الاستجابة حياة
قراءةٌ تأصيليّةٌ تربويّةٌ في نداء ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾
قراءةٌ تأصيليّةٌ تربويّةٌ في نداء ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤]. بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا. (هذا المقال مستوحًى من خطبة جمعةٍ مباركةٍ لفضيلة الدكتور عبد الحميد سالم — إمام دار الحديث بأمريكا، وأستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر — أُعيد نسجُ معانيها وبناؤها وتوثيقُها؛ وفاءً لمنبع الإلهام، وإشارةً إلى صاحب الفضل فيه.)
مدخلٌ: نداءٌ يبعث الحياة
ما من نداءٍ في كتاب الله يُستفتح بقوله: «يا أيها الذين آمنوا» إلا وهو بابٌ من أبواب الشرف، ومنزلةٌ من منازل التكليف، يهتزّ له قلب المؤمن طربًا أن خُوطب بأكرم أوصافه. فالنداء بالإيمان تذكيرٌ بمقتضاه، وتشريفٌ يستدعي امتثالًا. وضمن هذه «النداءات الإيمانية» يتنزّل قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]؛ فجمعت الآيةُ بين الأمر بالاستجابة، وبيان غايتها العظمى — الحياة — والتحذير من التسويف بكلمةٍ تهزّ القلوب.
أولًا: في معنى الاستجابة و«ما يحييكم»
الاستجابةُ في أصل اللغة إجابةُ الداعي مع المبادرة إلى مقتضى دعائه؛ فهي طاعةٌ وامتثالٌ لا مجرد سماعٍ وإقرار. وقد عُدِّي الأمرُ باللام في «استجيبوا لله» إيذانًا بأن الإجابة حقٌّ خالصٌ لله ولرسوله. ثم جاء قوله: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ كاشفًا عن علّة الأمر؛ فاللام بمعنى «إلى»، أي إلى ما فيه حياتكم. وهي حياةٌ لا تنحصر في نبض العروق، بل تَسري في القلب والعقل والبدن جميعًا.
وقد تنوّعت عبارات المفسرين في المراد بـ«ما يحييكم» تنوّعَ التكامل لا التعارض: فالسدّيُّ قال «هو الإيمان» لأن الكافر ميّتٌ يحيا به، وقتادةُ «هو القرآن فيه الحياة والنجاة»، ومجاهدٌ «هو الحق»، وابنُ إسحاق «هو الجهاد أعزّكم الله به بعد الذلّ»؛ ورجّح الطبريُّ حملَه على الطاعة لما فيه حياةُ الدين. وهذه الأقوال أنهارٌ تصبّ في بحرٍ واحد: فالإيمان حياة القلب، والقرآن حياة العقل، والحقّ والجهاد حياة الأمة في عزّها ووجودها.
وفي وصف الدعوة بأنها «حياة» سرٌّ لطيف؛ فإن الله لم يقل: «لما ينفعكم» ولا «لما يصلحكم»، بل قال: ﴿لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، تنبيهًا على أن المُعرض عن أمر الله — وإن تنفّس وتحرّك — في عداد الأموات؛ كما قال سبحانه: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. فالاستجابةُ ليست عبئًا يُضاف إلى الحياة، بل هي روحُها التي بها تستقيم وتُثمر.
ثانيًا: «ويحول بين المرء وقلبه» — بادِر قبل أن يتقلّب القلب
ثم عقّب سبحانه بجملةٍ تُرهب القلوب وتستحثّ الهِمم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾. وفي هذا التعقيب سرٌّ تربويٌّ عظيم؛ فكأنه يقول: بادِر بالاستجابة ما دام القلب بين جنبيك مُقبلًا، فإنك لا تملكه ملكًا تأمن معه التقلّب. وقد سُمّي القلب قلبًا لكثرة تقلّبه؛ فبين الخاطرة والعزيمة لحظةٌ قد يُحال فيها بين المرء وما همّ به من خير. فمن سوّف اليوم لم يضمن قلبَ الغد.
وفي الحديث ما يصدّق هذا المعنى؛ فقد ثبت أن «قلوب العباد بين إصبعين من أصابع الرحمن يصرّفها كيف يشاء»، وكان النبيُّ ﷺ يُكثر أن يقول: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبي على دينك». فإذا كان سيّد المستجيبين ﷺ يلهج بهذا الدعاء، فأحرى بمن دونه أن يغتنم لحظة الإقبال، ويُمضي العزم قبل أن تتبدّل الأحوال. والمبادرةُ إلى الخير عصمةٌ من فتنة التأجيل.
ثالثًا: مسارعةُ الجيل الأول إلى الامتثال
لم تكن الاستجابة عند الجيل الأول تأمّلًا مؤجَّلًا ولا مراجعةً مترددة، بل مسارعةً تلتقط الأمر فور سماعه وتُترجمه عملًا في حينه. وفي سيرتهم مشاهدُ تأخذ بمجامع القلب، تثبت بالنقل الصحيح:
فحين نزل تحريم الخمر، أُريقت حتى جرت في سكك المدينة، وكُسرت دِنانُها في ساعتها. وحين نزل أمر الاختمار، شقّت نساءُ المهاجرات الأُوَل مُروطهنّ فاختمرن بها مبادرةً إلى الامتثال. وحين تحوّلت القبلة وهم في صلاتهم، بلغهم الخبر فاستداروا كهيئتهم نحو الكعبة دون أن يقطعوا صلاتهم.
وحين نزل قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]، قام أبو طلحة من فوره فتصدّق ببَيْرَحاء — أحبّ أمواله إليه — فقال له النبيُّ ﷺ: «بخٍ، ذلك مالٌ رابح». وفي ميدان بدرٍ، لمّا سمع عميرُ بن الحُمام النبيَّ ﷺ يدعو إلى جنةٍ عرضها السماوات والأرض، وفي يده تمراتٌ يأكلها، قال: «لئن أنا حييتُ حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياةٌ طويلة»، فألقى التمرات وقاتل حتى استُشهد. فانظر كيف جعل الحياة الحقّ في الاستجابة لا في طول البقاء.
ومن أبدع مشاهد الاستجابة عند النساء ما كان من فتاةٍ من الأنصار، خطب النبيُّ ﷺ يدَها لجُلَيبيب — وكان رجلًا لا حظَّ له في مالٍ ولا جمال — فترددت أمُّها، فسمعت الفتاةُ من خِدرها فقالت: «أتُرُدُّون على رسول الله ﷺ أمرَه؟! ادفعوني إليه، فإنه لن يُضيِّعني». فسلّمت لاختيار النبيِّ ﷺ تسليمَ من يتمثّل قولَ الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ فدعا لها النبيُّ ﷺ: «اللهم صُبَّ عليها الخيرَ صبًّا، ولا تجعلْ عيشَها كَدًّا كَدًّا»، فما كان في الأنصار أيِّمٌ أنفقَ منها(١).
والقاسمُ المشترك بين هذه المشاهد: أن سرّ تفوّق ذلك الجيل لم يكن في كثرة العلم وحده، بل في سرعة تحويله إلى عمل. لم يكن بينهم وبين الأمر حجابُ التأويل ولا فاصلُ التردد؛ بل كانوا — كما وصفهم القرآن — ﴿سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] قولًا يصدّقه الفعلُ في حينه.
الحاشية (١): أخرج القصةَ بتمامها — الخِطبةَ وردَّ الفتاة ودعاءَه ﷺ لها — الإمامُ أحمد في «المسند» (١٩٧٨٤) وابنُ حبّان في «صحيحه» (٤٠٣٥)، عن أبي بَرْزة الأسلميّ رضي الله عنه؛ وإسنادُه صحيحٌ على شرط مسلم (حكم به شعيب الأرناؤوط والبيهقيّ). وأصلُ قصة استشهاد جُلَيبيب وقولِ النبيّ ﷺ فيه: «هذا مِنّي وأنا منه» في صحيح مسلم (٢٤٧٢). [تنبيه: الفتاة نطقت بمعنى الآية لا بنصِّها؛ والربطُ بينهما استنباطٌ لا روايةٌ.]
رابعًا: استجاباتٌ مؤجَّلة
ولئن أعجبتنا مسارعةُ الأوّلين، فإن أكثر ما يَحول بيننا وبين حياتنا هو التسويف. كم من نداءٍ شرعيٍّ يَطرق القلب فيهمّ به صاحبه ثم يُرجئه إلى وقتٍ لا يأتي! فهذه صلاةٌ تُؤخَّر عن وقتها بحجّة الانشغال، وتوبةٌ يُتردَّد فيها انتظارًا لِما بعد الشباب أو بعد الموسم، وموعظةٌ تُسمَع فتُبكي العين ولا تُحرّك الجارحة، وحقٌّ يُعرَف ولا يُعمَل به. وكلُّ ذلك صورٌ من «الاستجابة المؤجَّلة» التي حذّرت منها الآية بقولها: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾.
والعلاج أن يجعل المؤمن بين سماع الأمر وامتثاله أقصرَ مسافةٍ ممكنة؛ فلا يَكِلَ خيرًا حضر داعيه إلى غدٍ مجهول، ولا يَنتظر بالطاعة حالًا أكملَ من حاله. فإن لحظة الإقبال نعمةٌ قد لا تتكرّر، والقلبُ أمانةٌ يُخشى عليها التقلّب. والمبادرةُ الصغيرةُ الصادقة خيرٌ من العزيمة الكبيرة المؤجَّلة.
خامسًا: لُحمةُ الاستجابة — حياةُ القلب والعقل والبدن
ومن هنا تتجلّى لُحمة المعنى الذي تنتظم عليه الآية: أن الاستجابة حياةٌ تسري في أركان الإنسان الثلاثة فتنتظمها جميعًا. فهي حياةٌ للقلب نورًا وطمأنينةً؛ إذ بالإقبال على الله يَحيا القلب من موت الغفلة، ويذوق من السكينة ما لا تعدله لذّة، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وهي حياةٌ للعقل هدايةً ورشدًا؛ فإن القرآن يخاطب العقل بالبرهان، ويفتح للبصيرة آفاق التدبّر، فيستقيم الفكر على ميزان الحق ويتحرّر من أهواء الزيغ. فالعقل المستجيب عقلٌ حيٌّ يبصر مواقع قدميه، والعقل المُعرض مكبَّلٌ وإن ظنّ نفسه حرًّا.
وهي حياةٌ للبدن طاقةً وعملًا؛ فإن الإيمان لا يستقرّ في القلب همسًا، بل يفيض على الجوارح حركةً وبذلًا. فالبدن الذي يستجيب لأمر ربّه بدنٌ عاملٌ منتج، تتحوّل فيه العقيدة إلى فعلٍ والكلمة إلى موقف. وهكذا ينتظم الباطن والظاهر، ويتّحد العلم والعمل؛ فيصير المؤمن وحدةً متناغمة: قلبٌ يَعمر بالنور، وعقلٌ يهتدي بالرشد، وبدنٌ ينهض بالعمل — لا انفصام بينها ولا تنازع.
خاتمة: فبادِر، فالاستجابة حياة
فيا أيها المؤمن، إن الله يدعوك إلى ما يحييك، ويحذّرك أن يُحال بينك وبين قلبك قبل أن تُجيب. فلا تجعل بين سماع الأمر وامتثاله مسافةً يتسلّل منها الشيطان بالتسويف. بادِر إلى الصلاة إذا نوديت، وإلى التوبة إذا ذُكّرت، وإلى البِرّ إذا دُعيت، وإلى كل خيرٍ همّ به قلبك؛ فإن المسارعة عبادةٌ، والتأجيل خِذلان.
واعلم أن أهنأ الناس عيشًا أحياهم قلبًا بطاعة ربّه؛ فمن أجاب داعي الله نال الحياة الطيّبة في الدنيا والنعيم المقيم في الأخرى. فاجعل شعارك كلما طرق سمعك نداء: «سمعنا وأطعنا»، واسأل ربّك أن يثبّت قلبك على دينه.
اللهم يا مقلّب القلوب ثبّت قلوبنا على دينك، واجعلنا ممّن يستمعون القول فيتّبعون أحسنه، وارزقنا المبادرةَ إلى ما يحيينا، إنك سميعٌ مجيب. وصلّى الله وسلّم وبارك على نبيّنا محمّدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.