أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 6
حِكَمٌ وبصائر
حِكَمٌ وبصائر

الشيطان والإنسان: غاية ووسيلة

خطبة جمعة في مداخل الشيطان: الطمع، البخل، المقارنات، صحبة السوء

د. أحمد أبو سيف١٢ أكتوبر ٢٠١٨15 دقائق قراءة

إن الحمد لله نحمده سبحانه ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله تبارك وتعالى من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله تعالى فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده مقاليد السماوات والأرض وهو على كل شيء قدير. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمداً عبد الله تعالى ونبيه ورسوله وصفيه من خلقه وحبيبه، بلَّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وكشف الله تعالى به الغمة، فجزاه الله تعالى عنا وعن أمة الإسلام خير الجزاء.

وبعد،

فقد أردتُ أن أستكمل حديثاً بدأتُه بالأمس، ليس هنا ولكن مع أبنائنا في جامعة تكساس-دالاس (UTD). وكان من الملفت للنظر أن يطلب عدد من الشباب في هذا العمر حديثاً خاصاً عن مداخل الشيطان، فهو من العناوين التي كَثُر الحديث حولها حتى صارت دارجة. فإذا سألت عن طريقة تفكير الشباب رأيتَهم ربما يفكرون بطريقة مختلفة عن الطرائق التي تُستعمل مع الكبار. وفي أثناء الحديث تُدرك أنك أمام عقول تستطيع حقاً أن تُحرِّك المستقبل وأن تُخطِّط له وأن تعمل جاهدةً على خدمة ما تَؤُمُّه.

فأردت اليوم أن أُشارككم ما كان في ذلك المجلس، لعل فيه من الفائدة ما يُتمُّه الله تعالى علينا بإذنه.

مفهوم العبادة والاستخلاف

إن الإسلام دين شامل، وإن مفهوم العبادة في الإسلام لا يقتصر على الصلاة والصيام والذكر فحسب، بل هو أوسع من ذلك بكثير. كونك مستخلَفاً لله في الأرض ليس معارضاً لمصطلح العبادة، بل هو جزء من مواصفاتها العامة والكاملة. أن تجلس هاهنا في خطبة الجمعة، أن تخرج إلى المستشفى أو إلى المصنع أو إلى المدرسة لتستكمل عملك، أن تنام في الليل لتستيقظ في الصباح مكتمل القوة — معالم العبادة مشتملة على كل جزئيات الحياة.

مهمة الشيطان

ما هي مهمة الشيطان؟ مهمتُه أن يُغويَك. هو في هذه الحياة كلها مهمتُه الوحيدة أن يُغويَك. أعدَّ لك ما لم يُعدَّ لغيرك، وليس له هدف آخر. ولا تتصوَّر أنك في يوم من الأيام ستغلط غلطةً والشيطان سيجيء يُلاطفك ويقول لك: «طيب لا بأس، لن أفعلها معك مرة أخرى» — بالعكس، سوف يُلزمك ما هو أكثر وما هو أشد حتى يُردي العبد في المهالك.

﴿لَأُغوِيَنَّهُم﴾ — كلمة في منتهى القوة عبَّرت عن مراد الشيطان. بل كان الشيطان أكثر وضوحاً عندما حدَّد أنه سيأتي بني آدم ﴿مِن بَيْنِ أَيْدِيهِم وَمِن خَلْفِهِم وَعَن أَيْمَانِهِم وَعَن شَمَائِلِهِم﴾. وكان أكثر توضيحاً للغاية المرادة: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ أَكْثَرَهُم شَاكِرِين﴾. يريد منك الكفر، يريد منك الغواية، يريد منك الضلال، يريد منك الباطل، يريد منك السيئة، يريد منك التحايل على القانون، يريد منك أن تكون على غير ما أمرك به ربك.

مداخل الشيطان: الطمع والبخل

ولأن التشابه الحاصل بين الناس قريب، فابحث عن الأدواء الموجودة في البشر. تجد مثلاً الطمع — هذا شعار كبير جداً. مصطلح الطمع هذا يدخل منه الشيطان أو يستعمله في داخلك. تقول: «لا، ليس كل الناس طمَّاعين». لا بالعكس، كل الناس طمَّاعون! كيف يا شيخ؟ يعني أنت طامع في مال، وغيرك يطمع في نساء، وثالث يطمع في مزيد من الحسنات. إذاً المفهوم — المصطلح نفسه — موجود، ولكن توزيع مهام هذا المصطلح يتفاوت من شخص إلى شخص.

فالشيطان يضع الوسائل ويتحسَّس: هنا نسبة الطمع كيف؟ مثل الطبيب الذي يجلس أمامه المريض ويبدأ يفحص القلب والمعدة والقولون والدماغ والعينين — عنده عشر أو خمس عشرة نقطة ينظر إليها، لا زيادة، هنَّ تلك — ولكن مستوى المقاومة عند هذا الإنسان أكبر من مستوى المقاومة عند ذاك. هذا الرجل ضعيف في هذا وذاك ضعيف في ذلك، فيبحث الشيطان عن نقاط الضعف.

ثم قضية البخل: هناك إنسان يبخل بماله، وهناك إنسان يبخل بفكرته، وهناك إنسان يبخل بمشاعره. المفهوم موجود، ولكن توزيعه يختلف.

المقارنات: مدخل خطير

ثم هناك المقارنات — وهي من أخطر المداخل. الشيطان قارن بين حاله وحال ذلك المخلوق الجديد (آدم عليه السلام)، لكن المشكلة أن المقارنة لم تكن مبنية على أسس حقيقية. المقارنة من عندك أنت، من دماغك أنت، المقارنة بمزاجك أنت. فلمَّا قارنتَ، قارنتَ على حسب هواك وفيما يصب في مصلحتك. قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾. طيب، أنت انتصرت لمن خُلق من نار، فلماذا لم تنتصر لمن خُلق من نور؟ الملائكة خُلقوا من نور، فلماذا لم تنتصر لمن خُلق من نور؟ لأنه ينتصر لذاته، يقارن فيما يصب في مصلحته هو.

هذه المقارنات كل يوم تقريباً نرى آثارها على أرض الواقع. مثلاً: تزوَّجت — والحمد لله — سعيدة جداً بزوجها، حياتها مملوءة بالسرور والفرح والبهجة. مدة هذا الزواج السعيد فترة — والحمد لله — لا بأس بها. ثم ماذا حصل؟ أختها التي أصغر منها تزوَّجت. ففي لحظة من اللحظات قارنت بين زوجها وزوج أختها، فإذا بحياتها تتغيَّر. تصوَّروا! لم يتغيَّر في حياتها شيء، لم يتغيَّر في شخصية زوجها شيء، ولكن المقارنة أحدثت هذا التحوُّل.

حتى مع فرعون: القول الليِّن

ولو نظرتَ إلى أعلى درجات الطغيان والاعتداء، لوجدت الله تعالى يقول لموسى وهارون: ﴿اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ ۝ فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. ربنا عارف أنه طغى، ربنا سبحانه وتعالى يعلم أنه طغى، ومع ذلك علَّم نبيَّيه القول الليِّن. فإذا كان هذا الأمر مع فرعون — رأس الطغيان — فكيف بما دونه؟ السبيل إلى القلوب يبدأ باللطف والكلمة الطيبة، لا بالغلظة والاستعلاء.

ثم تأمَّلوا: إبليس الذي هو إبليس — قبل أن يكون شيطاناً كان مع الملائكة، يتعبَّد كما يتعبَّدون — ولكن المعصية جاءت بناءً على المقارنات.

صحبة السوء: مدخل آخر

ثم اعلم أن هناك آفة أكبر وهي صحبة السوء. يقول النبي ﷺ: «المَرءُ على دينِ خَليلِه» — ليس فقط على خُلُقه أو على عادته. كثير من الناس تبدَّلت عاداتهم بسبب أصحابهم. مثال بسيط: «والله ما كنتُ أفعل هذا من قبل!» فما الذي غيَّرك؟ «لا أدري… صاحبتُ فلاناً وهو يشرب القهوة كثيراً، فصرتُ أشرب مثله». تحوَّلت العادة بسبب الصحبة. كثير منا يستعمل كلمات جاءت من بيته، وكثير منا تغيَّر بسبب صحبته. فانظر مَن تُخالط، وإياك أن تُخالط مندوباً من مناديب الشيطان، وليكن همُّك أن تطيع الله.

وصايا ختامية

توصيات صغيرة نختم بها:

  • لا تَدَع صلاة الفجر مهما كلَّفك الأمر. وهناك تطبيق بسيط جداً موجود على التليفون اسمه «الأذكار»، انظره وردِّد الأذكار صباحاً ومساءً. ولأن الناس الذين يعملون به كسبوا منه كثيراً، فربما لا تستطيع القراءة وأنت ذاهب إلى عملك في الصباح، فتُشغِّل الصوت وتسمع: «أصبَحنا وأصبَحَ المُلكُ للهِ والحَمدُ لله».
  • واعلم أن من ترك الصلاة سُلِّط عليه الشيطان ممن يعاديه فيُبدِّل دينه؛ لأنك ما عُدتَ فاضياً تصلي وتصوم، وبقيت تفكر في الناس: كيف نحارب وكيف ندفع وأين نذهب وماذا نعمل؟ فيتبدَّل عليك دينك. وسبحان من علَّمنا ذلك.

الدعاء الختامي

اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبِّت اللهم على الحق أقدامنا. اللهم اهدنا سُبُلنا. اللهم آتنا كتبنا بأيماننا ولا تؤتِ كتبنا بشمائلنا. اللهم لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهَّاب. ربنا اغفر لنا ما أنت به أعلم وتب علينا واهدنا وأصلح لنا قلوبنا وأصلح لنا عقولنا وأصلح لنا أبداننا. اللهم طيِّب لنا خواطرنا وهيِّئ لنا من أمرنا رشداً. وبارك اللهم لنا فيما رزقتنا وقنا اللهم عذاب النار. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

(انتهى تسجيل الخطبة قبل اكتمالها — جزى الله من فرَّغ ووصَّل خيراً.)

شارك المقال