهي مُنجِبةٌ للذرية لا يستطيعها فحولُ الرجال وأشدّاؤهم. لكنها على كل حال — كما أوصى النبي ﷺ في حادثة خالة جابر بن عبد الله أن تنطلق إلى حقلها لتقطع ثمار نخلها — تستطيع أن تقود نفسها إلى برِّ الأمان إذا انعدم الرجلُ في حياتها لسببٍ ما، وقد تُحسِن أن تُربِّي الأجيال، وأن تُعلِّم من تعول إذا وُكِل إليها ذلك. وإنما أعني أيضًا: المرأة التي أرادها اللهُ من بنات حواء، وحفيداتِ مريمَ وخديجةَ وعائشةَ وأمثالهن — لا ما صوَّره صنمُ التاريخ.
أما القول بأن في قوله تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ تعريفًا للمرأة الصالحة، وأن من عداها ليست صالحة — فالقول إن الله تعالى قسَّم نساءَ المجتمع المسلم في هذه الآية إلى قسمين: الأول: ما ذُكِر. والثاني: من وقعن في النشوز؛ ولعلها أيضًا مسألةٌ تتعلق بقضية الأزواج في البيوت، وما بينهن من العلاقات الخاصة، وما يدور في تلك الأسرة من اختلافاتٍ حول منهجية إدارة البيت والأسرة. وربما يَبعُد أن نُطلِق الحكمَ على المرأة من حيث علاقتُها بالمجتمع كله.
أما كون «القانتة» هي المطيعة لله ثم لزوجها ووالديها: فليس في ذلك ما يمنع أن تكون مُحدِّثةً بخيرٍ، أو داعيةً إلى معروفٍ، أو ناطقةً بخير.
والقولُ بأن الله تعالى لم يذكر في آية الأحزاب «المجاهدات» ولا «الداعيات» ولا «الآمرات بالمعروف» ولا «الناهيات عن المنكر» — فكذلك لم يذكر في الآية نفسها «المجاهدين» ولا «الداعين» ولا «الآمرين بالمعروف» ولا «الناهين عن المنكر». فالوصفُ في السورة الكريمة إنما جاء في سبيل التفصيل لأهلية كلا الفريقين للمنظومة الأخلاقية التي تحفظ المجتمعَ من وجود أهل النفاق أو المعوِّقين أو من في قلوبهم مرضٌ أو المرجفين، بأنواعهم جميعًا.
وأما أن الله تعالى ذكر «الجهاد» من صفات الرجال خاصةً في آية التوبة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ الآية، ثم قال بعدها: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ...﴾ إلى قوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ — فالخطابُ في الآية مشترَكٌ بين الرجال والنساء؛ لأنه ليس ثَمَّ ما يصرفه عن عمومه، كقوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾؛ ولأن الأمرَ بالإنفاق في سبيل الله أيضًا مشترَكٌ بين الرجال والنساء. وأن الصفاتِ الواردة في الآية التي تليها في السورة الكريمة إنما هي صفاتٌ تعبديةٌ يشترك فيها الرجالُ والنساءُ باتفاق.
ولما ذكر صفاتِ النساء خاصةً في زعمهم فقال في آية التحريم: ﴿عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا﴾ — ومعنى «السائحات» الصائماتُ — فذكر العباداتِ الخاصة، ولم يذكر من صفاتهن: «أمينات» أو «داعيات» أو «مجاهدات» أو «محتسبات».
[ويقولون:] وإذا كان القتالُ لا تُؤمَر به المرأة، فكذلك باقي أنواع الجهاد إذا كان فيه بروزٌ للعامة؛ وعليه فإنه لا يجوز لها — بناءً على ما سبق — أن تخرج من بيتها بدعوى الدعوة إلى الله، وأن هذا لو كان خيرًا لسبقت إليه فاطمةُ وعائشةُ وخيارُ نساء العالمين. هذا تمامُ الرأي المعترَض عليه — والردُّ في الصفحات التالية
والجوابُ أنه سبحانه لما ذكر صفاتِ الرجال في آية آل عمران: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ لم يذكر إلا الصفاتِ التعبدية، ولم يذكر من جملتها التكليفَ بالجهاد أو الضربَ في الأرض. فدلَّ على أن ذِكرَ بعض الصفات في موطنٍ من القرآن لا ينفي التكليفَ بها. ثم إننا لا بد وأن نفرِّق بين ما هو تكليفيٌّ وما هو مباح؛ فإذا كان الله تعالى قد أعفى المرأةَ من حضور الجماعات والجُمَع، فليس ذلك دليلَ منعٍ من أن يحضرن الصلواتِ أو يشهدن الجماعات. ويشهد لذلك ما ورد عن ابن عمر قال: كانت امرأةٌ لعمرَ تشهد صلاةَ الصبح والعشاء في الجماعة في المسجد، فقيل لها: لِمَ تخرجين وقد تعلمين أن عمرَ يكره ذلك ويَغار؟ قالت: وما يمنعه أن ينهاني؟ قال: يمنعه قولُ رسول الله ﷺ: «لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله»(١).
وبين الطرفين وسط
أن تكون المرأةُ جزءًا من المجتمع، وأن تُقدِّر ما عليها من الواجب في حفظ هذا المجتمع عفةً وطهرًا، وأن تنال ثقةَ من حولها بجهدها وأدائها الفاعل، وأن تنال منهم حسنَ القصد وطِيبَ المعاملة ونقاءَ السرائر. فكما ذكرنا: ليست كلُّ امرأةٍ غانيةً، ولا كلُّ رجلٍ عربيدًا، وإلا فنحن نتحدث عن جموعٍ أخرى غير المجتمع المسلم.
- وقد ورد عن جابر بن عبد الله قال: «بينا نحن قعودٌ عند رسول الله ﷺ إذ أتته امرأةٌ، فقالت: يا رسول الله، إني وافدةُ النساء إليك: إن اللهَ عز وجل ربُّ الرجال وربُّ النساء، وآدمُ أبو الرجال وأبو النساء، وحوّاءُ أمُّ الرجال وأمُّ النساء؛ وبعث اللهُ عز وجل نبيَّه إلى الرجال والنساء. فالرجالُ إذا خرجوا في سبيل الله فقُتِلوا فهم أحياءٌ عند ربهم يُرزَقون، وإذا خرجوا فلهم من الأجر ما قد...
الحاشية (١): متفق عليه: رواه البخاري (٩٠٠) ومسلم (٤٤٢)، عن ابن عمر.
عمِلتم، ونحن نخدمكم ونحبس أنفسنا عليهم، فهل لنا في ذلك من الأجر؟» فقال لها رسول الله ﷺ: «أقرئي النساءَ مني السلام، وقولي لهن: إن طاعةَ الزوج تعدل ما هنالك، وقليلٌ منكنَّ يفعلنه»(١).
وفي رواية ابن عباس رضي الله عنهما قال: «جاءت امرأةٌ إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني وافدةُ النساء إليك: إن الجهادَ كتبه اللهُ على الرجال، فإن أصابوا أُجِروا، وإن قُتِلوا كانوا عند ربهم يُرزَقون، ونحن معشرَ النساء نقوم عليهم، فما لنا من ذلك؟ فقال النبي ﷺ: أبلغي من لقيتِ من النساء أن طاعةَ الزوج واعترافَها بحقه يعدل ذلك، وقليلٌ منكنَّ من يفعلنه».
- لقد أراد اللهُ أن يُعلِّم الرجالَ درسًا هامًّا، وأن يُثبِت للأم في الدنيا ولبنات جنسها، وكذلك للرجال، أن المنزلة الكائنة عند الله تعالى للرجال والنساء واحدة، وأن طاعةَ الزوج إنما هي منحةٌ للمرأة لما يترتب على الطاعة من الثواب، ومنحةٌ للرجل لما يترتب عليها من تكميل شطر حياته.
ولعل رجلًا ثائرٌ على امرأته بأنها محظورةُ الخُطى والحركة وأنها لا تستطيع، فأرادت أن تستشهد عليه بما يَجبُر به رسولُ الله ﷺ خاطرَها — وأحسن النبيُّ ﷺ إليها حين استشهدت بقولها في الرواية الأخرى:
- عن أسماء بنت يزيد بن السكن قالت: «أتيتُ رسولَ الله ﷺ وهو جالسٌ مع أصحابه، فقلت: يا رسول الله، إني وافدةُ النساء إليك؛ إنه ليس من امرأةٍ سمعت بمخرجي إليك إلا وهي على مثل رأيي. إن الله تبارك وتعالى بعثك إلى الرجال والنساء، فآمنّا بك وبإلهك الذي جئت به؛ وإن الله قد فضَّلكم علينا — معشرَ الرجال — بالجماعة والجمعة، وعيادة المرضى، واتباع الجنائز، وأفضلِ من ذلك الجهادِ في سبيل الله. وإن أحدكم إذا خرج غازيًا أو حاجًّا أو معتمرًا حفظنا أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربَّينا لكم أولادكم؛ وإنّا معشرَ النساء مقصوراتٌ محصورات، قواعدُ بيوتكم — أفلا نشارككم في هذا الأجر؟» فأقبل رسولُ الله ﷺ على أصحابه بوجهه كله فقال: «سمعتم بمقالة هذه المرأة؟» قالوا: ما ظننّا أن أحدًا من النساء تهتدي إلى مثل
الحاشية (١): حديثُ «وافدة النساء»: رُوي من طرقٍ أقواها طريقُ جابرٍ عند ابن أبي الدنيا؛ والراجح ضعفُه (ضعّفه الألباني)، فيُذكَر بصيغة التمريض.
ما اهتدت إليه هذه المرأة! فقال رسول الله ﷺ: «اعلمي — وأعلمي من وراءك من النساء — أن حسنَ تبعُّل المرأة لزوجها، واتباعَها مَوافقتَه ومرضاتَه، يعدل ذلك كلَّه».
ولم يكن حديثُ المرأة في الأمور الخاصة بها وبعلاقتها بزوجها محظورًا أن يُعرَض بين يدي الرسول ﷺ وأصحابه الكرام في الحلقة العامة، أو أثناء حديث النبي ﷺ لأصحابه — تتكلم امرأةٌ في وقارها وتمامِ تقديرها لداعيها، وإيمانها، وحسنِ لفظها، وعفّةِ عبارتها في الحديث.
عن أبي نَضرة عن الطُّفاوي قال: قال رسول الله ﷺ: «أَحَدُكم يُخبِرُ بما صنع بأهله؟ وعسى إحداكنَّ أن تُخبِرَ بما صنع بها زوجُها؟» فقامت امرأةٌ سوداءُ فقالت: يا رسول الله، إنهم لَيفعلون، وإنهنَّ لَيفعلن، فقال رسول الله ﷺ: «ألا أُخبِرُكم بمَثَل ذلك؟ مثلُ ذلك كمثلِ شيطانٍ لقي شيطانةً فوقع عليها في الطريق والناسُ ينظرون، فقضى حاجته منها والناسُ ينظرون».
ونرى عدمَ إنكار النبي ﷺ لأيٍّ من الحالات السالفة؛ ولو كان حديثُ المرأة عورةً بين الرجال لعلَّم النبيُّ ﷺ النساءَ ألا يتكلمن في حضرة الرجال — فإجماعُ العلماء على أنه لا يجوز أن يتأخر البيانُ عن وقت الحاجة. فدلَّ ذلك على جواز أن تُحاضِر المرأةُ في مجامعَ مختلطةٍ بين الرجال والنساء جميعًا، بما تضمَّنت المقالةُ من الضوابط الشرعية.
***
هل يجوز أن تشارك في مقابلةٍ تليفزيونيةٍ يشاهدها الملايين عبر الفضائيات، وهي ممن لا يرون وجوبَ ستر الوجه؟
بعد استعراض عددٍ من الفتاوى التي نشرها مشايخُنا على الشبكة العنكبوتية (الإنترنت)(١)، رأيت أنه ثَمَّ شبهَ اعتراضٍ أو رؤيةٍ بعدم جواز ظهور المرأة على شاشات الإعلام.
ولقد اعتمدت الفتاوى في جُلِّها على ما يلي:
أولًا: ليس الذكرُ كالأنثى، وأن المرأة تختلف عن الرجل في الصورة والأعضاء الخارجية والسمات العامة، وكذا ما يعتريها من حيضٍ ونحوِ ذلك؛ فهذا يقتضي أن تقوم المرأة بدورٍ يلائم طبيعتها ووظيفتها الجسدية.
ثانيًا: أن أهمَّ ما تقوم به المرأةُ وتُعنى به هو بيتُها؛ فوظيفةُ الأمومة والأسرة والبيت من أجلِّ الوظائف وأهمها، ولا ينبغي التساهلُ في هذا أبدًا والتقليلُ من شأنه.
ثالثًا: أن المرأة قد ينصبُّ جهدُها في تحسين مظهرها وصورتها للمشاهدين.
رابعًا: قد يحصل أن تحدث خلوةٌ مع رجالٍ أجانب عنها عند التسجيل والإعداد ونحوِ ذلك.
خامسًا: كثيرٌ من الإعلاميين لا يُحضِرون المرأةَ في هذا المجال إلا لجذب أنظار من لا يراعي بصرَه؛ فإن من المعلوم أن المرأة لا تضيف شيئًا جديدًا للنشرة أو البرنامج.
والجوابُ عليها — حسبما يبدو، ونسأل اللهَ العافيةَ في الدين والسلامةَ في القول —:
١- «ليس الذكر كالأنثى» شعارٌ يُستخدَم حيث شاء من استشهد به، ولا بد وأن نفرِّق بين كونها كالرجل إنسانًا وحقًّا وواجبًا، وليست كالرجل فيما جاء فيه سياقُ الآيات بما
الحاشية (١): فتاوى منشورة على مواقع إلكترونية (إسلام ويب، ومنتدى المسلم).
كان عليه حالُ بني إسرائيل من عدم الاعتراف بالمرأة كائنًا يمكنه أداءُ الواجب كما الرجل. وأن ذلك ليس مانعًا في ذاته من الأعمال التي تُناط بها مما تقدر عليه ضمن ضوابطها الأخلاقية. وإن هذه الوسائل المُحدَثة — بما فيها من الخير مثلَ ما ذُكِر — هي أكثرُ احتياجًا إلى الكوادر الصالحة من رجالٍ ونساءٍ، مع اختلاف الطبائع والثقافات والأساليب التربوية التي يتمتع بها كلٌّ من الرجل والمرأة.
٢- وأما أنها ينصبُّ جهدُها في تحسين صورتها للمشاهدين: فذلك مبنيٌّ في الأصل على سوء الظن؛ وإن المرأةَ إذا كان يمتنع خروجُها متبرِّجةً بزينتها، فكيف بخروجها أمام الجماهير عبر الشاشة؟! وعليه فإنا نُجيز الأمرَ هنا لمن عرفت ما لها وما عليها، من حيث ضوابطُ الملبس والزينة وعدمِ التخضُّع في القول. ولنا أن نجد لفظَها حيث تظهر في صورة المِثال الذي يَجتلبه من استمع إليها أو شاهدها.
٣- وأما أن المرأة لا تضيف شيئًا إلى الفضاء الإعلامي: فهذا يَحسُن تصوُّره إذا قصرنا ذلك على نشرة أخبارٍ أو لقاءٍ سياسي؛ أما إذا كان ثَمَّ علمٌ نافعٌ في تخصصٍ برزت فيه، أو حوارٌ حول قضيةٍ تتعلق ببنات جنسها، أو ما كان لها به ارتباطٌ وهي فيه أكثر تأثيرًا — فالأمر يختلف.
٤- الخلوة بالرجال حال التسجيل: إن من عايشوا هذه الأجواء علموا أن التسجيل للحلقات أو البرامج لا يخلو من وجود المصورين والقائمين على أمر الإضاءة والمخرج والمساعدين وغيرهم. وإنما الأولى بالبحث في هذه المسألة إذا كانت هي وسطَ هؤلاء جميعًا وحدها؛ وحينها يكون الأمرُ متوقفًا على وجود الرفقة الآمنة أو وجودِ مَحرَم. وإنما
لذات المشكلة التي تَعرِض للمرأة حال وجودها في العمل أيًّا كان مع رجال؛ وهي مسألةٌ يُرجَع إليها في حكم عمل المرأة من عدمه، أو الضوابطِ الشرعية لعمل المرأة.
وإننا في هذا الواقع المعيَّن ما ينبغي أن نتناسى أنها صارت أستاذةً في جامعةٍ يراها طلابُها — شئنا أم أبينا — وأنها صارت طبيبةً يدخل إليها مرضاها — وأيضًا شئنا أم أبينا — وأننا بإغلاق مثل هذه الأبواب نخشى أن تُفتَح علينا أبوابٌ أُخَرُ لا نقدر على سدها. وإن كان لنا من عملٍ ودأبٍ فإنه السعيُ بالإصلاح قدرَ الطاقة، فيما يمكن أن يتسرَّب إلى النفس فتضعف معه — من مثل حبِّ الشهرة، أو الاغترار بالنجومية، أو اللهثِ وراء المال — وكلُّها فتنٌ تلحق الرجالَ والنساءَ على حدٍّ سواء.
هل يجوز قيامُها بدور مُقدِّم البرنامج في هذه اللقاءات العامة، رغم وجود من يُحسِن ذلك من الشباب؟
تستوفي هذه المسألةُ تحديدًا لأبحث عن المانع أو المبيح؛ فالأصلُ — كما ذكرنا في توصيف الإسلام للمرأة — أنها ذلك الكائن المستقلُّ بذاته وهويته، الذي كفل الدينُ له الحقوقَ وكلَّفه بالواجبات. وأن القيام بمهامَّ خاصةٍ بها قد تتفق أحيانًا مع الدراسة الأكاديمية لها أو الهواية الخاصة بها؛ فلا يكون إذًا محلُّ البحث هو إتاحةَ الفرصة لها أم لا، وإنما محلُّه:
ما هي الضوابطُ التي لا بد وأن تحتاط بها المرأةُ أو الفتاة حال عملها هذا؟ وإن أكثر أسباب المنع لدينا هو المجالُ الإعلامي في ذاته؛ فلم تكن سيرتُه عند الناس أزمنةً طويلةً بالسيرة الحسنة، ولقد شُوِّش على المحسنين، فاعتبرنا الحكمَ بأن السيئة تعمُّ والحسنة تخصُّ. ولعل هذه النظرة تحتاج إلى تغيير، ولن يكون إلا بتجديد الدماء في هذا الميدان.
لقد عشنا أزمانًا لا نعرف في مصر إلا القناةَ الأولى والثانية، وكلتاهما حكوميةٌ تبثُّ للناس ما يريده أهلُ السياسة، فكان الحكمُ العام على مشاهدة التلفاز هو الكراهة، إلا ما حلَّ منه ككثرة الأخبار، وكان مما يُشوِّهه رؤيةُ الكاسيات العاريات كما ورد في الحديث. فلو أقبلت السنون وارتقى العاملون في حقل الدعوة — إذ لا بد من تجديد الدماء، وتبديل الصورة الذهنية عند العامة من خلال الصورة المرئية عبر الفضائيات — لشاهدنا أعلامَ الأمة يفيضون علينا مما أفاض اللهُ به عليهم من الخير والعلم.
وكذا الواقع الآن يحتاج إلى تبديل المشهد العام للمرأة التي لا يعرفها الناسُ عبر الشاشة إلا جسدًا عاريًا، أو وسيلةً لترويج موضةٍ مستحدثةٍ من الملبس، أو سلعةٍ أخرى.
فلا بأس أن نبدِّل المشهدَ الإعلامي بنفس الوسائل، مع التحفُّظ في الضوابط. وما المانعُ أن يكون هناك قسمٌ دراسيٌّ للإعلام في جامعاتنا الإسلامية عبر العالم كله، وأن يتخرج منه داعياتٌ يعرفن حقَّ الله وحقَّ البشرية، ويُحسِنَّ ترويجَ الفضيلة في وقتٍ تاهت فيه معالمُها؟ ونسأل الله العافية.
من أكثر ما يمكن أن نَعيبه حال مشاهدة برنامجٍ (أيًّا كان نوعه) تقدِّمه امرأةٌ: أن تُغازِل بإيماء عينِها ضيفَها — من حيث مظهرُه — أو أن يبدو ذلك تهوينًا لشأنه عند مشاهدي البرنامج بطريقة التأثير بالإيماء؛ أو أن تنظر إلى الكاميرا بوضوحٍ، مع ما يتفنَّن المصوِّرُ في إبداء نظراتِ إعجابها أو استيائها أو غضبها أو سرورها، إلى آخره.
فإذا وُجِدت المرأةُ التي تَغُضُّ بصرها ولا ترفعه إلا بقدر ما يسمح به المقام — ونِعمَ به إن كانت تستضيف في برنامجها مُحَصَّناتٍ من النساء أهلِ العلم والفقه — وإذا وُجِد المصوِّرُ الذي يَعلم حدَّ الله في إبراز ما ظهر من زينة امرأة، ولم تكن الملابسُ ملفتةً في ذاتها إلا إلى نوعٍ من النظافة وعدمِ الابتذال — فلا بأس أن تقدِّم المرأةُ أو الأختُ برنامجَها، بما ذكرنا من هذه المعايير. والله تعالى أعلم.
إن الخللَ الماثلَ الآن في نواقصِ حُسنِ عرض الدعوة قولًا وفعلًا؛ فإن لم نجد من أهل العلم من يُبيح للمرأة الآن أن تقدِّم برنامجًا حواريًّا أو إذاعيًّا، فربما كان السببُ إلى الآن عدمَ وجود النموذج الذي يُحتذى به. ومن ثَمَّ فالأمرُ مرتبطٌ بصنائع الخلق، وليس بأصول الشريعة.
***
هل يجوز للمرأة إذا منعها زوجُها من المشاركة في الأنشطة الدعوية — رغم عدم تقصيرها في واجباتها الزوجية — أن تَعُدَّ ذلك من قبيل الإضرار بها؟ وهل تكون آثمةً إذا طلبت الخلعَ أو التفريقَ للضرر لهذا السبب؟
إذا كان الحكمُ على الشيء فرعًا عن تصوُّره، فإني أُريد أولًا أن أفرض الأسبابَ التي يمكن أن تجعل الرجلَ يمنع امرأتَه من العمل في الدعوة، وتوقيتَ هذا المنع.
فإن كان ذلك في بدء الاتفاق على الزواج، وأنه لا يريدها من البداية أن تعمل في هذا المجال، فالسكوتُ على شروطهم وما سيُبنى عليه العقدُ هو ما ستحكم به من استجابةٍ لرغبته أو رفضٍ لها؛ ولها أن ترفض الزواجَ منه إن رأت أنها لن تَفِيَ بما سيكون عليه اتفاقُ العقد، فالنصُّ صريح: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾(١).
وإن كان منعُه إياها بعد ذيوع صيتها وانتشار علمها، فيُنظَر في السبب: هل هو دافعُ الخوف عليها، أم نزعُ غيرةٍ ونحوُ ذلك؟ فالأمور في ذلك تُقدَّر بقدرها، ولا يُفتي فيها إلا أهلُ العلم العارفون بحال هذا الزوج وتلك المرأة.
وأقول ذلك لأن الحكمَ العام في هذه المسألة يُفضي إلى التنازع الشديد بين الأزواج، وما يترتب عليه من هدم البيوت وتشرُّد الذرية التي هي المقصد الأول من الزواج. ويزيد الأمرَ تعقيدًا أن أعلامَ الأمة وفقهاءها لم يسمحوا للمرأة أن تخرج من بيت زوجها إلا بإذنه، ولو إلى عيادة أبيها أو أمها؛ ومن ذلك:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الفتاوى: «المرأةُ إذا تزوجت كان زوجُها أملكَ بها من أبيها، وطاعةُ زوجها عليها أوجب».
الحاشية (١): من الآية ١ من سورة المائدة.
وقال أيضًا: «فليس لها أن تخرج من منزله إلا بإذنه، سواء أمرها أبوها أو أمها أو غيرُ أبيها، باتفاق الأئمة».
وقال ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى — بعد ذكر الأحوال الضرورية التي يجوز للمرأة الخروجُ فيها دون إذن زوجها —: «لا لعيادة مريضٍ وإن كان أباها، ولا لموته وشهودِ جنازته».
وقال ابن قدامة في المغني: «وللزوج منعُها من الخروج من منزله، إلى ما لها منه بُدٌّ، سواء أرادت زيارةَ والديها أو عيادتَهما أو حضورَ جنازة أحدهما». قال أحمد في امرأةٍ لها زوجٌ وأمٌّ مريضة: «طاعةُ زوجها أوجبُ عليها من أمها، إلا أن يأذن لها».
ولستُ بالذي يُعقِّب على أقوال أهل العلم في هذه المسألة، احترامًا لكلامهم ومكانتهم. وأفهم من ذلك أن عليها أن تطيع زوجها في ترك الواجب الذي هو برُّ الوالدين — فما بالُنا بالدعوة المتطوَّع بها؟
ثم نتساءل: ماذا لو كانت الدعوةُ في منزلة الفريضة، بحيث لا يوجد من يقوم مقامها؟ وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً ۚ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾؛ فهل يبقى الحكمُ بطاعته وعدمِ عصيانه في ذلك، وقد علمنا أن «ما لا يتمُّ الواجبُ إلا به فهو واجب»؟
وماذا لو كان منعُه إياها لحاجةٍ في نفسه، في الوقت الذي تحرص فيه هي على بقاء دعوتها وبيتها في وقتٍ واحد؟!
إنما هي بعضُ تساؤلاتٍ تقضي علينا نوعًا من التأني في مثل هذا الحكم، وتجعلنا نردُّه إلى الحالات الفردية التي يُحكَم في كلٍّ منها على حِدَته، والله المستعان.
أما عن حقها في طلب الخلع منه بسبب ذلك أم لا، فالمسألةُ كسابقتها تعتمد على نسبة الاختلاف في وجهات النظر بين الطرفين؛ فإنه لا يقول عاقلٌ بأن المرأة في هذه الحالة كالآلة تعمل أو تتوقف بضغطة زرٍّ أو إشارةِ إصبع. والأمر يحتاج إلى نظرٍ في الدوافع الحقيقية وراء منعه إياها، وكذا وراء إصرارها على المضيِّ؛ ثم يُرجِّح الفقيهُ أيًّا من الكفَّتين بناءً على ما بين يديه من الشواهد.
وأما عن كونها آثمةً إذا طلبت الخلعَ منه أم لا، فالجواب عليه:
أولًا: الاطلاعُ على القلوب يعلمه اللهُ وحده، والاطلاعُ عليها يصعب؛ فالعدولُ عنها أكثرُ مما يُحكَم فيها، حيث إنها تُبنى على الغيب.
ثانيًا: يُنظَر في حالها بالضوابط التالية: نسبةُ وفائها بحق زوجها وبيتها، وهل وفاؤها بحق البيت ادعاءٌ أم أنه حقيقةٌ في إقرار الزوج وحقيقةِ الأمر؟ وهل هي مؤهَّلةٌ للعمل الدعوي؟ ونسبةُ احتياج المجتمع أو العمل الدعوي إليها؟ فإن بلغت من ذلك مبلغًا، ووفَّت زوجَها حقَّه وما كلَّفها به الشرعُ نحوه، ثم هي مؤهَّلةٌ للعمل وليست دَعيّةً فيه، والعطاءُ من خلالها مرجوُّ الثمرة موفورُ النتاج، ثم الحاجةُ إليها ماسّةٌ — كما هو الحال في البلاد التي نعايش الآن واقعها — فلا إثمَ عليها، بل الإثمُ عليه؛ أنه يَحول بينها وبين ما يعود على المجتمع من النفع بها، وما يَقي المجتمعَ آثامَ الفتن قدرَ ما يمكنها التوصلُ إلى ذلك.
ثالثًا: من المهم أن نلاحظ أهميةَ نصحها لزوجها — إن كان سليمَ القلب حريصًا على الدين — بأهمية ما تقوم به، وأنهما سينالان سويًّا بين يدي الله تعالى أجرَ ما أعطاها من العلم والقدرة.
ولكن من جملة النصائح: أنه ما ينبغي أن تعمل داعيةٌ عملًا تستشعر معه غضبَ زوجها — والذي قد يتبعه، إن كان الزوجُ جاهلًا، غضبُ الله تعالى — أو أن تُصلِح بيوتَ الناس وأحوالهم في الوقت الذي تُفسِد فيه بيتها وأسرتها.
هل يجوز أن تشارك في لقاءاتٍ دعويةٍ عامةٍ في الشارع أو في المؤتمرات والندوات؟ وهل يجوز لها أن تَعِظ الرجالَ في مسجدٍ من وراء حجابٍ أو مباشرةً؟ كأن تعطي خاطرةً في شهر رمضان؟ أو تجيب على أسئلةٍ فقهيةٍ للرجال والنساء جميعًا؟
لقد سبق بيانُ أن المرأة التي رباها الإسلامُ وحافظ على حقوقها ورفع منزلتها وكرَّمها، جعل منها مثالًا يُحتذى؛ وأن عليها أن تقوم بواجبها كأمٍّ ومربيةِ أجيالٍ ومعلمةِ خيرٍ خيرَ قيام، وأن تُساهم بعلمها وجهدها في سبيل رفعة راية الإسلام، وتنويرِ بنات جنسها بما يعود عليهن بالفائدة المثمرة.
وأما فإن مما عليها: الدعوةَ إلى الله والأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر — بالآداب الشرعية المنوطة بها كامرأة — وعليها تنظيمُ وقتها بين واجباتها، وترتيبُ أولوياتها بين الارتقاء بنفسها إيمانًا وتزيُّنِها بالعبادات، ورعايةِ زوجها وبيتها، وتربيةِ أولادها، والتواصلِ معهم في ظل ظروف العصر — وصولًا لتحقيق التوازن بين رسالتها في بيتها وبين ما يحيط بأسرتها في المجتمع الخارجي.
ولو تتبَّعنا تاريخَ المرأة الإسلامي نجد أن المرأة المسلمة ضربت أروعَ المثل والقدوة لبنات جنسها في علمها وأدبها وحرصها على تلقي العلم من منابعه الأصيلة والعملِ به. وقد ضربت لنا عائشةُ رضي الله عنها أروعَ المثل في إقبال المرأة المسلمة على التعلم؛ فقد كانت رضي الله عنها تمتاز بعلمها الغزير الواسع في مختلف نواحي العلوم: كالحديث، والطب، والشعر، والفقه، والفرائض. قال الإمام الزهري عنها: «لو جُمِع علمُ عائشة إلى علم جميع أمهات المؤمنين وعلمِ جميع النساء لكان علمُ عائشة أفضلَه».
وقال هشام بن عروة: «ما رأيت أحدًا أعلمَ بفقهٍ ولا طبٍّ ولا شعرٍ من عائشة». وكانت رضي الله عنها شديدةَ التصحيح والتنقيب؛ فقد ذكر المِزّي أنها كانت لا تسمع شيئًا لا تعرفه إلا راجعت فيه حتى تعرفه. كما أنها تُعدُّ من رواة الحديث المكثرين، وكانت بعد وفاة الرسول ﷺ أنموذجًا رائعًا لبيت النبوة، ومنارةً للعلم...
ومن الشواهد: حديثُ المرأة في المسجد حاضرةً بين الرجال والنساء، ما سبقت الإشارةُ إليه من حديث أسماء بنت يزيد الملقَّبة بوافدة النساء.
والأمر — كما سبق — يحتاج إلى النظر في نسبة الاحتياج إليها، وما عندها من العلم، وقبولِ المجتمع لظهورها في المساجد أو الحلقات العامة أو الندوات أو اللقاءات الدعوية العامة؛ وألا يكون ثَمَّ حضٌّ أو تطلُّعٌ إلى أن تكون المرأةُ كالرجل في أحاديث المساجد، وما قد ينجم عنه من المطالبة بأن تؤمَّ الصلاةَ لتكتمل جوانبُ المساواة...
التوصيات
١- إن تجربة المرأة مع الإعلام فيما سبق لم تكن تجربةً جيدةً بكل المستويات، غير أنه كان في مجال ما يُسمى الفنَّ والتمثيل؛ ولعلنا بحاجةٍ إلى مناهضة هذا الخلل بمثله، مع اختلاف الغاية واتجاه الوسيلة إلى ظهور المرأة في الفضاء الدعوي، فيفتح لأبنائنا وبناتنا مزيدًا من النماذج الحسنة التي تُحتذى في واقع الحياة والتزامِ الدين. ولا بد وأن نعيد تقييمَ البيئات الإيمانية التي تحوي المرأة، والمجتمعاتِ المريضة التي نخشى على بناتنا منها وإن كانت في قعر دارها.
٢- ضوابطُ مشاركة المرأة في الإعلام هي ضوابطُ المسؤولية عامةً لها وللرجل؛ وذلك بألا تكون المشاركةُ مخالفةً للشرع من حيث الأفكارُ المطروحة والآراءُ التي يُدعى إليها. وهناك ضوابطُ خاصةٌ بالمرأة تختلف باختلاف نوع الوسيلة الإعلامية التي تشارك فيها؛ ومن ذلك أنه يجب عليها ألا تُظهِر مفاتنها — سواء في الإعلام المرئي أو الصحافة — كما يحرم عليها الخضوعُ في القول وترقيقُ الكلام بما يستميل الرجالَ حال مشاركتها في الإعلام المسموع.
٣- ليس هناك من يستطيع أن يجد للمرأة كيف تكون عضوًا فعالًا في المجتمع إلا هي؛ فالمرأة المسلمة التي تحمل فكرًا ووعيًا سليمًا لا بد أنها ستجد المجالَ المناسب الذي تخدم من خلاله مجتمعَها بما لا يتعارض مع دينها، وتكون عضوًا فعالًا فيه. فالحالات واسعةٌ لا تكاد تُحصر، لكن على المرأة أن تختار ما يناسبها من حيث الوقتُ والميولُ والرغبة، وبما ترى أنها ستحقق فيه نتائجَ إيجابيةً، دون أن يرجع عملُها بسلبياتٍ على نفسها وأسرتها.
٤- لا بد من إعادة النظر في هيكلة القنوات والبرامج التي تعالج قضايا الأمة، وحضورِ المرأة فيها بشكلٍ أوفرَ لكِيانها ومكانتها، وأحفظَ لها من المُواجَهات التي قد تَعرِض لها؛ كأن تكون البرامجُ النسائية تستعمل في تصويرها وهيكلها الإداري مجموعةً من المتخصصات اللاتي يَفطِنَّ إلى ما ينبغي وما لا ينبغي. وبذلك نجد الحلَّ الأوسطَ في الأزمة التي تتوزع فيها الآراءُ حول هذه القضية.
الفهرس
- المقدمة
- التمهيد
- الفصل الأول: مكانة المرأة في الإسلام
- الفصل الثاني: هل يجوز للمرأة أن تُحاضِر في مجامعَ مختلطةٍ للرجال والنساء جميعًا؟
- التوصيات