كلٌّ يعمل على شاكلته
في الصبر على أذى الأقران، وأنّ كلامَ الأقران يُطوى ولا يُروى
تأمّلٌ تربويٌّ إيمانيٌّ في الصبر على أذى الأقران، وأنّ كلام الأقران يُطوى ولا يُروى متى لاحت فيه أماراتُ الهوى — مع ميزانٍ يحفظ بابَ النصيحة الصادقة. بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
ما جُرحٌ كجُرحِ الكلمةِ تخرج من فمِ قريب. سهمُ العدوّ البعيد يطيش أو يُتَّقى، أمّا النصلُ الذي يصوغه نظيرُك في الصنعة، ونِدُّك في الميدان، فإنه يَنفُذ؛ لأن صاحبَه يعرف مَقاتلَك، ويُحسن أن يضع التهمةَ حيث تُؤلم. وأشدُّ ما في الأمر أنك تقف بين عَجزَين: لا تَقدر أن تَرُدّ الفِريةَ فتُتعِب نفسَك، ولا أن تَرُدّ القائلين فتُفسد قلبَك؛ فتُمسك القلمَ حيرانَ، وتُطرِق إطراقةَ المثقَل. في هذه اللحظةِ بالذات، حين تَضيق الأرضُ بما رَحُبت، يتنزّل على القلب نورُ آيةٍ تُعيد إليه رُشدَه، وتفُكّ عنه أَسْرَ الانشغال بالخصوم.
المرتكزُ القرآني: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ﴾
قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾ [الإسراء: ٨٤]. والشاكلةُ — كما حرّرها أهلُ التفسير — هي الطريقةُ والناحيةُ والطبيعةُ التي جُبِل المرءُ عليها؛ قال ابنُ عباس: على ناحيته، وقال مجاهد: على حِدَته وطبيعته، وقال قتادة: على نيّته، وقال ابنُ زيد: على دينه[1]. فالناسُ معادنُ، وكلُّ إناءٍ بما فيه يَنضَح: مَن كانت شاكلتُه الإحسانَ أحسن، ومن كانت شاكلتُه الغمزَ واللمزَ غمَز ولمَز، وما يصدُر عن الرجل إلا ما يُشبِه أصلَه. فإذا استقرّ هذا في قلبك، فاشتغِل بصِناعةِ إحسانِك، وكِلِ القومَ وشاكلتَهم إلى عالِمِ السرائر؛ فإن الفصلَ ليس بيدك ولا بيدهم، بل رُفِع الحُكمُ إلى مَن يعلم خائنةَ الأعين وما تُخفي الصدور: ﴿فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٤]. وفي هذه الخاتمةِ راحةٌ تَسَع الكونَ: ما دام القاضي هو اللهَ، فأيُّ عناءٍ في إقامة الحجّة على العباد؟
سُنّةٌ ماضيةٌ جرت على القِمَم
ثم تأمّل: ما البلاءُ بالألسنة بدعةً في الزمان، بل هو سُنّةٌ قديمةٌ ما سَلِمت منها ذُروة. فالأنبياءُ — وهم صفوةُ الله من خلقه — رُموا بالسحرِ والجنونِ والكذب، حتى نزل في ذلك قرآنٌ يُسلّي ويُقرّر أنها سُنّةُ المرسلين[2]. وأمُّ المؤمنين عائشةُ الصدّيقةُ بنتُ الصدّيق، طُعِنت في أطهرِ ما يكون، فمكث الوحيُ عنها أيامًا ثِقالًا كأنها الدهرُ، حتى نزلت براءتُها من فوق سبعِ سماواتٍ تُتلى إلى أن تقوم الساعة. فإذا لم يَنجُ من سهام الألسن نبيٌّ مُرسَل، ولا صِدّيقةٌ طاهرة، فمن نحن — يا رَعاك الله — حتى نَطمع في عافيةٍ لم يَبلُغها مَن هو خيرٌ منّا ألفَ مرّة؟ في هذا العلمِ وحدَه يَهون نصفُ الألم؛ إذ يَعلم المبتلَى أنه يسير في طريقٍ مَهَّدته أقدامُ الكبار.
قاعدةُ أهل العلم: «كلامُ الأقران يُطوى ولا يُروى»
ولأهل العلم في هذا الباب ميزانٌ دقيقٌ نَفيس: أنّ طعنَ القَرينِ في قَرينِه لا يُلتَفت إليه متى لاحت عليه سِيما المنافسةِ أو الهوى أو الحسد، فجَعلوه كالماء المشوب: لا يُروى ولا يُسقى. قال الحافظُ الذهبيُّ — رحمه الله — كلمةً صارت أصلًا يتوارثه النُّقّاد: «كلامُ الأقران بعضِهم في بعضٍ لا يُعبأ به، لا سيّما إذا لاح لك أنه لعداوةٍ أو لمذهبٍ أو لحسدٍ، وما يَنجو منه إلا مَن عصَمَ اللهُ، وما علمتُ أنَّ عصرًا من الأعصار سَلِم أهلُه من ذلك سوى الأنبياءِ والصدّيقين، ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريسَ»[3]. فانظر كيف جعل الإمامُ مدارَ الردِّ والقبول على نيّةِ القائل لا على ظاهرِ لفظه؛ فإن شُمَّ فيها رائحةُ المزاحمةِ طُوِيت طيَّ السِّجلّ، ولم تُجعَل ثُلمةً في عِرضٍ ولا غَضًّا من علم. وبهذا الميزانِ حُفِظت أعراضُ الأئمة أن يَهدِمها بعضُهم على بعضٍ بكلمةٍ قِيلت في ساعةِ غضب.
حكاياتٌ من سِجلِّ العلم
ولأنّ الأمثالَ أبلغُ من التقرير، وحكايةَ الواقع أرسخُ في القلب من القاعدة المجرّدة، فدونك ثلاثَ حكاياتٍ من تاريخنا العلميّ، تشهد كلُّها أنّ الزَّبَد يذهب جُفاءً، وأنّ ما ينفع الناسَ يمكُث في الأرض.
الأولى — إمامُ المحدِّثين في نيسابور: قَدِم أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيل البخاريُّ نيسابورَ، فخرج أهلُها يستقبلونه على مرحلتين وثلاثة، يقول تلميذُه مسلمُ بنُ الحجّاج: ما رأيتُ واليًا ولا عالمًا فُعِل به ما فُعِل بمحمدِ بن إسماعيل. فلمّا عَظُم شأنُه واحتفّ به الطلبةُ، تحرّكت في النفوس غَيرةٌ خفيّة، ثم وُجِد لها مَعلَقٌ في مسألةِ «اللفظِ بالقرآن»: فقد كان البخاريُّ يَدين بأنّ القرآنَ كلامُ الله غيرُ مخلوق، ويرى أنّ أفعالَ العباد مخلوقةٌ، ويَكِفّ عن عبارةٍ مُجمَلةٍ سدًّا للذريعة، فحُمِل كلامُه على غيرِ مَحمِله، وأُشيع عنه ما لم يَقُل، حتى تقاطع عنه الناسُ وأُوذي، فخرج من نيسابورَ كظيمًا صابرًا[4]. ثم انظر صُنعَ اللطيف الخبير: طوى تلك الفتنةَ في سطورٍ يَتلوها المؤرّخون عِبرةً، وأبقى للأمّة «الجامعَ الصحيح» أصحَّ كتابٍ بعد كتاب الله، تُشَدّ إليه الرّحال، ويُتلقّى بالقبول في كلّ مِصر. فأين القِيلُ الذي قِيل؟ ذهب جُفاءً، وبقي العلمُ يَمكُث في الأرض. وكان ذلك كلُّه مع جلالةِ شيخ البلد الإمام محمد بن يحيى الذُّهْليّ، فالمسألةُ من جنس ما يجري بين الأكابر، لا غَضَّ فيها على أحد.
الثانية — إمامُ أهل السنّة في محنته: ابتُلي أحمدُ بنُ حنبلٍ في فتنةِ القول بخلقِ القرآن، فدُعِي إلى كلمةٍ لو قالها لأراح بدنَه وأرضى السلطان؛ لكنّه أبى أن يقول على الله ما لا يعلم، فنالَه من الحبسِ والسِّياط ما تنوء به الجبال، صابرًا لا يَلين، يقول: «أنا لا أُجيبُ إلى ما لا أعرف». فلمّا ضاق الناسُ به ذَرعًا، وظنّ الظانّون أنّ صوتَه قد خَفَت، أبى اللهُ إلا أن يَرفع به ذِكرَه؛ فلمّا أفضى الأمرُ إلى المتوكِّل رُفِعت المحنةُ، وعَلا قدرُ الرجلِ حتى صار عَلَمًا لأهل السنّة يُشار إليه، وامتلأت الدنيا بثنائه، ودُفِنت كلماتُ خصومه تحت أقدام الزمن[5]. صَبرَ ساعةً، فوَرِث ذِكرًا لا يَبلى. هكذا يصنع اللهُ بمن صَدَق معه: يُعطيه على الصبرِ ما لا يُعطيه على الكلام.
الثالثة — أئمّةٌ نالهم اللسانُ فطُوي وبقي علمُهم: وهذا إمامُ المفسّرين محمدُ بنُ جريرٍ الطبريُّ، صاحبُ «جامع البيان» و«تاريخ الأمم»، وقعت بينه وبين بعضِ معاصريه مُشاحَنةٌ، فرماه جَهَلةُ العوامّ بما هو منه بَراء، حتى مُنِع من الدفن نهارًا فدُفِن ليلًا في داره؛ ثم تأمّل كيف انتصر له الزمنُ والإنصاف، فقال فيه الذهبيُّ: «الإمامُ العَلَمُ، المجتهدُ، عالمُ العصر… كان من أفراد الدهر علمًا وذكاءً وكثرةَ تصانيفَ، قلَّ أن ترى العيونُ مثلَه»[6]. وهذا الحافظُ ابنُ حبّان البُستيُّ، قال في مجلسه كلمةً موجزةً في عَدِّ صفات النبوّة: «النبوّةُ العلمُ والعمل»، فحُمِلت على أسوأ مَحمِل، ورُمي بالعظائم، وأُخرِج من سِجِستان؛ ثم حُمِلت كلمتُه على وجهها الصحيح، وبيّن أهلُ العلم مرادَه، وأبقى اللهُ له «الصحيحَ» و«الثقات»، تُدار في حِلَق العلم إلى اليوم[7]. فهؤلاء جميعًا شُهودٌ على سُنّةٍ واحدة: أنّ كلامَ الأقران يُطوى، وأنّ العلمَ الخالصَ يَبقى.
الثمرةُ التربوية
فما أحوجَ المصلحَ والعالمَ والداعيةَ أن يَجعل هذه الحكمةَ زادًا في طريقه: أن يمضيَ على شاكلتِه الحسنةِ غيرَ ملتفت، لا يَستنزفه ردُّ كلِّ فِرية، ولا يَستفرغه تتبُّعُ كلِّ قائل، ولا يَجعل بوصلتَه رِضا الناسِ بل رِضا ربِّ الناس؛ موقنًا أنّ الله يَحرُس خالصَ العمل، ويَقذف بالحقِّ على الباطل فيَدمَغه، ويُذهب الزَّبَدَ ويُبقي ما يَنفع: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: ١٧]. وكما يَحذر الجُرحَ في حقّه، فليَحذر — وهو أَولى — أن يكون هو الجارحَ لإخوانه؛ فمَن سأل اللهَ أن يَطويَ عنه ألسنةَ الناس، فأحرى به أن يَطويَ هو لسانَه عن أقرانه، فلا يَغمِز منافسًا، ولا يَلمِز مُزاحمًا، ولا يَبني مجدَه على أنقاضِ غيره؛ فتلك مروءةُ العلمِ وزينةُ الطلب.
على أنّ الإنصافَ يقتضي ميزانًا لا يَختلّ: فليس كلُّ كلامٍ من قريبٍ افتراءً، ولا كلُّ مخالفٍ حاسدًا، ولا كلُّ نقدٍ جُرحًا باطلًا. فمِن كلام الأقران نصيحةٌ مُبرهَنةٌ تُقبَل ولو جاءت من منافس، وإنما يُطوى منه ما لاحت فيه أماراتُ الهوى وخَلا من الحُجّة. فلا يتّخذِ المرءُ هذه الحكمةَ تُرسًا يردُّ به المراجعةَ الصادقةَ عن نفسه، ولا بابًا يُغلِقه دون نصيحةٍ تنفعه؛ فإنّ من فقه النفس أن تَزِنَ القولَ بحُجّته لا بمجرّد قائله، وأن تَقبل الحقَّ ممّن جاء به كائنًا من كان. وبهذا يَجتمع للعبد حُسنُ الظنّ بنفسه حين يُؤذَى ظلمًا، وحُسنُ النظر في عيبه حين يُنصَح صدقًا.
خاتمة
واطمئنّ؛ فإنّ الذي تكفّل بحفظِ الذِّكر، تكفّل بحفظِ كلِّ عملٍ خالصٍ يُرفع إليه، لا يَضيع عنده مِثقالُ ذرّة. امضِ على شاكلتِك التي تَرضى أن تَلقى اللهَ عليها، ودَعِ الألسنَ تقول؛ فإنها رَغوةٌ على وجهِ السيل، إلى انحسارٍ وذَهاب، وعملُك الصالحُ كالعَينِ الصافية، إلى بقاءٍ وامتداد. لن يَضيرك مَن افترى ما دام بينك وبين الله صِدق؛ فاجعل همَّك إتقانَ العملِ لا إفحامَ الخصم، وفي مَوكبِ الكبار — من الأنبياءِ إلى الأئمة — أُسوةٌ وعزاء، وفي وعدِ الله طمأنينةٌ تكفي القلبَ مَؤونةَ الجواب: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ١٠٥].
الهوامش
- قولُه تعالى في سورة الإسراء: ٨٤. والأقوالُ في «الشاكلة»: عن ابن عباس «على ناحيته»، ومجاهد «على حِدَته وطبيعته»، وقتادة «على نيّته»، وابن زيد «على دينه»؛ وهي متقاربة. انظر: تفسير الطبري «جامع البيان» عند الآية، وتفسير ابن كثير، وتفسير القرطبي.↩
- في رمي الأنبياء: ﴿كَذَٰلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]. وحادثة الإفك في حقّ عائشة رضي الله عنها: سورة النور ١١–٢٦.↩
- أوردها الحافظُ الذهبيُّ في «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» (نحو ١/١١١، على اختلاف الطبعات) في معرض كلامه على ما يقع بين الأقران من الطعن. وصياغةُ «يُطوى ولا يُروى» تعبيرٌ مشهورٌ صاغه النقّادُ عن معنى كلامه، لا لفظُه الحرفيّ.↩
- خبر قدوم البخاري نيسابور ومسألة اللفظ وخروجه: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة البخاري)، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي، والمدخل إلى الصحيح للحاكم. وقول مسلم في استقباله ثابتٌ عند الذهبي والحاكم. وهذا مع حفظ مقام الإمام محمد بن يحيى الذهلي إمامًا جليلًا من أهل الحديث، والخلافُ بينهما من جنس ما يقع بين الأكابر عند اشتداد مسائل الاعتقاد.↩
- محنة الإمام أحمد في القول بخلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم والواثق، وثباته، ثم رفع المتوكل المحنةَ وإعلاء قدره: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة أحمد بن حنبل)، والبداية والنهاية لابن كثير، وتاريخ بغداد. وهي في أصلها فتنةُ سلطةٍ وقولٍ كلاميّ، أُوردت هنا في باب الصبر على البلاء وبقاء أثر العالم.↩
- ترجمة محمد بن جرير الطبري ومحنته في آخر عمره ودفنه ليلًا: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة ابن جرير)، والبداية والنهاية لابن كثير. ونصّ ابن كثير على أنّ الذين آذوه «بعضُ الرعاع من العوامّ» لا أئمةُ المذهب.↩
- خبر ابن حبان البستي وكلمته «النبوة: العلمُ والعمل»، واتهامه ثم خروجه من سِجِستان: سير أعلام النبلاء للذهبي (ترجمة أبي حاتم محمد بن حبان البستي)، حيث حَمَل الذهبيُّ كلمتَه على وجهها الصحيح، وبيّن أنّ مرادَه أنّ العلم والعمل من ثمرات النبوّة لا أنّها مكتسَبة، مع كون إطلاق العبارة غيرَ حسن.↩
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.