أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
حجم الخط
العودة إلى المقالات
حِكَمٌ وبصائر

التَّقْوَى في القرآن الكريم: من دَلالةِ اللَّفظِ إلى فلسفةِ التطبيق

دراسةٌ قرآنيّةٌ في ماهيّة التقوى ومواطنِها ووظائفِها وميزانِها

د. أحمد أبو سيفيونيو ٢٠٢٦10 دقائق قراءة
التَّقْوَى في القرآن الكريم: من دَلالةِ اللَّفظِ إلى فلسفةِ التطبيق

دراسةٌ قرآنيّةٌ في ماهيّة التقوى ومواطنِها ووظائفِها وميزانِها. بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).

ما من كلمةٍ في وجدان المسلم أكثرُ دورانًا على الألسنة من كلمة «التقوى»، ولا أقلُّ منها نصيبًا من التحديد في الأذهان. تُقال في خُطبة الجمعة، وتُكتَب على جدران المساجد، وتُوصى بها الأجيال؛ ثمّ لا تكاد تسأل قائلَها: ما هي؟ فيقف. وكأنها صارت لفظًا يُلاك بلا ماهيةٍ تحدُّه، ولا تخصُّصٍ يضبط مواطنه، ولا معيارٍ تُوزَن به. وهذه أكبرُ جنايةٍ على مصطلحٍ جعله القرآنُ مدارَ النجاة وميزانَ الكرامة.

ودعوى هذا المقال أنّ القرآن لم يترك التقوى مفهومًا ضبابيًّا قطّ؛ بل أعطاها ماهيةً مضبوطة، وخصَّها بمواطنَ بعينها لا تنطق إلا فيها، وأقام بها معيارًا تُقاس عليه القيمةُ الإنسانية كلُّها. فلنطُف بها في أربع محطّات: ما هي التقوى؟ ثمّ أين تنطق؟ ثمّ كيف تعمل في نظم الآي؟ ثمّ بمَ تزن القيمة؟ — حتى ننتقل من ترديد الكلمة إلى امتلاك حقيقتها.

القسم الأوّل: المَاهيّة — ما هي التقوى حقًّا؟

تحريرُ المصطلح من الانكماش

استقرّ في الوعي الجمعيّ أنّ التقوى حالةٌ شعوريّة ضبابيّة تُرادِف مجرّدَ «الخوف» في معناه السلبيّ الانكماشيّ، وتُختزَل في تديُّنٍ منسحبٍ عن معترك الحياة. وأوّلُ خطوةٍ في فهمها أن نُحرِّرها من هذا الانكماش؛ فليست التقوى هروبًا من الدنيا، بل هي منهجٌ لإدارتها تحت نظر الله.

فلسفةُ التخوّف: من رُعبِ الانكماش إلى طاقةِ البناء

اقترنت التقوى بالخوف، واستقرّ الخوفُ في قالبه السلبيّ: الهَلَع والشَّلَل. ولكنّ نظرةً أعمقَ إلى محرّكات التاريخ تكشف أنّ «الخوف الفطريّ» لم يكن يومًا مِعوَلَ هدم، بل كان الحاملَ الأكبر على البناء والإعمار. فالإنسان لم يصنع الحضارة وهو مسترخٍ على أرائك الطمأنينة؛ بل إنّ خوفه من قسوة البرد والزمهرير هو الذي حمله على استنباط علم العمارة وتشييد البنيان، وإنّ تخوُّفه من غائلة الفقر والجوع هو الذي دفعه إلى حرث الأرض وشقِّ الأنهار وإقامة أسواق التجارة.

وأنبّه أنّ هذا استئناسٌ بيانيّ لتقريب المعنى، لا دعوى تفسيريّة على النصّ؛ إذ ليس المراد مطابقةَ الخوف الفطريّ الغريزيّ للخشية الشرعيّة، بل بيانَ أنّ «التخوّف» في جوهره يقظةٌ وحِسٌّ إدراكيّ لا انكماش. فالخائفُ الحقّ في الرؤية القرآنية ليس رجلًا يُسمِّره الرعب، بل إنسانٌ يقظٌ واعٍ مستعدٌّ للانطلاق؛ وحين يطلب القرآنُ منه أن يتّقي، فهو يستنفر فيه طاقةَ البناء لا يدعوه إلى الهروب.

التقوى وعيٌ لا فَزَع

ويصدّق هذا أسلوبُ القرآن؛ فإنه يصحِّح ظنَّ من حسبها انفعالَ خوفٍ بنمطٍ متكرِّرٍ لافت: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا...﴾؛ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: ٢٠٣]، ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٣٣]. فقَرَن التقوى بالعلم لا بالفزع؛ فهي بصرٌ لا رِعدة، وحضورُ قلبٍ لا اضطرابُه.

في اللغة: هندسةُ الحواجز والمنطقةُ العازلة

والتقوى في جذرها اللغويّ (وَقَى) اتّخاذُ تُرْسٍ وحاجزٍ يصدُّ الأذى؛ فهي فعلٌ هندسيٌّ وقائيّ. فحين يقول الجليل ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ [البقرة: ٢٤]، فإنه يطالب باتّخاذ إجراءاتٍ عمليّة وجُدُرٍ من النزاهة تمنع السقوط، لا بمجرّد الارتجاف منها. واللطيفة أنّ القرآن لم يكتفِ بالوقوف عند حدِّ الحرام، بل قال في الحدود: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧].

فنهى عن القُربِ لا عن العبور فحسب. والتقوى الحقّة تترك مسافةَ أمانٍ — منطقةً عازلة — بينها وبين المعصية؛ لأنّ من رعى حول الحِمى يوشك أن يقع فيه. فالتقوى هندسةُ مسافةٍ لا مجرّدَ وقوفٍ على خطّ.

الفطرةُ قبل التكليف

وقبل أن يأمرك القرآنُ بالتقوى، أخبرك أنها فيك: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٧–٨].

فالتقوى بذرةٌ مُودَعةٌ في فطرة النفس تقابل الفجور؛ ومعنى ذلك أنّ قوله ﴿اتَّقُوا﴾ ليس إنشاءً لمعدوم، بل إيقاظٌ لكامن. وهذه لفتةٌ تربويّة ثمينة: المربِّي لا يزرع التقوى زرعًا من الصفر، بل ينفض عنها الغبارَ ويوقظ ما خمد منها؛ فيتحوّل خطابُه من تلقينٍ من خارج إلى استدعاءٍ من داخل.

حقُّ التقوى: ثلاثيّةُ ابن مسعود

فإذا انتقلنا من المعنى العامّ إلى الحدِّ المنضبط، وجدنا القرآن قد طلب أعلى درجاتها في قوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وأبدعُ ما فُسِّر به «حقُّ التقوى» قولُ ابن مسعودٍ رضي الله عنه:

«أن يُطاعَ فلا يُعصى، ويُذكَرَ فلا يُنسى، ويُشكَرَ فلا يُكفَر»(١)

فهذه ثلاثيّةٌ تضبط ماهيّة التقوى ضبطًا عمليًّا: طاعةٌ في الجوارح، وذِكرٌ في القلب، وشكرٌ باللسان والعمل. وعليها جرى الطبريُّ في تفسيره فجعل «حقَّ تقاته» أن يُطاع فلا يُعصى. فمن أراد أن يعرف أين هو من التقوى فليحاسب نفسه على هذه الثلاث: هل عصيتُ؟ وهل غفل قلبي؟ وهل نسبتُ النعمة إلى نفسي؟

«حقَّ تقاته» و«ما استطعتم»: غايةٌ ووُسْع، لا نسخ

وقد ظنّ بعضهم أنّ قوله ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] نسخَ ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾؛ والتحقيق — كما رجّحه الرازيُّ وغيره من المحقّقين — أنه لا نسخ، بل الآيتان تتكاملان: ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بيانٌ للغاية المطلوبة — الكمالِ المقصود — و﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ بيانٌ للوُسع في الطريق — قدرِ الطاقة. فالشرع يكلّفك بأرفع غايةٍ ويرحمك في الطريق إليها بقدر وُسعك. ومن جعلها ناسخًا ومنسوخًا فقد أسقط نصفَ المعنى؛ إذ الجمعُ بينهما أدبٌ ربّانيّ: ارفع همّتك إلى الكمال، ثمّ لا تُكلَّف فوق طاقتك.

ضبطٌ اصطلاحيّ: التقوى وأخواتها

وممّا يزيد المفهوم إحكامًا أن نميّز التقوى عمّا يجاورها من الألفاظ، فهي أعمُّ منها وجامعةٌ لها. فالخشيةُ خوفٌ مقرونٌ بعلمٍ بعظمة المخشيّ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، فهي ثمرةُ التقوى حين تُسقى بالعلم. والورعُ ترك ما يَريب إلى ما لا يَريب، وهو مرتبةٌ عمليّة من التقوى — درجةُ اتقاء الشبهات. والبِرُّ هو العملُ الظاهر الواسع، والتقوى باطنُه ووازعُه؛ ولذلك قَرَنهما الله ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، فالبِرُّ فعلٌ والتقوى حارسُه. فالتقوى إذن جهازُ الوقاية الذي يُثمر الخشيةَ علمًا، والورعَ تطبيقًا، والبِرَّ عملًا.

في الأثر: طريقُ الشوك

وأبلغُ ما صوّر هذه الحركةَ اليقظةَ ما يُروى أنّ عمر بن الخطاب سأل أُبيَّ بن كعبٍ عن التقوى، فقال له: «أما سلكتَ طريقًا ذا شوك؟» قال: بلى. قال: «فما عملتَ؟» قال: شمّرتُ واجتهدتُ. قال: «فذلك التقوى»(٢). فالتقوى هنا اشتباكٌ حذِرٌ لا انسحاب؛ فالمتّقي يخوض أسواق المال ودهاليز الإدارة وتعقيدات العلاقات «مُشمِّرًا»، يدرس أين يضع قدمه ويزن قراره لئلّا تدميَه أشواكُ الحرام أو الظلم.

لا سقفَ للتقوى: سُلَّمٌ يُرتقى

وليست التقوى درجةً واحدةً يبلغها المرءُ فيقف؛ بل هي سُلَّمٌ يُرتقى. اقرأ ترتيب القرآن العجيب: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣].

ثلاثُ تقوى متصاعدة: تقوى تترك المحرَّم، فتقوى تتورّع عن الشبهة، فتقوى ترتقي إلى الإحسان — أن تعبد الله كأنك تراه. فالأولى نجاة، والوسطى ورع، والعليا إحسان. ولا سقفَ لها؛ فهي أُفقٌ يتقدّم كلما تقدّمتَ إليه؛ ومن ظنّ أنه بلغ التقوى فقد فارقها.

القسم الثاني: التخصُّص — أين تنطق التقوى؟

وقبل الطواف بمواطنها، تنبيهٌ على سَعة حضورها: فقد أحصى الدارسون ورودَ مادّة (وقى) ومشتقّاتها في القرآن في أكثرَ من مئتي موضع — على اختلافٍ يسيرٍ في طريقة العدّ — يغلب فيها اقترانُ التقوى بمواطن التكليف والمعاملة والاحتكاك، لا بمجرّد التعبّد المنعزل. وهذه الكثرةُ نفسها دليلُ أنّ التقوى مفهومٌ حركيٌّ يسري في تفاصيل الحياة، لا شعورٌ معلَّقٌ في زاوية.

الخيطُ الناظم: التقوى تنطق عند نقطةِ الانفلات

وهنا تظهر خصوصيّةُ التقوى التي تنفي عنها الضبابيّة؛ فإنّ القرآن لا يستدعيها في كلِّ موضع، بل عند «مواطن التماسّ والاحتكاك» لا عند مواطن الصفاء: عند الطلاق لا الزواج، وعند توثيق الدَّيْن لا عند الهبة، وعند الشهادة على العدوّ لا على الصديق، وفي المزالق كالربا والقصاص. والجامعُ بينها أنها مواضعُ يغيب فيها الرقيبُ الخارجيّ وتحضر فيها القدرةُ على الأذى في الخفاء. فالتقوى نظامُ الرقابة الداخليّ حين تعجز الرقابةُ الخارجيّة؛ وهذا تخصُّصٌ دقيق، لا تعميمٌ غائم.

خريطةُ المناطات: التقوى في شِعاب الحياة

القلبُ والشعيرة — أعمقُ نقطةِ انفلات؛ إذ لا رقيبَ على النيّة إلا الله. ولذا جرّد القرآنُ التقوى من مادّة العبادة وردّها إلى روحها: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧]، وقال في الشعائر ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢]؛ فاللحمُ صورةُ القُربان، والتقوى روحُه.

المالُ — معترَكُ الورع الأكبر، وأكثفُ الدوائر اقترانًا بالتقوى؛ لأنّ سطوة المال أشدُّ ما يُختبر به الضمير. في الربا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، وفي التوثيق ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وفي الكسب ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المائدة: ٨٨]، وفي البركة ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ٩٦].

الأسرةُ والأرحام — صِمامُ العواصف؛ تدور بقوّةٍ حول الطلاق ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢٤١]، ووعدِ الفرَج للمتّقي ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وصلةِ الأرحام ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]، ورعايةِ الضعفاء واليتامى ﴿فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].

اللسانُ والاجتماع — ميزانُ الكلمة والقلب؛ في القول ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، والظنِّ والغيبة ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ... وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٢]، والنجوى ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٩]، وإصلاحِ ذات البين ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾ [الأنفال: ١]، ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: ١٠].

العدلُ والقوّةُ والعهود — نقطةُ الانفلاتِ الكبرى؛ إذ يَسهُل الجَورُ حين تَقدِر على خصمك: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]، وفي ردِّ الاعتداء ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ١٩٤]، وفي الوفاء بالعهد مع المخالف ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٧]، وفي القتال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦].

العلمُ والبصيرة — الرادارُ الداخليّ؛ تفتح التقوى عينَ التمييز ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ [الأنفال: ٢٩]. وأمّا ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فلا يُحمَل على سببيّةٍ آليّة صريحة — إذ ذهب جمعٌ من المفسرين إلى أنّ الواو للاستئناف لا للتعليل — لكنّ المعنى الكلِّيّ يربط بين صفاء التقوى وانفتاح البصيرة.

الآخرةُ والمحاسبة — بوصلةُ الخلود؛ في التزوّد للغد ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]، ورجوعِ الخلق ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١]، واتقاءِ الفتنة ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥]، واتقاءِ النار ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١].

التقوى أخلاقُ القوّة

وأعِد النظر في تلك المواطن، تجد قاسمًا مذهلًا: الزوجُ القادرُ على إضرار مطلَّقته، والغنيُّ القادرُ على ابتلاع دَين الفقير، والشاهدُ القادرُ على لَيِّ الحقّ، والمنتصِرُ القادرُ على البطش، والكارهُ القادرُ على ظلم من يُبغض ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨]. في كلِّ هذه المواطن لا يُخاطَب الضعيفُ العاجز، بل القويُّ القادر. فالتقوى ليست خشوعَ العاجز، بل أخلاقُ القادر؛ ضابطُ اليد حين تستطيع أن تبطش، ولجامُ النفس حين يغيب من يحاسبها. وأيسرُ شيءٍ أن تكفَّ يدًا مغلولة، وأصعبُه أن تكفَّ يدًا قادرة.

إشراقة: الاحتكاكُ لا الدَّعَة

ومن العجيب أنّ القرآن يستدعي التقوى تحديدًا في «مواطن التماسّ» لا في مواطن الهدوء؛ فالورعُ الحقيقيّ لا يُمتحَن في السهول الممهّدة، بل في المنزلقات، حيث تشتدّ الشهوةُ وتفور الخصومة. وهذه قاعدةٌ ذهبيّة في التربية: لا تطلب تقواك في زاوية المسجد وحدها، بل في لحظة الغضب، وساعة المكنة، ومجلس القضاء، ومقعد السلطة.

القسم الثالث: النَّظْم — كيف تعمل التقوى في الجملة القرآنية؟

ولا تقف التقوى في موضعٍ نحويٍّ واحد؛ بل تتقلّب في الجملة القرآنية على ستِّ وظائف، كلٌّ منها يكشف وجهًا من المعنى:

الأولى: غايةً ومقصدًا بصيغة ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾؛ مقصدًا للعبادة كلِّها ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ... لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ٢١]، وللصيام [البقرة: ١٨٣]، وللقصاص ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٩]. فالعبادةُ هنا مصنعُ التقوى. وعلى هذا المعنى بنى الشاطبيُّ في الموافقات حين جعل التقوى من مقاصد التكليف الكبرى.

الثانية: حارسًا للتكليف، يتقدّم الأمرَ أو يتلوه ليحرسه — كالربا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، والقول ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠]، والطلاق ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ [الطلاق: ١].

الثالثة: مفتاحًا للمدد الإلهيّ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٢–٣]، ومعيةً ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: ١٢٨]، ونورًا ومغفرةً ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٨]. فهي مفتاحُ المدد، لا سببُ الرزق وحده.

الرابعة: شرطًا للقبول والانتفاع بالوحي ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ﴿ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. فالتقوى استعدادٌ سابقٌ لتلقّي الهداية، لا ثمرةٌ لاحقةٌ لها فحسب.

الخامسة: معيارًا للكرامة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. والسادسة: صفةً وهويةً: لباسًا ﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَٰلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦]، وزادًا ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧].

وفي هذا التدرّج لطيفةٌ بديعة: من ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ — غايةٌ تُرجى — إلى ﴿أَتْقَاكُمْ﴾ — مقامٌ يُنال — إلى ﴿الْمُتَّقِينَ﴾ — هويّةٌ تثبت. تترقّى التقوى من فعلٍ يُمارَس إلى صفةٍ تُلبَس إلى اسمٍ يُعرَف به صاحبُه. وتأمّل آية البرّ الجامعة ﴿... أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٧٧]؛ فقد جمعت الإيمان والمال والوفاء والصبر، ثمّ ختمت بأنّ هؤلاء هم المتقون — فجعلت التقوى حصيلةَ الدين كلِّه.

القسم الرابع: المِيزان — التقوى مِعيارُ القيمة

وآخر ما يُحرِّر التقوى من الضبابيّة أنها معيار؛ فلا النسبُ ولا العرقُ ولا الجاهُ ولا المالُ ولا القوّةُ ميزانَ التفاضل عند الله، بل التقوى وحدها: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. وبها صارت لباسًا يستر العورة الأخلاقيّة، وزادًا يُحمَل إلى الآخرة. ومن عظيم لطائفها أنّ أوسعَ الفرَجِ عُلِّق على أضيقِ الأبواب: ففي سورة الطلاق، حيث يُكلَم القلبُ وتُغَلّ اليدُ عن الرزق المعتاد، يتنزّل الوعدُ الواثق ﴿يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. فمناطُ التقوى ليس قيدًا نخنق به الحياة، بل بابُ سَعةٍ يُفتَح حين تُوصَد الأبواب.

الذروةُ والتطبيق: الربا واختبارُ التقوى الأكبر

وعند موطنٍ واحدٍ تجتمع كلُّ هذه المعاني في بَوتقةٍ واحدة: نداءُ الربا. فيه تأتي التقوى ضمانةً وتهديدًا معًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨]، ثمّ التهديدُ المزلزل ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١]. وسلطانُ المال على النفوس طاغٍ، فاستُدعِيت التقوى في أعتى مناطق الانفلات.

وهنا تثمر فلسفةُ التخوّف البنّاء التي بدأنا بها: فهذا التحفّز الذي تزرعه التقوى ليس غايتُه إيقافَ حركة المال وشلَّ الاقتصاد — حاشا لله — بل هو الحافزُ الحضاريّ الأعظم الذي ينبغي أن يدفع الأمّةَ اليقظةَ إلى ابتكار أسواقٍ اقتصاديّة حقيقيّة وأدواتٍ استثماريّة عادلةٍ حلال، تُغني عن أكل أموال الناس بالباطل؛ تمامًا كما دفع خوفُ الفقر الإنسانَ إلى ابتكار التجارة والزراعة. فالتقوى تَنهى عن الربا بيدٍ، وتدفع إلى العمران بالأخرى.

وثمّ خيطٌ يربط هذه الذروة بأوّل ماهيّة التقوى؛ فإنّ نداء ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ خُتِم بقوله ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]. وظاهرُ النهي عن الموت، وحقيقتُه الأمرُ بدوام الإسلام؛ إذ الموتُ ليس بيد العبد، فاقتضى أن يكون مسلمًا في كلِّ لحظةٍ احتياطًا للحظةٍ مجهولة. فحُسنُ الخاتمة ليس دعاءً يُرجى فحسب، بل مشروعُ عمرٍ يُبنى بدوام التقوى.

التقوى في زماننا: حين تغيب الرقابة كلَّها

وإذا كانت التقوى تنطق عند «نقطة الانفلات» — حيث يغيب الرقيبُ الخارجيّ — فإنّ عصرنا قد ضاعف هذه النقاط حتى صارت محيطًا. ففي الفضاء الرقميّ يجلس المرءُ خلف شاشةٍ وحده: لا رقيبَ على ما يكتب باسمٍ مستعار، ولا على ما يُشاهد في خلوته، ولا على ما ينقله من خبرٍ دون تثبّت، ولا على خصوصيّات الناس التي تمرّ بين يديه. وهذه عينُ مواطن «القول السديد» و«اجتناب الظنّ» و«حفظ النجوى»، لكنها تضخّمت بحجم الشبكة. فالتقوى هي الرقيبُ الباقي حين تُطفأ كلُّ الكاميرات: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.

وكذلك في الاقتصاد الحديث، حيث تعقّدت المعاملاتُ حتى صار التحايلُ يلبس ثوب الشرعيّة: رِبًا يُسمّى رسومًا، وغَرَرٌ يُسمّى تأمينًا، وأكلٌ لأموال الناس يُسمّى عمولات. وفي هذه المتاهة لا يعصم إلا تقوى القلوب التي ترى ما وراء المسمّيات. فالنداءُ الذي حرس مالَ الأمّة قبل أربعة عشر قرنًا ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ هو نفسُه حارسُها اليوم في أسواق المال الرقميّة.

خاتمةُ المطاف: من تقوى القلوب إلى تقوى الجوارح

فالتقوى في ميزان القرآن ليست خمولًا ولا رعبًا يُقعِد الهِمم ولا انسحابًا من الحياة؛ بل هي أعلى درجات الاستنفار الروحيّ والعقليّ: العينُ البصيرة التي ترقب المآلات، والقوّةُ الدافعة التي تحمي العمران من الانهيار الأخلاقيّ. ولها — كما رأيتَ — ماهيّةٌ تحدُّها (طاعةٌ وذِكرٌ وشكر)، تثمر الخشيةَ والورعَ والبِرّ؛ ومواطنُ تخصُّصٍ تنطق عندها (كلُّ نقطة انفلات)؛ ووظائفُ في النظم (غايةٌ وحارسٌ ومفتاحٌ وشرطٌ ومعيارٌ وهويّة)؛ ومعيارٌ تُوزَن به الكرامة. وكلُّ ما رأيناه — مالًا وطلاقًا ولسانًا وشهادةً وقوّةً — ليس إلا تمظهراتٍ سلوكيّةً لحقيقةٍ واحدةٍ كامنةٍ سمّاها القرآنُ ﴿تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾؛ رقيبٌ واحدٌ في الداخل، يحرس الإنسانَ عند كلِّ مواطن انفلاته. ولذلك كان النداءُ الربّانيُّ الأعظمُ لحماية الإنسان واقتصاده ومجتمعه يبدأ دائمًا بالنداء الخالد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ...﴾.

الحاشية (١): أثرُ ابن مسعودٍ في تفسير «حقّ تقاته»: أخرجه الحاكمُ في «المستدرك» وصحّحه، وابنُ أبي شيبة، وذكره الطبريُّ وابنُ كثيرٍ وغيرُهما في تفاسيرهم عن عبد الله بن مسعودٍ رضي الله عنه موقوفًا، وتلقّاه أهلُ العلم بالقبول في تفسير الآية.الحاشية (٢): أثرُ التقوى وطريق الشوك: يُروى عن عمر وأُبيّ بن كعبٍ رضي الله عنهما، وروي نحوُه عن ابن مسعودٍ وأبي الدرداء؛ ذكره ابنُ المبارك في «الزهد» وابنُ كثيرٍ في تفسيره وغيرُهما، وهو أثرٌ مشهورٌ في كتب الرقائق يُستأنس به، ولذا صُدِّر بصيغة التمريض «يُروى».
شارك المقال

التعليقات

شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.

لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.

نرجو أن تكون قد أفدتَ من المقال، ونرحّب بتعليقك ونصيحتك.

اسأل الشيخ