تأمُّلٌ في الإخلاصِ الخالص
العطاءُ لوجه الله وحده والتحرُّرُ من رِقِّ المِنَّة
قراءةٌ تربويّةٌ في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ [الليل: ١٩–٢١]. إعداد: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
في مقامٍ رفيعٍ من خواتيم سورة الليل، يرسم القرآن الكريم صورةً للنفس وقد بلغت أنقى ما تبلغه في بذلها: تُعطي ولا تنتظر، وتُحسِن ولا تَمُنّ، وتبذل ولا تلتفت إلى جزاءٍ من أحدٍ من الخلق. ثلاثُ آياتٍ موجزاتٌ تختزل فلسفةَ العطاء كلَّها: نفيُ المعاوضة، ثم إخلاصُ القصد، ثم البشارةُ بالرضا. وهي وإن نزلت في رجلٍ بعينه، فإنها قانونٌ مفتوحٌ لكلِّ نفسٍ تطلب أن تتحرّر من ثِقَل المِنَّة وذُلِّ انتظار العِوض.
أولًا: تحريرُ معنى الآية
افتتح المعنى بنفيٍ دقيق: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾؛ أي ليس بذلُه مالَه مكافأةً عن يدٍ سابقةٍ أُسديت إليه فهو يردُّ الجميل بالجميل. يقول الإمام ابن كثير في بيانها: «ليس بذلُه مالَه في مكافأةِ من أسدى إليه معروفًا فهو يعطي في مقابلة ذلك، وإنما دفعه إلى ذلك ابتغاءُ وجه ربه الأعلى». فالعطاء هنا مقطوعُ الصِّلة بأيِّ دَينٍ معنويٍّ سابق؛ إنه ابتداءٌ لا ردُّ جميل.
وقد فصّل الطبري وجهَ الإعراب والمعنى معًا، فنقل عن أهل العربية أنّ المراد: «ليس ينفق ما ينفق من ذلك، ويعطي ما يعطي، مجازاةَ إنسانٍ يجازيه على يدٍ له عنده، ولا مكافأةً له على نعمةٍ سلفت منه إليه… ولكن يؤتيه في حقوق الله ابتغاءَ وجه الله»، ثم نبّه إلى أنّ «إلّا» هنا بمعنى «لكن» على الاستثناء المنقطع. فالعطاء ليس معاوضةً مغلقةً بين يدٍ ويد، بل انطلاقةٌ خالصةٌ نحو الله.
وأمّا القرطبي فجلّى الثمرةَ والغاية، فقال: «أي ليس يتصدّق ليُجازى على نعمة، إنما يبتغي وجه ربه الأعلى، أي المتعالي، ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾ أي بالجزاء». فجمع بين تطهير الباعث — نفيِ طلب المجازاة — وبين علوِّ المقصود — وجهِ الرب الأعلى — وبين عاقبة ذلك من الرضا الموعود.
وختم السعدي المعنى بلطيفةٍ بديعة، إذ جعل الآية معيارًا للتجرُّد، فقال: «ليس لأحدٍ من الخلق على هذا الأتقى نعمةٌ تُجزى إلا وقد كافأه بها… فتمحَّضَ عبدًا لله، لأنه رقيقُ إحسانه وحده… فبقيت أعمالُه خالصةً لوجه الله تعالى». فالغاية أن يصير القلب حُرًّا من كلِّ مِنّةٍ مخلوقة، خالصَ الرِّقِّ لله وحده.
ثانيًا: سببُ النزول وتنزيلُها على أبي بكر الصدّيق
جاء في تنزيل هذه الآيات أنها نزلت في أبي بكرٍ الصدّيق رضي الله عنه حين أعتق الضعفاء من المسلمين ابتغاءَ وجه الله لا مكافأةً ولا جزاء. روى الطبري بسنده عن قتادة: «نزلت في أبي بكر، أعتق ناسًا لم يلتمس منهم جزاءً ولا شكورًا، ستةً أو سبعةً، منهم بلالٌ وعامرُ بن فُهَيرة».
وزاد القرطبي القصةَ بيانًا، فنقل عن ابن عباسٍ من رواية عطاءٍ والضحّاك أنّ المشركين عذّبوا بلالًا وهو يقول: «أحدٌ أحد»، فمرّ به النبي ﷺ فقال: «أحدٌ يُنجيك»، ثم قال لأبي بكر: «يا أبا بكر، إنّ بلالًا يُعذَّب في الله»، فانصرف أبو بكر فأخذ رِطلًا من ذهب فاشتراه من أميّة بن خلف فأعتقه. فقال المشركون: ما أعتقه أبو بكر إلا ليدٍ كانت له عنده، فنزلت ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِندَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَىٰ﴾؛ أي ما كان عند أبي بكرٍ من يدٍ ومِنّةٍ تُجزى، بل فعل ذلك ابتغاءَ وجه ربه الأعلى.
ودخولُ أبي بكرٍ في هذه الآيات قويٌّ جدًّا حتى حكى غيرُ واحدٍ من المفسرين الاتفاقَ عليه؛ وقد رُوي من طرقٍ يشدُّ بعضُها بعضًا — مرسلِ قتادة، وروايةِ عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عند الطبري، وروايةِ عطاءٍ والضحّاك عن ابن عباسٍ عند القرطبي. وينبغي التفريقُ بين أصلِ نزولها في الصدّيق وهو الثابتُ المتلقَّى بالقبول، وبين تفاصيلِ قصة بلالٍ ومقدارِ الثمن وألفاظِ المشركين فإنها ترِد بأسانيدَ متفاوتةِ المرتبة، فلا يُجزَم بكلِّ جزئيةٍ منها بدرجةٍ واحدة. والمقصودُ الأعمُّ باقٍ على عمومه: فالآيةُ — كما قرّر السعدي — «متناولةٌ لكلِّ من اتّصف بهذا الوصف الفاضل»، فإن خُصَّ السببُ بأبي بكرٍ فاللفظُ أوسعُ منه، يبقى بابًا لكلِّ عطاءٍ تحرّر من طلب الجزاء البشريّ.
ثالثًا: البناءُ التربويّ — من العطاء المعاوِض إلى العطاء الخالص
بين عطاءَين بَونٌ بعيد: عطاءٌ معاوِضٌ يُرتَّب على دَينٍ سابق، فهو في حقيقته صفقةٌ مؤجَّلة، يُعطي صاحبُه ليأخذ، ويُحسِن ليُقال، ويبذل وعينُه على ميزان الأخذ والرد. وعطاءٌ خالصٌ ينبع من القلب ابتداءً، لا يستند إلى مِنّةٍ ماضية، ولا يستشرف مكافأةً آتية. والآية تنقل النفسَ من الأول إلى الثاني نقلةً حاسمة: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَىٰ﴾.
وفي هذا تحريرٌ للقلب من أثقالٍ ثلاثة: تحريرُه من انتظار شكر الناس، فمن علّق أجره بثنائهم استرقّه مدحُهم وأذلّه إعراضُهم؛ وتحريرُه من المنِّ والأذى اللذَين يُحبطان الصدقة كما قال تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ﴾؛ وتحريرُه من ثِقَل الدَّين المعنويّ الذي يجعل العطاءَ سدادًا لا إحسانًا. ومقامُ «وجه الله الأعلى» هو البوتقةُ التي تُصهر فيها النية حتى تَصفو؛ فحين يكون المقصودُ أعلى من كلِّ التفاتٍ أرضيّ، تسقط دونه كلُّ الحظوظ الصغيرة.
وليس الإخلاصُ أن يكره المرءُ شكرَ الناس أو يمنعهم منه، فقد قال النبيُّ ﷺ: «لا يشكر اللهَ من لا يشكر الناس»، وإنما حقيقتُه ألّا يكون الشكرُ هو المقصودَ الأصليَّ من العمل، فإن جاء فنعمةٌ، وإن غاب فالأجرُ موفورٌ عند الله. وهذا المعنى هو لُبُّ ما يسعى المشروع القرآنيّ التربويّ إلى غرسه في النفوس: ألّا يُربَّى المتعلّم والداعيةُ على طلب العائد العاجل من ثناءٍ أو منصبٍ أو امتنانٍ، بل على إخلاص الوجهة لله وحده، فيستوي عنده مدحُ المادح وصمتُ الغافل، لأنّ أجره عند من لا يضيع عنده مثقالُ ذرّة.
رابعًا: البُعدُ الحضاريّ — إحسانٌ لا يُذِلُّ آخذَه
للإخلاص في العطاء أثرٌ يتجاوز القلبَ الفردَ إلى بنية المجتمع كلِّها. وليس المرادُ أن يُلغيَ المجتمعُ المصالحَ — فهي معتبَرةٌ مشروعة — بل أن يتعاليَ على عبوديّتها وحساباتِ المنِّ والاستتباع. فحين يُعطي الناسُ ابتغاءَ وجه الله لا طلبًا للجاه ولا انتظارًا للولاء، تتحرّر روابطُهم من أن تنقلب كلُّ هديّةٍ رِشوةً مؤجَّلة، وكلُّ معروفٍ قيدًا في عنق صاحبه. ويقوم مكانها مجتمعٌ لا تتحوّل فيه الحاجةُ إلى إذلال، ولا الإحسانُ إلى سلطان، تُبذل فيه الخيراتُ بلا ثمن، وتُقضى فيه الحاجاتُ بلا استعباد.
وأرفعُ ثمرات هذا الإخلاص أنّ الإحسان فيه لا يُذِلّ آخذَه؛ لأنّ المُعطيَ لم يُعطِ ليَستتبع، ولم يَبذُل ليُذكِّر بفضله. وهنا يُستردّ للمُحسَن إليه كرامتُه؛ فهو يأخذ عطاءً صعد إلى الله قبل أن ينزل إليه، فلا يبقى للمعطي عليه سلطانُ مِنّة. وهكذا صنع أبو بكرٍ حين أعتق بلالًا: أعتقه فأعاد إليه كرامتَه وحرّيتَه معًا، إذ ردَّ معنى الإنسان إلى جسدٍ أُريد له أن يبقى مقهورًا، فلم يجعل العتقَ دَينًا في عنقه، بل قُربةً خالصةً لله. وذلك سرُّ أنّ المجتمع الذي يُبنى على هذا العطاء يكون أوثقَ عُرى وأطهرَ ضمائر، لأنّ روابطه قائمةٌ على الله لا على تبادل الفضل؛ فيتحوّل البذلُ من صفقةٍ تُحسَب إلى عبادةٍ تُرتجى، ويغدو الإحسانُ بناءً للناس لا استعلاءً عليهم.
خامسًا: «ولسوف يرضى» — غايةُ كلِّ عطاء
ثم تأتي البشارةُ الختامية كالنور بعد المسير: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَىٰ﴾. وما أعظمها خاتمةً لمن تجرّد لله! فاللام لامُ القسم، و«سوف» للتأكيد والتنفيس عن سَعَة العطاء الإلهي، فكأنّ الله يقول لعبده المخلص: اطمئنّ، فإنّ الرضا آتٍ لا محالة. وقد فسّر القرطبي ذلك الرضا بأنه «بالجزاء»، والجزاءُ من جنس العمل: من لم يطلب جزاءً من الخلق، تكفّل الله بأن يُرضيَه هو بنفسه.
بل إنّ أعلى ما في الآية أنّ الموعودَ ليس مجرّدَ ثوابٍ موصوف، بل «رضا» مطلَقٌ يَسَعُ كلَّ ما تشتهيه النفسُ المؤمنة وفوقه؛ ومن وراء ذلك رضوانٌ من الله أكبر. فمن جعل وجه الله الأعلى غايتَه في الدنيا، كان رضا الله الأعلى غايتَه في الأخرى. وهكذا تنغلق الدائرةُ على أجمل ما تكون: عطاءٌ خالصٌ في مفتتحها، ورضًا تامٌّ في خاتمتها.
تلك هي رسالةُ الآيات الثلاث: أن تُعطيَ ولا تطلب الجزاء إلا من الله الأعلى، فتعتق نفسَك من رِقِّ المِنّة كما أعتق الصدّيقُ بلالًا، وتُقيم بذلك في داخلك — وفي مجتمعك من حولك — صرحًا من الإحسان لا تُكدِّره مَنٌّ ولا يُفسده انتظارُ عِوَض. وتلك غايةٌ جديرةٌ بأن يتربّى عليها كلُّ قلبٍ يطلب وجه الله.
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.