أ
د. أحمد أبو سيف
أكاديمية الأئمة
العودة إلى المقالات
سلسلة · الحلقة 5
حِكَمٌ وبصائر
حِكَمٌ وبصائر

موقعنا من الإعراب

قراءةٌ في موضع المؤمن حين تَدور رحى الحوادث

د. أحمد أبو سيف٢٤ مايو ٢٠٢٦14 دقائق قراءة
موقعنا من الإعراب
هذا المَقال خُلاصَةُ خُطبَة الجُمعَة بِعُنوان «موقعنا من الإعراب» (Where Do We Stand?) الَّتي أَلقاها د. أحمد أبو سيف في «مَسجد أكاديميَّة الأَئمَّة بأمريكا» (AIA Masjid) بِمَدينَة Sachse، ولاية تكساس (الولايات المتَّحدة الأَمريكيَّة)، يوم الجُمعَة 3 أبريل 2026م المُوافِق 15 شَوّال 1447هـ، ضِمن مَهامِّه في رِعايَة أَبناء الجاليَة المُسلِمَة.

مدخلٌ: الإعرابُ في النَّصّ، والإعرابُ في الحَدَث

تَعلَّمنا في صِغَرنا أنَّ كلَّ كلمةٍ في الجملةِ العربيَّةِ لها موقعٌ من الإعراب: فاعلٌ، أو مفعولٌ، أو حالٌ، أو خبر. وإذا اختلَّ موقعُها انكسرَ المعنى. لا يستوي أن تكون «زيدٌ» فاعلاً وأنتَ تتكلَّم في موضع المفعول، ولا أن تكون مرفوعاً وأنتَ في موضع الجَرّ. الكلمةُ بموقعها لا بهجائها.

وكذلك المؤمنُ في الحوادث: له موقعٌ من الحَدَث ينبغي أن يَعرِفه. فإذا غابَ عنه، اختلَّ في نفسه ميزانُه، واختلَّ في الناس بيانُه. فأنتَ — أيُّها المؤمن — كلمةٌ في جملةِ التاريخ. فما موقعك من إعرابِ هذه الجملة؟

هذا سؤالٌ نَتفكَّر فيه اليومَ، ونحن نَنظر إلى ما يَجري حولنا: نَظراً من فوقُ، لا من وَسَط. من فوقِ السحاب، حيث يُرى مجرى الأنهارِ على هيئته الكلِّيَّة، لا من قَعْر النَّهر حيث لا نَرى إلا الطِّينَ والحَجَر.


أوَّلاً: سورةُ الرُّوم — حين تَقَع الحربُ بين كافِرَيْن

افتتحَ ربُّنا سبحانه سورةَ الرُّوم بقصَّةٍ غريبةٍ على ظاهرها، عجيبةٍ في حقيقتها:

*«الٓمٓ * غُلِبَتِ ٱلرُّومُ * فِىٓ أَدْنَى ٱلْأَرْضِ وَهُم مِّنۢ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ * فِى بِضْعِ سِنِينَ ۗ لِلَّهِ ٱلْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنۢ بَعْدُ ۚ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ ٱللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَآءُ ۖ وَهُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ»* (الرُّوم: 1–5).

وُجوهُ العَجَب في هذه الآيات كثيرة. الرُّومُ ليسوا مسلمين، والفُرسُ ليسوا مسلمين. حربٌ بين كافِرَيْن، انتصرَ فيها أحدُهما على الآخر — فلِمَ يَعنينا في القرآنِ خبرُهما؟ ولِمَ يُخبرنا اللهُ أنَّ «المؤمنين يَفرحون» بهزيمةِ أحدِهما وانتصارِ الآخر؟

أَجابَ المفسِّرون: لأنَّ الفُرسَ كانوا مَجوساً يَعبدون النار، والرُّومَ كانوا أهلَ كتاب، وكان النصرُ لأهلِ الكتاب — وإن لم يكونوا مسلمين — أَقربَ إلى أهلِ الإيمانِ من النصرِ للوَثَنيِّين[1]. ولهذا فَرِحَ المسلمون بنصرِ الرُّومِ على فارس.

ولكنَّ في الآيةِ لطيفةً أعمقَ من هذا. القرآنُ يُعلِّم المؤمنَ أن يكونَ له «موقعٌ من إعرابِ الحَدَث» حتى حين يكونُ الفاعلون كلُّهم غيرَ مسلمين. أنتَ لستَ طرفاً ميدانيّاً في كلِّ حربٍ — ولكنَّك ميزان. لكَ في كلِّ حَدَثٍ «نَظرةٌ» تَقرأ بها أين الحقُّ النِّسبيُّ من الباطلِ النِّسبيِّ، وتَقرأ بها مَآلَ الحَدَثِ على مَصير الإيمان في العالم. هذه هي البَصيرة القرآنيَّة.


ثانياً: حين تَدور الرَّحى بين قوَّتَيْن ليس بينك وبينهما إلَّا التاريخ

اليومَ — ونحن في خواتيمِ الرُّبعِ الأوَّلِ من القرنِ الخامسَ عشرَ الهجريّ — تَدور الرَّحى أمامنا بين قُوًى لا واحدةَ منها تُمثِّل دارَ الإسلامِ بمعناه الكلِّيّ. حروبٌ في المنطقة، اشتباكاتٌ بين دولٍ تَختلف مذاهبُها وتَتباين مَشاريعها، ووَراء كلِّ طرفٍ منها سياسةٌ تَخدُم بها مَن وراءَه من القُوى الكُبرى.

والمؤمنُ الذي يَنظر إلى هذه الجملةِ من السماء — لا من الأرض — يَسأل نفسَه ثلاثة أسئلة:

  • ما موقعي من هذا الإعراب؟
  • وهل أنا فاعلٌ مُسلَّحٌ بسيف، أم شاهدٌ مُسلَّحٌ بميزان؟
  • وما الذي ينبغي أن يَفرحَ به قلبي، وما الذي ينبغي أن يَحزنَ له؟

هذه ليست أسئلةً مُجرَّدة. هذه أسئلةٌ تَطرحها كلُّ خُطبةِ جمعةٍ على مَن يَسمعها بقلبه قبل أُذنه. لأنَّ المؤمنَ ليس له أن يَستلَّ نفسَه من جسدِ العالم، فيقول: «هذا شأنٌ بين قَومٍ لا أعرفهم، فما لي ولهم؟» لأنَّ ما يَجري في العالم يَنعكس على دارِ الإسلام، ويَنعكس على مَنزلةِ المسلم، ويَنعكس على إعلانِ الإسلامِ في الأرض. والمؤمنُ الذي لا يَستشعر هذا، قد فَقَدَ موقعَه من الإعراب.

وفي الجِهَةِ الأخرى، ليس له أن يَدخل في كلِّ معركةٍ كأنَّه طرفٌ فيها، فيَتشرَّبَ نَفَسَ هذا الفريق، ويَكرهَ أعداءَ ذاك الفريق. لأنَّ الميزانَ القرآنيَّ ليس انحيازاً قَبَلِيّاً، بل حُكمٌ بعد نَظَر.


ثالثاً: فِتنةُ الشَّماتة — حين يَلتبسُ الفرحُ بنصرِ الإيمان بالفرحِ بهزيمةِ الإخوان

أَخطرُ ما يَعرِض للمؤمنِ في زمنٍ كهذا، أن يَختلطَ عليه أمران:

  • الفرحُ بنصرِ الإيمان: وهو فَرحٌ مأمورٌ به، كما فَرِحَ الصحابةُ بنصرِ الرُّومِ على فارس.
  • الشَّماتةُ في طائفةٍ من المسلمين ابتُلِيَت بحربٍ: وهي خَلَّةٌ نَهى عنها رسولُ الله ﷺ، فيما رُويَ بإسنادٍ يَلين، عن واثلةَ بنِ الأسقع: *«لا تُظهرِ الشَّماتةَ لأخيك فيَرحمَه اللهُ ويَبتلِيَك»*[2]. والمعنى عضدتْه أصولُ الشريعة وأخلاقُ الإيمان.

اللَّبسُ بين هذين الأمرين قاتل. فمن المسلمين اليومَ مَن يَنظر إلى ما يَنزل بطائفةٍ مذهبيَّةٍ غيرِ طائفتِه من بلاءٍ في الحرب، فيَفرح. ويَحسَب أنَّ فرحَه هذا من «نصرِ السنَّة» أو «انتصارِ الحقّ». وهو في الحقيقة شَماتةٌ، لا فَرَحَ إيمان.

لأنَّ القاعدةَ في الفرحِ القرآنيِّ: نَفرح حين يُنصَر الإيمانُ كلٌّ على الكفر كلٌّ. لا حين يَنكَسر مسلمٌ — وإن كان مُخالفاً لنا في فُروعِ المذهب — تحت ضرباتٍ صَهيونيَّةٍ أو إقليميَّةٍ ليست من جنسِ الإيمان.

والمسلمُ الذي يَسمع خبرَ بيتٍ هُدِم في ضاحيةٍ من ضواحي بلدٍ مذهبُ أهلِه غيرُ مذهبه، فيَقول في نفسه: «جزاؤهم بما فعلوا» — هذا المسلمُ قد ضَلَّ موقعَه من الإعراب. لأنَّ المَيتَ تحت الرُّكام مسلمٌ، والمُهَجَّرَ مسلم، واليتيمَ مسلم. وما بين المذاهبِ من خلافٍ فُروعيٍّ لا يَنزع عن أحدِهم وَصفَ الإسلام.

الشَّماتةُ بمسلمٍ — أيّاً كان مذهبه — حين يَنزِل به بلاءٌ من غيرِ المسلمين، خَلَّةٌ لا تَنبت في قلبٍ يَعرف ميزانَ الإيمان.

هذا لا يَعني أن نُلغيَ الفروقَ المذهبيَّة، ولا أن نُسوِّيَ بين مَن أصاب في مَنهجه ومَن جانَب الصواب. ولكنَّه يَعني أن نَضَع كلَّ شيءٍ في موقعه: الخلافُ المذهبيُّ يُعالَج في كتابِ الفقه وكتابِ العقيدة، لا في فَرحةٍ بمصابِ مسلم. الإعرابُ في موقعه.


رابعاً: المؤمنُ في الغرب — موقعٌ ثالث

أين موقعُنا — نحن المسلمين في الغرب — من هذا الإعراب؟

لسنا طرفاً عسكريّاً، ولا مَوقعاً جغرافيّاً من مَواقع الصراع. ولكنَّنا في قلبِ الحَدَث من جِهَتَيْن:

  • الجِهَةُ الأولى: أنَّ المنظومةَ السياسيَّةَ التي نَعيش تحت ظِلِّها هي ذاتُها الفاعلةُ في كثيرٍ من تلك الحوادث؛ تَدعَم هذا، وتَكبَح ذاك، وتُمسِك بزِمامِ السياسةِ الكبرى للعالم.
  • الجِهَةُ الثانية: أنَّ صورةَ الإسلامِ عند الناس هنا تُرسَم بنا — بسلوكنا، وحديثنا، ومَوقفِنا.

ومن هاتين الجِهَتَيْن: علينا واجبٌ مُضاعَف.

في الجِهَةِ الأولى: علينا أن نكونَ في خِطابِنا للسياسةِ العامَّةِ أصحابَ بَصيرةٍ لا أصحابَ هَوى. حين نَعترض على سياسةٍ من سياساتِ الحقبةِ الحاليَّة — كالحملةِ المُتشدِّدةِ على المهاجرين، أو خِطابِ التضييقِ على المسلمين، أو دَعمِ الحروبِ التي يَذهب ضحيَّتها مَدنيّون أبرياء — نَعترض بلسانِ الحقِّ، لا بلسانِ الحِزب. نَقول: «هذا ظُلم» لأنَّه ظُلم، لا لأنَّه جاءَ من فلانٍ دون فلان. والظُّلمُ ظُلمٌ من أيِّ جِهةٍ صَدَر. وفي الانتخاباتِ نُدلي بأصواتنا على ميزانِ المصلحةِ الشرعيَّة، لا على ميزانِ العاطفةِ القَبَليَّةِ لحزبٍ على حزب.

في الجِهَةِ الثانية: علينا أن نَعرف أنَّ في كلِّ بيتٍ مسلمٍ في شارلوت، وتامبا، ونيويورك، وكاليفورنيا، سفارةً للإسلام. السفيرُ لا يَتبرَّأ من قَومه، ولكنَّه لا يَستجلب كَرَهَ قَومٍ آخرين بسلوكِه. السفيرُ يَنقل صورةَ بلادِه — ونحن نَنقل صورةَ دينِنا.

في الغُربةِ، أنتَ سفيرٌ قبل أن تكونَ ناقداً.

ولا تَنافيَ بين الأمرين. السفيرُ الحاذقُ يَنتقد سياسةَ الدولةِ التي يَعيش فيها بأسلوبٍ يَفتحُ الباب، لا يُغلقه. ينتقد لِيُصلِح، لا لِيَطعَن. هذا هو موقعُ المؤمن في الغرب اليوم.


خامساً: الحوادثُ تَنقَضي، والكلمةُ تَبقى

ينبغي أن نَعرف أنَّ السياسةَ متقلِّبة. حُكوماتٌ تَأتي وتَذهب. سياساتٌ تُسَنّ ثُمَّ تُلغى. شخصيَّاتٌ تَبرز ثُمَّ تَخبو. هذه طبيعةُ الدنيا. *«وَتِلْكَ ٱلْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ ٱلنَّاسِ»* (آل عمران: 140).

ومن هنا، لا ينبغي للخِطابِ الإسلاميِّ أن يكونَ مَرهوناً برَجُلٍ بعينه ولا بحزبٍ بعينه. الخِطابُ المَرهونُ بشخصٍ يَسقط بسقوطه، والخِطابُ المَرهونُ بحزبٍ يَتلوَّن بتلوُّنه. الخِطابُ القرآنيُّ يَتعامل مع الأنماط، لا مع الأعيان. وأنماطُ الظلمِ باقية، وأنماطُ العَدلِ باقية، وإنَّما تَتبدَّل وُجوهُها.

فمَن كَتَبَ اليومَ مَقالاً في «أوصافِ فُلان» سَقَطَ مقالُه يومَ يَخرج فلانٌ من المشهد. ومَن كَتَب في «نَمَطِ الاستضعاف» أو «نَمَطِ الاستكبار» أو «نَمَطِ الحُكمِ بغير ما أنزلَ الله» — بَقي مقالُه نافعاً ما دامَ في الناسِ مُستضعَفٌ ومُستكبِر.

هذا هو أُسلوبُ القرآن. أَخبرَنا عن فِرعونَ لا عن «الفِرعونِ الفلانيِّ»، أَخبرَنا عن قارونَ لا عن «القارونِ الفلانيِّ»، أَخبرَنا عن هامانَ لا عن «الهامانِ الفلانيِّ». لأنَّ الإعرابَ في الأنماط، لا في الأعيان. فإذا انقضى فِرعونُ موسى، قام بعده فِرعونُ كلِّ زمان، يَعرفه قارئُ القرآن بسيماه: *«إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِى ٱلْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا»* (القصص: 4).


سادساً: ما الذي نُقدِّمه في زمنٍ كهذا؟

أَعودُ بكَ — يا أخي القارئ — إلى السؤالِ الذي افتتحنا به: ما موقعُك من إعرابِ هذه الجملة؟ وأُجيب بأربعِ كلماتٍ ينبغي أن تكونَ في موقعها:

أوَّلاً: العِلم. اِبنِ معرفتَك بالعالم. اِقرأ التاريخ. تَعرَّف على السُّنَن. اِسأَل عن خَلفيَّاتِ الأحداث. لا تَنفعل قبل أن تَفهم. الفَهمُ سابقٌ للمَوقف، وإلَّا كان المَوقفُ هَوى.

ثانياً: الميزان. اِجعل ميزانَك القرآن، لا التحيُّزَ القَبَليَّ ولا العاطفةَ المذهبيَّة. اِحكم بالعدل، فإنَّ *«شَنَـَٔانُ قَوْمٍ»* لا ينبغي أن يَحملك على تَركِ العدل. تَعلَّم الفرحَ في موضعه، والحزنَ في موضعه، والصمتَ في موضعه. *«يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُونُوا۟ قَوَّٰمِينَ لِلَّهِ شُهَدَآءَ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَـَٔانُ قَوْمٍ عَلَىٰٓ أَلَّا تَعْدِلُوا۟ ۚ ٱعْدِلُوا۟ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ»* (المائدة: 8).

ثالثاً: الدَّعوة. اِجعل بيتَك ومسجدَك وعملَك ساحاتٍ للدعوة بالحالِ قبل المقال. الناسُ الذين تَجلس بجانبهم في القطار، ويُعالجك طبيبُهم، ويُعلِّم أبناءَك معلِّمُهم — هؤلاء يَقرؤون الإسلامَ منكَ قبل أن يَقرؤوه من كتاب. اِجعل القراءةَ منكَ مُشرِّفةً للدِّين.

رابعاً: الجَماعة. لا تَكُن وَحدك. اِنخرط في عملٍ مُشترَك: مسجدٌ تَخدمه، مَدرسةٌ تُعلِّم فيها، جمعيَّةٌ خيريَّةٌ تَعمل بها. الفَردُ ضعيف، والجَماعةُ قوَّة. والمسلمُ في الغربِ اليومَ في حاجةٍ ماسَّةٍ إلى أن يكونَ جزءاً من بِنيةٍ، لا أن يكونَ ذرَّةً مُتفرِّقة.


الخاتمة: «وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ»

عُد إلى آيةِ سورةِ الرُّوم: *«وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ ٱلْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ ٱللَّهِ»* (الرُّوم: 4–5).

الفَرحُ في هذه الآية ليس فَرَحَ شَماتةٍ بطرفٍ هَلَك، ولا فَرَحَ تَشَفٍّ من قَومٍ كُسِروا. هو فَرَحُ بَصيرة. فَرَحٌ بأنَّ الميزانَ الكلِّيَّ للعالم سارَ في مَسارٍ يَخدم — في تلك اللحظة — مَصير الإيمانِ في الأرض.

ونحن في زمنٍ كهذا، لنا فَرَحٌ مُمكنٌ، إذا أَحسنَّا الإعراب:

  • فَرَحٌ بأنَّ المسلمَ في الغربِ — رغم كلِّ التضييق — لم يَزَل قائماً، يُصلِّي ويَدعو ويُعلِّم.
  • فَرَحٌ بأنَّ شبابَ الإسلامِ في كلِّ مكانٍ يَبحثون عن دينهم بحثاً أعمقَ من بحثِ آبائهم.
  • فَرَحٌ بأنَّ ميزانَ القرآنِ ما زالَ حاضراً في النفوس، يَكشف للناسِ مَواقعَ الإعراب حين تَلتبس.

ولنا حزنٌ مُمكنٌ، إذا أَحسنَّا الإعراب أيضاً:

  • حزنٌ على مسلمين يَموتون تحت الرُّكام، أيّاً كان مذهبهم.
  • حزنٌ على إخوةٍ تَفرَّقوا، فصارَ بأسُهم بينهم شديداً، وعدوُّهم يَتفرَّج.
  • حزنٌ على أُمَّةٍ نَسيَت موقعَها من الإعراب، فصارت كَمَن يَتكلَّم بكلامٍ لا يَفهم نَحوَه.

أَسأل اللهَ أن يَجعلنا مِمَّن عَرَفوا موقعهم: لا فاعلين بغير ميزان، ولا مَفعولاً بهم بغير وَعي. وأن يَرزقنا فَرَحَ المؤمنين بنصرِه، وحُزنَ المؤمنين على ما يُحزنه، وثَباتَ المؤمنين على ما يَرتضيه.

وصلَّى اللهُ على نبيِّنا محمَّدٍ وعلى آلِه وصحبِه وسلَّم تسليماً كثيراً.

الهوامش

  1. انظر تفسير ابن كثير لأوائل سورة الروم، وجامع البيان للطبري، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي، على قوله تعالى: *«غُلِبَتِ ٱلرُّومُ»*؛ وقد اتَّفق المفسِّرون على أنَّ سببَ فَرَحِ المؤمنين بنصر الروم كَون الرومِ أهلَ كتاب، والفُرسِ مَجوساً.
  2. رواه الترمذي في سننه (2506) من حديث واثلة بن الأسقع ـ رضي الله عنه ـ، وضعَّفه الألباني في «ضعيف الترمذي» وفي «ضعيف الجامع» (6042). ومع ضعفِ إسناده، فمعناه عضدتْه أصولُ الشريعة في النهي عن الشَّماتة بالمسلم، فأَوردناه على وجه الاعتبار لا الاحتجاج.
شارك المقال