تطبيقٌ اجتماعيّ: مقاصد القرآن في إصلاح العلاقات والمجتمع
بقلم: د. أحمد محمد علي أبو سيف، رئيس أكاديمية الأئمة بأمريكا (American Imams Academy).
مقصد العدل: ميزان قيام المجتمع
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ﴾ [النحل: ٩٠]
تجمع الآية مقاصد الاجتماع في ثلاثٍ متدرّجة: العدلُ الذي يَضبط الحقوق فلا يُظلَم أحد، وهو الحدّ الأدنى الذي به قِوام المجتمع؛ ثم الإحسانُ الذي يتجاوز الحقّ المجرّد إلى الفضل والعطاء فيُذيب البغضاء ويَصنع المودّة؛ ثم صلةُ الأرحام التي تَبني اللُّحمة الأسريّة. فمن قرأها مقاصديّاً علم أنّ صلاح المجتمع لا يقوم على العدل القانونيّ وحده، بل يَكتمل بالإحسان الذي يَملأ الفراغ الذي يَعجز عنه القانون. ومجتمعٌ بلا إحسانٍ مجتمعٌ بارد، ولو أُقيم فيه العدل.
مقصد الشورى: المشاركة في القرار
﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]
مقصد الآية ترسيخُ مبدأ المشاركة وتداول الرأي في شؤون الجماعة، صغيرةً كانت كالأسرة أو كبيرةً كالأمّة. وتأمّل أنها جعلت الشورى وصفاً لازماً للمؤمنين، قَرَنته بالصلاة والإنفاق، فهي خُلقٌ راسخٌ لا إجراءٌ طارئ. ومقصدها يُربّي على احترام الآخر وإشراكه وتقدير عقله، ويَحمي من الاستبداد بالرأي وإقصاء الناس. والمسلم الذي يَعي هذا المقصد يُشاوِر أهله في بيته وزملاءه في عمله، ولا ينفرد بقرارٍ يَخصّ غيره؛ لأنه يَعلم أنّ الشورى تَبني الانتماء وتُوزّع المسؤوليّة.
مقصد الإصلاح بين الناس
﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الحجرات: ١٠]
جعل القرآن الإصلاح بين المتخاصمين فريضةً جماعيّةً يُخاطَب بها المجتمع كلُّه، وأثنى عليه حتى استثناه من ذمّ التناجي فقال: ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ [النساء: ١١٤]. ومقصده رأبُ الصدع وحفظ وحدة الجماعة من التشظّي. فالمجتمع المقاصديّ لا يَترك خصومةً تَستشري بين فردين حتى تَتّسع، بل يُبادر أفرادُه إلى الإصلاح ابتغاء هذا المقصد، ويَرَون السكوت عن الخصومة تفريطاً.
مقصد صيانة المجتمع: اجتناب ما يَهدمه
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ ... وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢]
حرّم القرآن سوء الظنّ والتجسّس والغيبة في آيةٍ واحدة؛ لأنّ مقصده الجامع حمايةُ نسيج المجتمع من التفكّك، فهذه الآفات الثلاث معاولُ تَهدم الثقة بين الناس: فسوء الظنّ يُفسد القلوب، والتجسّس يَنتهك الحرمات، والغيبة تَجرح الأعراض. فالنهي عنها ليس تضييقاً على الناس، بل صيانةٌ لمقصدٍ أكبر: مجتمعٌ تَسوده الطمأنينة وحُسن الظنّ والسِّتر. ومن فهم هذا المقصد كفَّ لسانه لا خوفاً من عقوبةٍ فحسب، بل حفاظاً على مجتمعه الذي يَعيش فيه.
وما أحوجَنا إلى هذا المقصد في عصر الشبكات الاجتماعية! فقد صارت الغيبةُ تُكتب وتُنشر فتُقرأ في الآفاق، وصار سوءُ الظنّ والتجسّس يَلبسان ثوب «التعليقات» و«المتابعة»، وتُهدَم الأعراض بمقطعٍ يُعاد نشره. والقارئ المقاصديّ يَستحضر أنّ مقصد الآية حمايةُ المجتمع، فيَجعل لِأصابعه على لوحة المفاتيح ما يَجعله لِلسانه: لا يَنشر فضيحةً، ولا يَخوض في عِرض، ولا يُسيء الظنّ بمنشورٍ يَحتمل التأويل. فحفظُ المجتمع الرقميّ من حفظ المجتمع الواقعيّ.
يتلوه المقال العاشر: «تطبيقٌ نفسيّ: مقاصد القرآن في طمأنينة النفس وعلاجها»
| خلاصةٌ للحياة اختَر علاقةً واحدةً هذا الأسبوع — جارٌ أو قريبٌ أو زميل — وطبّق فيها مقصد آيةٍ اجتماعيّة: أحسِن إلى من قصّر، أو أصلِح بين متخاصمَين، أو كُفَّ عن غيبةٍ اعتدتَها. فإصلاح المجتمع يبدأ من دائرتك القريبة، آيةً تُترجَم إلى فعلٍ واحدٍ صادق. | |---|
التعليقات
شارِكنا فائدةً أو ملحوظةً حول المقال، ونرحّب برأيك.
لا توجد تعليقات منشورة بعد. كن أوّل المعلّقين.